حسن مدن
الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 20:13
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
كان الراحل محمد عابد الجابري بين من فرقوا ما يُدعى التاريخ الكبير والتاريخ الصغير، حيث توضع في خانة الأول الأحداث الكبرى التي كانت أكثر من غيرها حسماً وتأثيراً في تغيير مسار الأحداث، فنجمت عنها تحولات مصيرية حكمت مجرى التاريخ، وهي بهذا التوصيف تستوعب في ثناياها مجموعة من التواريخ الصغيرة، التي لا تعدو كونها، في نهاية المطاف، مجرد تفاصيل في الحدث التاريخي الكبير.
هذا التفريق يظل عند حدود الوقائع السياسية، ولا يذهب إلى تواريخ أخرى صغيرة، لكنها غير سياسية، جرت على هامش الحدث السياسي الحاسم، وهي تضيع أو تهمل حين تجري كتابة ذلك الحدث، حيث يجري النظر إليها كتفاصيل ثانوية غير مهمة لا تستدعي الوقوف أمامها بالمقارنة مع المنعطفات التاريخية الكبرى.
وهذه التفاصيل، أو التواريخ الصغرى، تضيء جوانب في غاية الأهمية يغيبها التاريخ الكبير، فهل يمكن، على سبيل المثال، دراسة حملة نابليون على مصر بالاكتفاء بمذكرات القادة العسكريين وحدهم عن العمليات الحربية، وإهمال يوميات العلماء والأطباء والفنانين والمصورين الذين رافقوا الحملة كي نقع على تفاصيل الحياة في مصر في تلك الحقبة ؟ولعلها هي «التفاصيل» الأهم من وجهة نظر باحثين كثر في العلوم الاجتماعية لم يذهبوا للأحداث الجسام الفاصلة على نحو ما جرت العادة، وإنما اهتموا بتوثيق تفاصيل الحياة في الفترات التي بحثوها.
أذكر أن دورية مصرية مرموقة اهتمت منذ سنوات بكتابة تاريخ الطوابع البريدية في مصر، ومن خلال ذلك ذكرتنا بمشاهير مصر من أدباء وفنانين وكتاب مثل طه حسين وعباس العقاد والسيدة أم كلثوم ونجيب الريحاني والموسيقار محمد عبدالوهاب وغيرهم من الأسماء اللامعة في دنيا الثقافة والفن، إضافة إلى طوابع تؤرخ لأحداث تاريخية مهمة مثل حرب أكتوبر أو المقاومة الشعبية الباسلة في بور سعيد، وتلك التي وثقت محطات فاصلة في العهد الناصري، كثورة يوليو أو بناء السد العالي.
فكرة قراءة التاريخ من أبواب تبدو ثانوية مثل تاريخ الطوابع، على سبيل المثال لا الحصر، تقطع بأن كتابة الهامش تبدو في حالات كثيرة لا مجرد أكثر طرافة، وإنما أكثر عمقاً من كتابة المتن التاريخي، الذي يظل قاصراً إن لم تعضده مثل هذه التواريخ الصغيرة.
#حسن_مدن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