أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - محمود سلامة محمود الهايشة - وجوهٌ مشوهة في نهاية الغياب: تحليل نقدي لقصة -يُرجَّح أنّه- لصالح مهدي محمد














المزيد.....

وجوهٌ مشوهة في نهاية الغياب: تحليل نقدي لقصة -يُرجَّح أنّه- لصالح مهدي محمد


محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)


الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 20:12
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


وجوهٌ تُرسم في نهاية الغياب: قراءة نقدية في قصة «يُرجَّح أنّه» لصالح مهدي محمد

ليست كل قصةٍ تروي حدثًا محددًا؛ فبعض القصص لا تسرد واقعةً، بل تروي تجربة شخصية. ويتجلى هذا في قصة صالح مهدي محمد "يُرجَّح أنّه"، التي تُعدّ من هذا النوع من القصص التي تروي تجربة شخصية، حيث يُمثّل الوعي الحبكة، ولا صراع خارجي بل داخلي.

تتلاشى الحدود بين الحضور والغياب منذ الجملة الأولى في هذا النص. يُقال إن الأشياء تعرف البطل أفضل مما يعرف نفسه، وكل محاولة للتقرب منه تُبعده عنه خطوةً أخرى. وهكذا، يُقدّم الكاتب مفتاح فهم القصة: فالمسألة لا تكمن في فقدان الذاكرة أو اضطراب الإدراك، بل في تلاشي الهوية بفعل ضغوط الحياة اليومية.

الهوية كسؤال لا كإجابة
يُمكن اعتبار ما يفعله الكاتب بالأسماء في هذا النص بالغ الحكمة والرمزية. يستخدم بطل القصة اسمه الكامل في الوثائق، واسم عائلته في الرسائل، ولا يوقع إطلاقًا عند مخاطبة نفسه. بعبارة أخرى، كلما اقترب المرء من هويته الحقيقية، ازدادت صعوبة تسميتها.
لا يتناول الكاتب الهوية كبطاقة شخصية، بل يطرح الأسئلة الفلسفية التالية: هل نحن ما تحمله أسماؤنا؟ أم كيف يرانا الآخرون؟ أم ما نعجز عن قوله عن أنفسنا؟

الحياة اليومية كمسرح للوجود
من أبرز جوانب هذا النص أنه لا يتناول حالات استثنائية، بل يحوّل جميع عناصر الحياة اليومية إلى مادة جمالية وفلسفية.
عامل ينظف الشارع... امرأة تحمل حقيبة خضراوات... طفل يركض... موظف يعمل على أوراق (يراجع المعاملات)... تبدو كل هذه المواقف عادية، لكنها تتحول إلى دلالات وجودية بفضل رؤية الراوي. يُظهر الكاتب أن أعظم المآسي قد تختبئ أحيانًا في تفاصيل الحياة اليومية، حين يشعر المرء بانهيار تام وهو مجرد إنسان عادي يؤدي مهامه اليومية على أكمل وجه.
هنا تكمن قيمة النص في تحويل الحياة اليومية إلى معضلة فلسفية دون أي تكلّف.

الاقتصاد السردي والكثافة الدلالية
يمكن وصف النص الحالي بأنه سرد مكثف.
الجمل قصيرة نسبيًا لكنها غنية بالمعاني.
عندما يصف الكاتب كيف "خلع صوته عند الباب"، فإنه لا يقصد مجرد فعل مادي، بل يقصد أيضًا الحالة النفسية الموصوفة. فالصوت رمز للهوية الاجتماعية التي يتخلى عنها المرء خارج المنزل بينما يصمت داخله. وبالمثل، عندما يقول إن يومه "ممتلئًا بأحداث لم تقع"، فإنه يشير إلى حياة كاملة قضاها في الانتظار والحلم.
إن القدرة على ابتكار استعارات سردية تضفي على النص قيمة شعرية خاصة دون أن تنتقص من جودته السردية.

الطفل كمرآة للحقيقة
يبلغ البناء الرمزي ذروته في اللحظة التي ترسم فيها الابنة والدها دون وجه، موضحة ذلك قائلة:
"لأنك دائمًا ما تنظر بعيدًا".
هذه الجملة من أجمل الجمل وأكثرها تأثيرًا في القصة بأكملها.
الطفل في هذه الحالة ليس مجرد عنصر ثانوي، بل هو رمز النقاء الذي يسمح له بفهم ما يعجز عنه الكبار.
يدرك ما لا يدركه صاحبه، وهو أنه يفقد نفسه في غمرة حياته. تتلاشى هويته تدريجيًا، تمامًا كما يتلاشى وجهه، وهو يبتعد عن ذاته الحقيقية.

