أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - محمود سلامة محمود الهايشة - حين اخضرَّ الملعبُ بالدم: قراءة نقدية في قصة -النصل والملعب الأخضر- لحيدر حسين سويري















المزيد.....

حين اخضرَّ الملعبُ بالدم: قراءة نقدية في قصة -النصل والملعب الأخضر- لحيدر حسين سويري


محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)


الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 09:58
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


ليست كل الملاعب فضاءاتٍ للّعب، ولا كل الابتسامات علاماتٍ على الصداقة، ولا كل المنافسات تنتهي بانتهاء صافرة الحكم. في قصة "النصل والملعب الأخضر" للكاتب حيدر حسين سويري، يتحول الملعب من فضاء رياضي يفترض أن يجمع الشباب على المنافسة الشريفة إلى مسرح مأساوي تنكشف فيه هشاشة الإنسان حين تنفصل المنافسة عن الأخلاق، وحين تتحول الغيرة إلى حقد، والحقد إلى خيانة، والخيانة إلى دم.
منذ الجملة الأولى، يضع الكاتب القارئ أمام مشهد بصري واضح: المساء يهبط فوق "المستطيل الأخضر"، والملعب يضج بصياح الفتية وركضهم خلف كرة يحبونها. إن هذا الاستهلال لا يؤدي وظيفة وصفية فحسب، وإنما يؤسس لمفارقة مركزية في القصة: الخضرة بوصفها رمزًا للحياة والنقاء، والدم بوصفه رمزًا للموت والخيانة. وما سيحدث لاحقًا يجعل اللون الأخضر نفسه شاهدًا على الجريمة.

حيدر: صورة البراءة في مواجهة عالم ملتبس
يبني الكاتب شخصية حيدر منذ البداية على مجموعة من الصفات الأخلاقية الواضحة؛ فهو شاب "غرير" يوزع ابتساماته، وينتمي إلى عائلة عريقة، ويبدو ممتلئًا بالفتوة والأخلاق.
وهنا لا يقدم الكاتب حيدر بوصفه شخصية فردية فحسب، وإنما يجعله رمزًا للبراءة والثقة وحسن الظن بالآخرين. فهو يؤمن، بصورة شبه طفولية، بأن الملعب الذي يجمع الجميع لا يمكن أن ينبت إلا الوفاء. وهذه الفكرة البسيطة هي في الوقت نفسه نقطة قوته ونقطة ضعفه؛ إذ إن الشخصية النقية تفترض أن الآخرين يشبهونها في النقاء.
ولذلك تبدو مأساة حيدر، في جوهرها، مأساة إنسان يواجه عالمًا أخلاقيًا أكثر قسوة مما يتوقع.

من المنافسة إلى الكراهية
تتمثل إحدى أهم نقاط البناء الدرامي في انتقال القصة من فضاء اللعب إلى فضاء الانتقام. فالشباب الجالسون على دكة الاحتياط لا ينظرون إلى حيدر بعين الرفيق، وإنما تختزن صدورهم حقدًا دفينًا، حتى تتحول خسارة مباراة عابرة إلى شعور بالغل.
وهذه النقلة هي قلب القصة الأخلاقي؛ فالكاتب لا يناقش جريمة قتل بمعناها المباشر فقط، بل يضع إصبعه على البذرة النفسية التي يمكن أن تسبق الجريمة: الغيرة، ثم الحقد، ثم الرغبة في الانتقام، ثم سقوط الحواجز الأخلاقية.
ومن هنا تأتي أهمية عبارة "خسارة مباراة عابرة". فالمباراة شيء مؤقت، أما الجريمة فنهائية. وبين المؤقت والنهائي تكمن الكارثة التي يصنعها الإنسان حين يعجز عن ضبط انفعالاته.

"أصدقاء الصدفة": المفارقة التي تختصر المأساة
من أكثر التعابير دلالة في النص تسمية أولئك الشباب بــ "أصدقاء الصدفة". فالكاتب لا يمنحهم صفة الأصدقاء بمعناها الحقيقي، بل يضعها في سياق يكشف زيفها.
إن الصداقة في القصة ليست مجرد علاقة اجتماعية، وإنما اختبار أخلاقي. فالصديق الحقيقي هو من يحفظ للآخر كرامته حتى في المنافسة والخلاف، أما أولئك الذين ارتبطوا بحيدر بظروف المكان واللعب فقد أخفقوا في هذا الاختبار.
ولذلك تبدو نهاية القصة وكأنها تحذير اجتماعي يتجاوز شخصية حيدر: ليس كل من يشاركك المكان صديقًا، وليس كل من يشاركك الضحكة أمينًا على ظهرك.

