حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث
(Hossam Aldin Fayad)
الحوار المتمدن-العدد: 8790 - 2026 / 8 / 7 - 12:54
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
" لا تتحول الأخطاء إلى أزمات لأنها تقع، بل لأنها تجد من يبرر استمرارها أكثر مما يسعى إلى تصحيحها " (الكاتب).
لا يخلو مجتمع من الأخطاء، كما لا يخلو إنسان من لحظات يخطئ فيها التقدير أو القرار. فالخطأ ليس استثناء في الحياة الاجتماعية، بل جزء من طبيعة الإنسان وحدود معرفته وتعقيد الواقع الذي يعيش فيه. غير أن الفارق الحقيقي بين الأفراد والمجتمعات لا يكمن في عدد الأخطاء التي يرتكبونها، وإنما في الكيفية التي يتعاملون بها معها. فهناك مجتمعات تنظر إلى الخطأ بوصفه فرصة للتعلم وإعادة النظر، وأخرى تنشغل بالدفاع عنه أكثر من انشغالها بفهم أسبابه. بذلك، لا يعود التبرير مجرد استجابة عابرة لموقف محرج، بل يبدأ في التحول تدريجياً إلى ثقافة تؤثر في طريقة التفكير، وفي آليات اتخاذ القرار، وفي قدرة المجتمع على تصحيح مساره.
ويتراءى للوهلة الأولى أن التبرير فعل فردي يرتبط برغبة الإنسان في حماية صورته أمام الآخرين أو أمام نفسه. غير أن هذا التفسير، على أهميته، لا يكفي لفهم الظاهرة في أبعادها الاجتماعية. فالإنسان لا يتعلم التبرير في فراغ، وإنما يكتسبه داخل بيئة اجتماعية تحدد له، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، متى يعترف بخطئه، ومتى يبحث له عن الأعذار، ومتى يعد الدفاع عن الموقف دليلاً على الوفاء أو القوة. وهكذا لا ينشأ التبرير من نزعة شخصية فقط، بل يتشكل أيضاً داخل منظومة من القيم والعلاقات والانتماءات التي تمنح بعض أشكاله قبولاً اجتماعياً، حتى يغدو في كثير من الأحيان سلوكاً مألوفاً لا يثير الانتباه.
وعندئذ تبرز أهمية النظر إلى التبرير بوصفه ظاهرة اجتماعية قبل أن يكون سلوكاً نفسياً. فالمجتمع لا يكتفي بتعليم أفراده ما ينبغي أن يفعلوه، بل يعلمهم أيضاً كيف يفسرون ما يفعلونه بعد وقوعه. وكثيراً ما تمنح الثقافة السائدة الأفراد لغة جاهزة للدفاع عن قراراتهم، فتخفف عنهم عبء المراجعة، وتعيد تقديم الخطأ في صورة يمكن التعايش معها أو تكرارها. ومع الزمن، لا يصبح التبرير مجرد وسيلة لحماية صورة الذات، بل يتحول إلى آلية اجتماعية تحمي استقرار المعتقدات السائدة، حتى وإن كانت تلك المعتقدات أحد أسباب المشكلات التي يعانيها المجتمع.
وتتجلى خطورة هذه الآلية عندما يصبح الاهتمام منصباً على البحث عن مبررات الخطأ أكثر من البحث عن جذوره. فعندئذ يتراجع السؤال " كيف نعالج المشكلة؟ " ليحل محله سؤال آخر أكثر حضوراً " كيف ندافع عن موقفنا؟ ". وهنا يبدأ التحول الحقيقي، إذ تنتقل الأولوية من تصحيح الواقع إلى حماية الصورة، ومن مراجعة الأفكار إلى تبريرها، ومن مساءلة القرارات إلى البحث عن أسباب تجعلها تبدو مقبولة. ومع تكرار هذا النمط، تتكون ثقافة ترى في الاعتراف بالخطأ تهديداً للمكانة، بينما تنظر إلى التبرير بوصفه وسيلة للحفاظ على الهيبة أو الانتماء، فتغدو الحقيقة أقل تأثيراً من الرواية التي ينسجها المجتمع حولها.
ولعل أخطر ما في ثقافة التبرير أنها لا تعمل من خلال الإنكار الصريح للحقيقة دائماً، بل من خلال إعادة تفسيرها بما ينسجم مع مصالح الجماعة أو توقعاتها. فالأخطاء لا تُنكر بالضرورة، لكنها تقدم في سياقات تجعلها أقل خطورة، أو أكثر قبولاً، أو قابلة للتكرار من دون شعور حقيقي بالمسؤولية. وعندما تتكرر هذه الآلية عبر الأسرة، والمؤسسات التعليمية، وبيئات العمل، ووسائل الإعلام، والعلاقات الاجتماعية، تتحول من استجابة فردية إلى نمط ثقافي يشارك، من حيث لا يشعر كثيرون، في إعادة إنتاج الأخطاء جيلاً بعد جيل.
