أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الغاء عقوبة الاعدام - سعاد عزيز - من صيف الدم إلى حاضر الإعدامات














المزيد.....

من صيف الدم إلى حاضر الإعدامات


سعاد عزيز
کاتبة مختصة بالشأن الايراني

(Suaad Aziz)


الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 16:48
المحور: الغاء عقوبة الاعدام
    


هناك جرائم يرتكبها الحكام تحت وطأة الخوف، وأخرى ترتكب بدافع الانتقام، لكن مجزرة السجناء السياسيين في إيران خلال صيف عام 1988 تنتمي إلى فئة أشد خطرا؛ فهي جريمة ارتكبت باعتبارها عقيدة حكم، لا مجرد إجراء أمني. لقد كانت إعلانا صريحا بأن نظام ولاية الفقيه لا يرى في الإنسان سوى قيمة واحدة: مقدار خضوعه المطلق للسلطة. أما من يرفض، فمكانه المشنقة، حتى وإن كان يقضي حكما بالسجن صادرا عن محاكم النظام نفسه.
إن الوثائق التي توالت على الظهور خلال السنوات الماضية، من مذكرات حسين علي منتظري إلى المراسلات الرسمية بين كبار مسؤولي القضاء والقيادة، لم تترك مساحة للجدل بشأن المسؤول الأول عن تلك المجزرة. فالأمر لم يكن مبادرة من قاض متشدد، ولا تجاوزا من الأجهزة الأمنية، ولا حتى قرارا صاغه أحمد خميني كما حاول البعض الترويج لاحقا، بل كان قرارا اتخذه روح الله خميني شخصيا، وأصدر بشأنه فتوى واضحة، ثم تابع تنفيذها بإصرار، رافضا أي دعوة للتراجع أو حتى للتريث.
لقد جاءت الفتوى بلغة تكشف العقلية التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها؛ إذ اعتبرت السجناء السياسيين الذين ظلوا متمسكين بقناعاتهم "محاربين"، وأكدت أن الرحمة بهم ضرب من السذاجة، وأن الحزم في القضاء عليهم واجب شرعي. ولم يكن المقصود محاكمة جديدة أو مراجعة قانونية، بل تصفية جماعية لآلاف السجناء الذين كانوا قد حوكموا أصلا ويقضون أحكامهم داخل السجون.
والأخطر من ذلك أن خميني لم يكتف بإصدار الفتوى، بل تدخل في تفاصيل تنفيذها. فعندما استفسر رئيس المحكمة العليا آنذاك عبد الكريم موسوي أردبيلي عن كيفية التعامل مع بعض الحالات القانونية، جاء الرد أكثر تشددا من الفتوى نفسها، مؤكدا أن كل من يتمسك بموقفه السياسي يجب أن يعدم فورا، مع التشديد على الإسراع في التنفيذ. وهكذا، تحولت العدالة إلى إجراء شكلي، وأصبحت حياة الإنسان رهنا بإجابة مختصرة أمام ما عرف لاحقا بـ"لجان الموت".
ولم يكن اعتراض حسين علي منتظري، نائب خميني آنذاك، قادرا على إيقاف آلة القتل. فقد حذر من أن ما يجري سيكون وصمة عار تلاحق النظام والتاريخ، لكن الرد جاء برسالة مؤرخة في السادس من أغسطس/آب 1988، أعلن فيها خميني صراحة أنه يتحمل المسؤولية الشرعية كاملة عن القرار، رافضا كل التحفظات. وبهذا الاعتراف، لم يعد ممكنا لأي محاولة لاحقة أن تفصل المجزرة عن مؤسس النظام نفسه.
لقد تجاوزت المجزرة حدود الانتقام السياسي، لتصبح لحظة تأسيسية في فلسفة الحكم. فمنذ ذلك الوقت، لم يعد الإعدام مجرد عقوبة، بل تحول إلى وسيلة لإدارة المجتمع وإخماد أي معارضة. وليس من قبيل المصادفة أن كثيرا من أعضاء "لجان الموت" تولوا لاحقا أرفع المناصب في القضاء والدولة، لأن النظام لم يعتبر ما فعلوه جريمة، بل خدمة استثنائية استحقت المكافأة.
ومن يراقب إيران اليوم يدرك أن صيف 1988 لم ينته. فالإعدامات لا تزال مستمرة، والمحاكم الاستثنائية ما زالت تؤدي الدور نفسه، والاعتقالات السياسية لم تتوقف، وأجهزة الأمن لا تزال تتعامل مع المعارضين بمنطق الاستئصال لا بمنطق القانون. لقد تبدلت الأسماء والوجوه، لكن الفلسفة بقيت كما هي: سلطة ترى أن بقاءها يبرر سحق المجتمع.
إن أخطر ما تكشفه وثائق المجزرة ليس عدد الضحايا، مهما كان مروعا، بل حقيقة النظام نفسه. فهي تثبت أن ولاية الفقيه لم تبن على مفهوم الدولة أو القانون، وإنما على شرعنة العنف باسم الدين، وتحويل الفتوى إلى أداة للقتل الجماعي. ولذلك فإن من يظن أن النظام الإيراني الحالي يختلف جوهريا عن نظام عام 1988 يتجاهل حقيقة واضحة؛ فالنظام الذي لم يعترف بجريمته، ولم يحاسب مرتكبيها، بل منحهم السلطة والنفوذ، لا يمكن أن يكون قد غير طبيعته.
لقد أراد خميني أن يدفن آلاف السجناء في مقابر مجهولة، لكنه لم يدرك أن الوثائق والشهادات ستخرج تباعا لتجعل من تلك المجزرة شاهدا دائما على حقيقة المشروع الذي أسسه. ولهذا ستبقى مجزرة صيف 1988 ليست مجرد ذكرى أليمة، بل الدليل الأكثر وضوحا على أن نظام ولاية الفقيه لم يكن يوما نظاما سياسيا قابلا للإصلاح، بل منظومة قامت على الدم، ولا تزال تستمد بقاءها منه.