النصل: رمز الخيانة حين تتجسد
يمنح الكاتب "النصل" حضورًا رمزيًا يتجاوز وظيفته المادية. فالقاتل لا يظهر منذ البداية بسكين مكشوف، وإنما يبدأ بالابتسامة الزائفة واليد الموضوعة على الكتف، ثم الاستدراج إلى مكان بعيد عن أعين المارة، قبل أن يظهر النصل.
وهذا التدرج مهم فنيًا؛ لأن النصل الحقيقي في القصة ليس قطعة المعدن وحدها، وإنما الخداع الذي سبق ظهورها.
فالخيانة تبدأ بابتسامة صفراء، ثم تتحول إلى استدراج، ثم تنتهي بالطعن. وبذلك يصبح النصل نتيجة طبيعية لسلسلة من الانهيارات الأخلاقية.
ومن الناحية الرمزية يمكن القول إن الكاتب يجعل النصل مرآة للخيانة: ما يلمع في اليد ليس أخطر ما في المشهد؛ الأخطر هو اليد التي استطاعت أن تخفي نيتها خلف ابتسامة.

سؤال «لماذا؟» والصمت الذي يسبق الموت
في لحظة المواجهة، يصرخ حيدر: "لماذا؟".
هذه الكلمة القصيرة هي من أكثر لحظات النص كثافة. إنها ليست مجرد سؤال عن سبب القتل، وإنما سؤال عن انهيار المنطق الإنساني نفسه: لماذا يمكن أن تتحول مباراة إلى عداوة؟ لماذا يتحول الصديق إلى قاتل؟ لماذا تُقابل البراءة بالغدر؟
واللافت أن القصة لا تمنح القارئ جوابًا فلسفيًا مطولًا؛ فالخيانة أسرع من السؤال. وبذلك يصبح «لماذا؟» سؤالًا مفتوحًا في وجه القارئ نفسه.

العشب الأخضر بوصفه شاهدًا
بعد سقوط حيدر، يتغير معنى المكان جذريًا. فالعشب الأخضر الذي كان في بداية القصة فضاءً للعب والحركة يصبح الآن ملوثًا بالدم.
وهنا يبلغ الرمز المركزي في العنوان ذروته: النصل والملعب الأخضر.
النصل يمثل الموت والغدر، بينما يمثل الملعب الأخضر الحياة والشباب واللعب. وعندما يلتقي الاثنان، تنتج المفارقة المأساوية: المكان الذي يفترض أن يكون آمنًا ومبهجًا يصبح شاهدًا على جريمة.
إن "الخضرة" لا تختفي بعد الجريمة، لكنها تفقد براءتها. ولذلك تصبح بقعة الدم جزءًا من ذاكرة المكان، كما يقول النص صراحة: "بقيت بقعة الدم على ذاكرة الملعب".

المكان من فضاء للّعب إلى فضاء للذاكرة
من الناحية السردية، يؤدي المكان دورًا يتجاوز الخلفية. فالملعب في البداية مكان للحياة، وفي النهاية يتحول إلى شاهد صامت على الموت. وهذه الحركة تجعل المكان أشبه بشخصية غير ناطقة في القصة.
إن الملعب لا ينسى ما حدث فوق عشبه. ولهذا تصبح البقعة الدامية أكثر من أثر مادي؛ إنها ذاكرة أخلاقية تقول إن العنف لا يقتل الإنسان وحده، بل يشوه الأماكن والذكريات والعلاقات أيضًا.

النهاية: من الحكاية إلى الموعظة
في خاتمة القصة، يوجه الكاتب تحذيرًا مباشرًا إلى الآباء والأمهات: لا تتركوا أبناءكم "لقمة سائغة لصداقات الصدفة"، لأن خلف بعض الوجوه الضاحكة خناجر تنتظر اللحظة المناسبة.
وينتقل هنا النص من السرد إلى الخطاب التحذيري. ويمنح هذا الاختيار القصة وضوحًا في رسالتها، لكنه في الوقت نفسه يجعلها أقرب إلى القصة الأخلاقية ذات الرسالة المباشرة.
فنيًا، كان يمكن أن تظل النهاية أكثر إيحاءً، وأن يترك الكاتب للقارئ استنتاج الرسالة من خلال صورة الملعب وبقعة الدم ومصير حيدر. لكن المباشرة هنا تبدو منسجمة مع طبيعة النص وهدفه التوعوي، خصوصًا أن القصة تتوجه بوضوح إلى قضية اجتماعية تتصل بعلاقات الشباب وخطر رفاق السوء.

لغة العاطفة والتأثير
تعتمد القصة على لغة وجدانية كثيفة، تستخدم ألفاظًا مثل "البراءة"، "الخيانة"، "الغدر"، "الدم"، "الحسرة"، "اللوعة"، و "الروح الطاهرة".
وتكشف هذه اللغة بوضوح موقف الكاتب الأخلاقي من الأحداث؛ فهو لا يقف على مسافة باردة من الجريمة، وإنما ينحاز بوضوح إلى الضحية ويدين القتلة.
وقد يكون هذا الانحياز سببًا في أن تظهر بعض الشخصيات بوصفها نماذج أخلاقية أكثر منها شخصيات مركبة؛ فحيدر هو البراءة، والآخرون هم الغدر. إلا أن هذا التبسيط يخدم الرسالة الأساسية للقصة ويجعلها أكثر مباشرة في توجيه التحذير.