غير أن ثقافة التبرير لا تنشأ بصورة عفوية، ولا تنتقل بين الأفراد لأنها أكثر إقناعاً من غيرها، بل لأنها تجد داخل المجتمع بيئات تمنحها شرعية الاستمرار. فكل مجتمع ينتج، بصورة واعية أو غير واعية، منظومة من القيم تحدد ما الذي ينبغي الدفاع عنه، وما الذي يمكن مساءلته، ومن الذي يستحق العذر، ومن الذي يواجه الإدانة. ومن هنا لا يصبح التبرير مجرد استجابة للخطأ، بل انعكاساً لطبيعة العلاقات الاجتماعية وموازين القوة والولاءات السائدة داخل المجتمع.
وتبدأ هذه العملية منذ السنوات الأولى من حياة الإنسان، حين يتعلم أن تقييم الأفعال لا يرتبط دائماً بمعايير ثابتة، بل قد يتغير بتغير الأشخاص والانتماءات. فالطفل الذي يلاحظ أن الخطأ يدان عندما يصدر عن الآخرين، ويخفف أثره عندما يصدر عن المقربين، لا يتعلم ازدواجية المعايير بوصفها فكرة مجردة، بل يختبرها باعتبارها ممارسة اجتماعية متكررة. ومع الزمن، تتحول هذه الخبرات اليومية إلى جزء من إدراكه للعالم، فيصبح الميل إلى التبرير استجابة مألوفة أكثر من كونه قراراً واعياً.
ولا يقتصر الأمر على الأسرة، فكل مؤسسة اجتماعية تمتلك، بدرجات متفاوتة، القدرة على إنتاج المبررات التي تحافظ بها على تماسكها الداخلي. فالجماعات، على اختلاف أشكالها، تميل إلى حماية صورتها الجماعية، لأن الاعتراف بالأخطاء قد يفهم أحياناً بوصفه تهديداً لوحدتها أو مكانتها. وفي ضوء ذلك تتشكل لغة خاصة لا تهدف إلى فهم الواقع بقدر ما تهدف إلى تقليل حدة التناقض بين ما تؤمن به الجماعة وما يحدث على أرض الواقع. وهكذا يصبح التبرير وسيلة للمحافظة على الانسجام الداخلي، حتى وإن كان الثمن هو تأجيل مواجهة المشكلات الحقيقية.
وتتعمق هذه الظاهرة عندما تتحول الانتماءات إلى مرجع أعلى من المعايير الموضوعية. فعندما يحاكم السلوك على أساس هوية صاحبه لا على أساس مضمونه، تتراجع قيمة الحقيقة أمام قيمة الولاء. عندئذ لا يسأل الإنسان " هل هذا الفعل صحيح؟ "، بل يسأل، من حيث لا يشعر " من الذي قام به؟ ". وبهذه الكيفية تنتقل الأحكام من تقييم الأفعال إلى تقييم الأشخاص، فيصبح الخطأ قابلاً للتبرير إذا صدر عن دائرة الانتماء، وقابلاً للمبالغة إذا صدر عن خارجها. وهنا لا يعيد المجتمع إنتاج الأخطاء فحسب، بل يعيد إنتاج الطريقة التي يُنظر بها إلى الأخطاء.
وبرأي لا تقل اللغة اليومية أثراً عن المؤسسات والانتماءات في ترسيخ ثقافة التبرير. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير عن الواقع، بل هي أيضاً وسيلة لإعادة تشكيله. وكثيراً ما تتحول الكلمات إلى أدوات تخفف وقع الأخطاء أو تمنحها أسماء أقل إزعاجاً، فيبدو التقصير اجتهاداً، وتصبح اللامبالاة ظرفاً، ويتحول الفشل إلى سوء حظ، فتتراجع مسؤولية الفاعل أمام قوة الوصف الذي يقدمه المجتمع. ومن خلال هذا التحول اللغوي، لا يتغير الحدث نفسه، وإنما تتغير الطريقة التي يُفهم بها، فتغدو المراجعة أقل إلحاحاً، ويصبح التبرير أكثر سهولة.
ولعل أخطر ما تفعله ثقافة التبرير أنها لا تمنع تصحيح الخطأ بصورة مباشرة، بل تؤجل الشعور بالحاجة إلى تصحيحه. فعندما ينجح الإنسان في إيجاد تفسير يخفف عنه عبء المسؤولية، يتراجع الدافع إلى مراجعة الذات، لأن المشكلة تبدو، في وعيه، أقل خطورة مما هي عليه في الواقع. ومع تكرار هذه الآلية، يتشكل نمط من الوعي يفضل حماية الصورة على تطوير الحقيقة، ويمنح الاستقرار الظاهري أولوية على الإصلاح الحقيقي. وبهذا المعنى، تتحول ثقافة التبرير من مجرد رد فعل على الخطأ إلى أحد العوامل التي تضمن استمراره وإعادة إنتاجه داخل المجتمع.