#سعاد_عزيز (هاشتاغ)       Suaad_Aziz#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيفين... حين يتحول السجن إلى مرآة لخوف النظام من انتفاضة جدي ...
- -سيمای آزادي-... ثلاثون عاما في مواجهة آلة التعتيم
- أزمة القرار في طهران... حين يصبح الانقسام أخطر من التهديد ال ...
- نيويورك بوست تقرأ الواقع الإيراني... لا تتنبأ به
- ما بعد الحرب والمفاوضات... لماذا يبقى الحل في إيران نفسها؟
- حين تتحول المحرمات إلى أدوات لتمويل النظام
- اقتصاد يدفع ثمن الحرب... والمواطن الإيراني يسدد فاتورة سنوات ...
- حين يصبح الجوع ثورة.. الفقر يقرع أبواب النهاية في إيران
- المشانق... آخر أسلحة نظام يخشى انتفاضة الشباب
- نظام يحرق أوراقه في أيامه الأخيرة
- إيران على حافة الانفجار: نظام يلوح بالحرب وشعب يطالب بالخلاص
- أزمة بنزين أم أزمة نظام؟
- حين يصبح أمن الشعوب رهينة لبقاء نظام الملالي
- عندما يعجز النظام الکهنوتي عن إدارة أزماته
- لماذا يخشى نظام الملالي السلام أكثر من الحرب؟
- نظام الملالي بين معركة الخلافة وانهيار القدرة على الحكم
- عندما يتحول البديل الديمقراطي الى محور النقاش الدولي
- حسم ملف نظام الملالي يبدأ بإشراك الشعب الإيراني
- من أجل ضمان الأمن والسلام والانتصار للشعب الإيراني
- الاسباب المتجذرة للرفض الشعبي المنظم للنظام الايراني


المزيد.....




- آلاف الأشخاص يتظاهرون بشرق ألمانيا للمطالبة باستقالة الحكومة ...
- الحوثيون يشنون هجوماً جديداً على مأرب، والأمم المتحدة تحذر م ...
- 100 دولار لكل عائد.. الأمم المتحدة تشجع السوريين على العودة ...
- اليونيسف تتحرك بشأن موظف متهم بالتجسس لصالح إسرائيل
- مندوب كوبا لدى الأمم المتحدة: الولايات المتحدة تمهد الطريق ل ...
- منارة لحرية الصحافة تتراجع.. كيف خسرت كوستاريكا استثنائيتها ...
- -اليونيسف- توقف موظفا رفيعا بتهمة التجسس لصالح إسرائيل
- الخارجية الروسية: لا نستبعد إمكانية ظهور مرشحين جدد لمنصب ال ...
- نادي الأسير: تمديد منع زيارات الأسرى الفلسطينيين يكرّس عزلهم ...
- عون يعلن تقدماً في ملفي الحدود والأسرى ويكشف عن تحركات أمريك ...


المزيد.....

- نحو – إعدام! - عقوبة الإعدام / رزكار عقراوي
- حول مطلب إلغاء عقوبة الإعدام في المغرب ورغبة الدولة المغربية ... / محمد الحنفي
- الإعدام جريمة باسم العدالة / عصام سباط
- عقوبة الإعدام في التشريع (التجربة الأردنية) / محمد الطراونة
- عقوبة الإعدام بين الإبقاء و الإلغاء وفقاً لأحكام القانون الد ... / أيمن سلامة
- عقوبة الإعدام والحق في الحياة / أيمن عقيل
- عقوبة الإعدام في الجزائر: الواقع وإستراتيجية الإلغاء -دراسة ... / زبير فاضل
- عقوبة الإعدام في تونس (بين الإبقاء والإلغاء) / رابح الخرايفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الغاء عقوبة الاعدام - سعاد عزيز - من صيف الدم إلى حاضر الإعدامات