بين القصة والمرثية
يمكن قراءة "النصل والملعب الأخضر" بوصفها قصة قصيرة، ولكن يمكن كذلك النظر إليها باعتبارها مرثية سردية لشاب بريء.
فالحدث المركزي ليس مجرد جريمة قتل؛ إنما هو فقدان إنسان كان يرى العالم بعين الثقة. ومن هنا تأتي النهاية التي تودع روحه وتدعو بالصبر لأهله المكلومين.
وبذلك يتحول موت حيدر من حادثة فردية إلى رسالة: البراءة ليست دائمًا محمية من الغدر، والثقة تحتاج إلى وعي، والشباب يحتاجون إلى من يعلّمهم أن المنافسة لا تبرر الكراهية.

خاتمة: حين يصبح الملعب شاهدًا
تكمن قوة "النصل والملعب الأخضر" في مفارقتها الأساسية: مكان مخصص للعب ينتهي إلى مسرح للجريمة، وشاب يذهب إلى الملعب حاملًا ابتسامته فيعود منه غائبًا، وعشب أخضر يفترض أن يرمز إلى الحياة يحتفظ ببقعة دم لا تزول من الذاكرة.
لقد استطاع حيدر حسين سويري أن يبني حكاية قصيرة ذات حمولة أخلاقية وإنسانية واضحة، وأن يجعل من جريمة حيدر مناسبة لطرح سؤال أوسع عن معنى الصداقة، وعن خطورة الحقد، وعن ضرورة التربية على ضبط الانفعال واحترام الآخر.
ولعل أكثر ما يبقى من القصة ليس مشهد النصل نفسه، وإنما ذلك التناقض المرير بين الملعب الأخضر والدم الأحمر؛ بين براءة المكان وقسوة الإنسان.
فحين يغيب الوعي، قد يتحول اللعب إلى صراع، والصراع إلى كراهية، والكراهية إلى نصل.
وحينها لا يبقى في الملعب سوى العشب... والدم... وذاكرة لا تنسى.



#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)       Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الملعب لسه أخضر || أغنية
- ما هو أثر الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران على الحركات ال ...
- الباب الذي فتح القلوب: تحليل الرمزية والإنسانية في القصة الق ...
- ورا الباب الأزرق || أغنية
- المفاتيح الضائعة... حين يصبح البحث عن الأشياء رحلةً لاستعادة ...
- المفتاح كان في الجيب || أغنية
- الخانة الأولي... عندما يصبح الاسم آخر ما يبقى من الإنسان
- مين يفتكر اسمي؟ || أغنية
- -نزيف الزلال-... عندما يتحول الماء إلى ذكرى للمقاومة ورمز لل ...
- مية العين بتنادي || أغنية
- وجوهٌ مشوهة في نهاية الغياب: تحليل نقدي لقصة -يُرجَّح أنّه- ...
- ارسم لي وِشّي || أغنية
- -حصاد الدموع-... حين يتحول الوطن إلى اختبارٍ للذاكرة والإنسا ...
- راجع... ولسه البيت بينده || أغنية
- عندما يتحول المعلم إلى آلة حسابية: حول قصة الحسان عشاق -خوار ...
- باع الطباشير|| أغنية
- عندما يغلب القلب العقل: دراسة نقدية للقصة القصيرة -حليم- لفا ...
- يا حليم يا ابن القلوب|| أغنية
- عندما يبتلع البحر الأحلام: تحليل نقدي لقصة رحال أمانوز القصي ...
- البحر ما كانش وعد || أغنية


المزيد.....




- هكذا علق ممداني على فوز عبدالرحمن السيد بالانتخابات التمهيدي ...
- إيران وسلطنة عُمان تقتربان من اتفاق محتمل بشأن مضيق هرمز.. إ ...
- بمقولة منسوبة إلى عمر بن الخطاب.. علاء مبارك يعلّق على التعا ...
- كارلسون يصف أمريكا المثالية بـ10 نقاط
- وزير الداخلية الألماني حول حادث المسيرة في مطار لايبزيغ: سين ...
- اليابان تحيي ذكرى هيروشيما بدعوة إلى نزع السلاح النووي وتتجن ...
- دراسة: الحالة النفسية تؤثر على صحة الفم والأسنان
- هل يتم فتح مضيق هرمز قريبا جدا؟
- الناتو يوجّه الطائرات الأوكرانية المسيّرة
- مسرح صدام الإمبراطوريات.. حرب منسية لكنها تهدد البشر شرقا وغ ...


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - محمود سلامة محمود الهايشة - حين اخضرَّ الملعبُ بالدم: قراءة نقدية في قصة -النصل والملعب الأخضر- لحيدر حسين سويري