ولا تقف آثار ثقافة التبرير عند حدود بقاء الأخطاء واستمرارها، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي ذاته. فالمجتمع الذي يعتاد تفسير الإخفاقات أكثر مما يعتاد تحليل أسبابها، يبدأ تدريجياً في فقدان حساسيته تجاه الخلل، لأن التكرار يحول الاستثناء إلى مألوف، والمألوف إلى جزء من الحياة اليومية. وعندما يحدث ذلك، لا يعود السؤال المطروح كيف نعالج المشكلة؟ بل يصبح كيف نتعايش معها؟ وهنا تتحول الأزمات من وقائع قابلة للتغيير إلى أوضاع يتكيف معها الناس بوصفها قدراً لا مفر منه، فتضعف إرادة الإصلاح قبل أن تضعف أدواته.
بذلك، لا تكمن خطورة التبرير في أنه يحجب الحقيقة بالكامل، بل في أنه يعيد ترتيب العلاقة معها. فهو لا ينكر الوقائع دائماً، وإنما يغير دلالاتها، ويعيد تفسيرها بطريقة تجعلها أقل إلحاحاً في الوعي الجمعي. وبهذا المعنى، يصبح التبرير منتجاً للواقع الاجتماعي، لا مجرد تعليق عليه، لأنه يسهم في تشكيل الطريقة التي يفهم بها المجتمع مشكلاته، ويحدد حدود ما يراه ممكناً أو مستحيلاً، مقبولاً أو مرفوضاً. ولذلك فإن المجتمعات لا تعيش داخل الوقائع وحدها، بل داخل التفسيرات التي تبنيها حول تلك الوقائع، وغالباً ما يكون أثر التفسير في السلوك أشد من أثر الحدث نفسه.
ولعل هذا ما يفسر تكرار بعض الأزمات عبر الأجيال، رغم اختلاف الظروف والأشخاص. فحين تورث المبررات كما تورث العادات، يصبح الخطأ جزءاً من الثقافة قبل أن يكون جزءاً من السلوك. وعندئذ لا يحتاج إلى من يدافع عنه في كل مرة، لأن المجتمع يكون قد وفر له مسبقاً منظومة من الأعذار واللغة والتفسيرات التي تضمن استمراره. وهنا تتحول ثقافة التبرير إلى آلية خفية لإعادة إنتاج الواقع؛ فهي لا تكرر الأخطاء فحسب، بل تكرر أيضاً أنماط التفكير التي صنعت تلك الأخطاء منذ البداية.
إن المجتمعات التي تمتلك قدرة عالية على التعلم ليست بالضرورة أقل المجتمعات وقوعاً في الخطأ، وإنما هي الأكثر قدرة على الفصل بين قيمة الإنسان وقيمة الفعل الذي يصدر عنه. فهي تدرك أن الاعتراف بالخطأ لا ينتقص من الكرامة، بل يعزز المصداقية، وأن مراجعة القرارات ليست إعلاناً للهزيمة، بل شرطاً من شروط النضج المؤسسي والاجتماعي. أما حين ينظر إلى الاعتراف بوصفه خسارة للهيبة، فإن التبرير يتحول إلى وسيلة للدفاع عن المكانة، ويصبح الحفاظ على الصورة أهم من تصحيح الواقع، فتتقدم الرموز على الحقائق، والانطباعات على الوقائع، والولاءات على المعايير.
خلاصة القول، إن السؤال الحقيقي ليس لماذا يبرر الإنسان أخطاءه؟ بل أي ثقافة تجعل التبرير أكثر سهولة من المراجعة، وأكثر قبولاً من الاعتراف، وأكثر انتشاراً من التعلم؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تكشف أن مستقبل المجتمعات لا يتحدد بقدرتها على تجنب الخطأ، وإنما بقدرتها على بناء ثقافة ترى في المراجعة فضيلة معرفية، وفي النقد الذاتي مسؤولية جماعية، وفي الاعتراف بداية للإصلاح لا نهاية للمكانة. فالحضارات لا تتراجع لأنها تخطئ، بل لأنها تفقد شجاعة مساءلة أخطائها، ولا تتقدم لأنها معصومة من الإخفاق، بل لأنها تجعل الحقيقة أعلى قيمة من التبرير، والتعلم أسمى من الدفاع عن الماضي.
نصيحتي لك، لا تجعل التبرير أول استجابة حين تخطئ، ولا تجعل الاعتراف آخر الخيارات. اسأل نفسك دائماً هل أبحث عن تفسير يريحني، أم عن حقيقة تطورني؟ فالفارق بينهما ليس في الكلمات، بل في المستقبل الذي يصنعه كل منهما. واعلم أن الإنسان الذي يملك شجاعة مراجعة نفسه، والمجتمع الذي يملك شجاعة مراجعة ثقافته، لا يحميان نفسيهما من الخطأ فحسب، بل يبنيان قدرة دائمة على التعلم والتجدد. فالتقدم لا يبدأ عندما ننجح في تبرير ما كان، وإنما عندما نمتلك الشجاعة الكافية لتغيير ما ينبغي أن يكون.
#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)
Hossam_Aldin_Fayad#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