أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: راكبُ الموج














المزيد.....

قصة قصيرة: راكبُ الموج


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 00:20
المحور: الادب والفن
    


حينما يصبح الناي صلاةً سريةً للطبيعة، تُولد الحكايات من تفاصيل صغيرة، ثم تكشف في نهايتها وجهاً آخر للناس، وجهاً لا تفضحه إلا ساعة الامتحان.
كان نهاراً ربيعياً يغسل الوادي بضوء دافئ، بينما ظلت الريح تحمل شيئاً من برد الشتاء الراحل. جلس الراعي على حافة الوادي، متلفعاً بأشعة الشمس أكثر من عباءته، يراقب أغنامه وهي تنتشر بين الأعشاب الخضراء. رفع نايه إلى شفتيه، فانطلقت منه أنغام رخية، كأنها تنسج خيطاً خفياً بين الإنسان والطبيعة.
كانت الأغنام ترعى على مهل، فيما كانت نغمات الناي تتهادى مع حركتها، حتى ليبدو أن العشب نفسه يصغي إليها.
حدث نفسه:
- ما أجمل أن يبقى العمر كله نهاراً كهذا... بلا خوف، ولا خصام، ولا وجوه غريبة.
غير أن المسؤولية كانت تكبح اندفاع شبابه. فما دام القطيع في عهدته، فلا مجال للغفلة، مهما أغرته الأحلام.
اقترب شابان من عين الماء، وقد بدت على وجهيهما آثار التعب والسفر. قال أحدهما:
- السلام عليكم يا أخي، هل ماء العين صالح للشرب؟
ابتسم الراعي وهو يواصل عزفه قائلاً:
- اشربا... هذا الماء لا يعرف غير الصفاء.
شرب الشابان، وغسلا وجهيهما، ثم شكراه بإشارة من أيديهما، وغادرا المكان. عاد الراعي إلى نايه، لكنه شعر بوخزة غامضة في داخله.
- لماذا التفت أحدهما أكثر من مرة؟ أهو فضول، أم شيء آخر؟
لم تمض دقائق حتى سمع وقع أقدام خلفه. وقبل أن يستدير، انقض الشابان عليه، وثبّتاه أرضاً، وأحكما وثاقه بعمامته، ثم كمما فمه بلثام غليظ. حاول المقاومة، لكن المفاجأة كانت أسرع من قوته. ألقي به في حفرة ضيقة بين الصخور، وفي أثناء ذلك سمع وقع أجراس القطيع يبتعد شيئاً فشيئاً.
- لا، ليس القطيع، إنه رزق أهل القرية جميعاً.
ساد الصمت. حتى الناي، الذي اعتاد أن يملأ الوادي حياةً، سقط إلى جواره صامتاً. بدت الأغنام مضطربة للحظات، وكأنها أدركت أن شيئاً انكسر في ذلك النهار، ثم مضت مدفوعة بعصي اللصين نحو الغرب.
بعد وقت ليس بالقصير، مرّ رجل يمتطي دابته قاصداً عين الماء. لفت انتباهه الناي الملقى على الأرض، ثم لمح الراعي في الحفرة، أسرع إلى فك وثاقه. قال الراعي بصوت متقطع:
- اللصوص، أخذوا القطيع... أسرع... لا وقت للكلام.
لم يتردد الرجل.
امتطى دابته، وانطلق نحو القرية، يطلق عيارات نارية في الهواء، إشارة يعرفها الجميع: الخطر. كانت الطلقات تتردد بين التلال، فتُخرج الرجال من بيوتهم مسرعين، يحمل كل واحد بندقيته، دون أن يسأل كثيراً.
- القطيع لنا جميعاً... ومن يسرقه يسرق خبز القرية.
انتشر الرجال في الصحراء، كل يسلك اتجاهاً، حتى ضاقت الأرض على اللصين. وبعد ساعات من المطاردة، عاد القطيع إلى الديار. ارتفعت زغاريد النساء، وتعالت ضحكات الأطفال، بينما أخذ الراعي يربت على رأس الكبش الكبير، وقد عاد جرسه يدق كما كان.
وفي المساء، اجتمع أهل القرية يتبادلون التهاني. كان الجميع يتحدث عن شجاعة الرجال، وعن سرعة النخوة، إلا رجلاً واحداً بقي طوال النهار جالساً في مجلسه الوثير، كان تاجراً عرفه الناس ببيع السلاح خفية في سنوات مضت، ولم يحمل بندقية في ذلك اليوم، ولم يشارك في المطاردة، لكنه نهض فجأة، ونفض غبار ثوبه، وقال بصوت ملأ المجلس:
- أنا الذي أعدت لكم اعتباركم... فلولا السلاح الذي بعته لكم قبل أعوام، لما استطعتم استرجاع مواشيكم.
ساد صمت ثقيل. نظر الرجال بعضهم إلى بعض، ولم يتكلم أحد. أما الراعي، فانحنى يلتقط نايه من الأرض، ونفض عنه التراب، ثم وضعه على شفتيه، خرج لحن هادئ، لكنه كان هذه المرة حزيناً... وبقي اللحن معلقاً حزيناً في فضاء القرية على من يسرق البطولة، من يجيد ركوب الموج بعد انقضاء العاصفة، في كل زمان ومكان.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: الحُلم
- قصة قصيرة: ما لم يحمله الماء
- قصة قصيرة: الشبح
- قصة قصيرة: وجهٌ في العتمة
- قصة قصيرة: حصاة على الجبين
- قصة قصيرة: حين انحنت العصا
- قصة قصيرة: جيوبُ التفكير
- قصة قصيرة: الزناد الذي لم يُضغط
- قصة قصيرة: الطوق
- استنطاقُ الطين بين عفوية النشأة ورهبةِ النفي: قراءة تأملية ف ...
- قصة قصيرة: ما بعد التصفيق
- قصة قصيرة: هناك يضيع الاسم
- قصة قصيرة: محكمة الصمت
- قصة قصيرة: رِجّلٌ غائبة تقود
- قصة قصيرة: ثقوبٌ في الذاكرة
- قصة قصيرة: الخوف
- الأرض التي تحفظ أسماءها: قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثر ...
- قصة قصيرة: ثِقل السنابل
- قصة قصيرة: محاكمة أنثى
- قصة قصيرة: الحقل الأصفر


المزيد.....




- من نحيب -تموز- إلى كاظم الساهر.. لماذا يبكي الغناء العراقي؟ ...
- المجمع المعماري لمركز معارض عموم روسيا في موسكو يستعد لتقييم ...
- ألكسندر بلوك.. رحيل أنهى حقبة العصر الفضي للأدب الروسي
- لا تتجاوز 15 دقيقة.. أفلام مصرية قصيرة بحكايات لا تُنسى
- آثار العراق مهددة بالزوال.. كيف -يُقنَّن- التاريخ باسم الاست ...
- -خيار خاطئ-.. إعلام إسرائيلي يهاجم فنانة مصرية تخلت عن يهودي ...
- صدور رواية لا تنتظرني للكاتب علاء غسان نصار
- الاشتراكات الشهرية في -إنستغرام- تصبح مصدر دخل جديد.. تعرف ع ...
- -أمك ثم أمك ثم أمك-.. لماذا اختارت هوليود حديثا نبويا عنوانا ...
- عودة شيرين عبد الوهاب تشعل المسرح.. استقبال حافل وانتقادات ت ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: راكبُ الموج