المعاملات الرسمية... انتصار المؤسسة على الفرد
في نهاية القصة، تبلغ المفارقة ذروتها.
تصله ورقة تحمل اسمه، لكنها تصف شخصًا آخر.
كل شيء في هذه الوثيقة صحيح، باستثناء ذلك الشعور الذي يسكن قلبه.
هذه لحظة كشف عميق؛ يُظهر الكاتب أن المؤسسات قادرة على تدوين كل شيء إلا الفرد نفسه.
قد تصف الملفات العمر، والمهنة، والحالة الاجتماعية، لكن لا يوجد وصف لقلقه، ووحدته، وتدهوره الداخلي.
الآن، تتحول الوثيقة الرسمية إلى رمز لعالم يُفضّل الأوراق على البشر.

النهاية المفتوحة... ميلاد الإمكانية
هذه النهاية هي بالأحرى بداية وليست نهاية.
بطلبه من ابنته رسم وجهه، لا يسعى الأب إلى صورةٍ شخصية، بل إلى استعادة ذاته.
مع ذلك، في هذه الحالة، لا يضمن الكاتب للقارئ اليقين.
قد يكون هذا الوجه وجهه، أو قد يكون مجرد احتمال.
وهذا الاحتمال تحديدًا هو ما يضفي جمالًا على النهاية؛ إذ ينسجم مع عنوان القصة: " يُرجَّح أنّه..."
بمعنى آخر، يعكس عنوان القصة الاحتمال لا اليقين، والإمكانية لا اليقين المطلق. وكأنّ المرء، طوال القصة، عاجزٌ عن إيجاد ذاته من خلال تعريفٍ قاطع، بل يُعيد تعريفها باستمرار حتى الموت.

اللغة والأسلوب
تتميز القصة بالخصائص اللغوية التالية:
• رقة شعرية دون الوقوع في فخ التكلف.
• إيجاز لغوي دون إسهاب.
• صور رمزية تنبثق بشكل طبيعي من السياق دون تكلف.
• إيقاع داخلي متوازن، يعكس الحالة النفسية للبطل.
• القدرة على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز.
مع ذلك، قد يكون هذا الأسلوب بطيئًا بعض الشيء بالنسبة للقارئ الذي يفضل السرد الكلاسيكي والمفاجآت.

الخلاصة
في الختام، يمكننا القول إن قصة " يُرجَّح أنّه..." مثالٌ رائعٌ للقصة العربية القصيرة الحديثة الناضجة، التي تتجاوز السرد البسيط وتطرح تساؤلات حول جوهر الوجود الإنساني. يتناول هذا العمل الهوية كعملية بحث لا تنتهي. كل تفصيل دقيق يصبح انعكاسًا لشقوق في العقل البشري بفضل الأسلوب الواضح والرمزية المناسبة والنهاية المفتوحة.

إن نجاح صالح مهدي محمد في هذه القصة لا يكمن في ابتكار وصناعة حدث استثنائي خارق، بل بإجبار القارئ على إعادة النظر في تفاصيل الحياة اليومية: اسمه، صوته، وجهه، والصورة التي يرسمها للآخرين. ولذلك، لا تنتهي القصة عند نهايتها، بل تطرح سؤالها الصامت مجدداً: متى يفقد الإنسان هويته دون أن يدرك ذلك؟



#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)       Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ارسم لي وِشّي || أغنية
- -حصاد الدموع-... حين يتحول الوطن إلى اختبارٍ للذاكرة والإنسا ...
- راجع... ولسه البيت بينده || أغنية
- عندما يتحول المعلم إلى آلة حسابية: حول قصة الحسان عشاق -خوار ...
- باع الطباشير|| أغنية
- عندما يغلب القلب العقل: دراسة نقدية للقصة القصيرة -حليم- لفا ...
- يا حليم يا ابن القلوب|| أغنية
- عندما يبتلع البحر الأحلام: تحليل نقدي لقصة رحال أمانوز القصي ...
- البحر ما كانش وعد || أغنية
- الحسّون لما سكت || أغنية
- عندما يصبح طائر الحسون مرآة للروح: التحليل النقدي لقصة -مجنو ...
- عندما يتحول الكمال إلى قفص من زجاج: تفسير القصة القصيرة -عرش ...
- عرش من إزاز || أغنية
- قبل ما الباب يقفل || أغنية
- مين قال الدنيا بيت؟|| أغنية
- خلعت هدومي ولا خلعت روحي؟ || أغنية
- الطريق اللي راح || أغنية
- عندما يصبح الوطن زمانًا لا مكانًا: قراءة نقدية لقصة -طريق تر ...
- تحت الأرصفة: عندما يتحول الواقع إلى غلافٍ هشٍّ لغابة الذاكرة
- لسّه ما انتهِتش || أغنية


المزيد.....




- تحليل.. صراع متصاعد يهدد بالتحول إلى حرب إقليمية أوسع
- فيديو متداول بزعم عرضه -لحظة تفجير الجسر الرابط بين السعودية ...
- بيان عاجل للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي موجه للأمة..
- نهاية التفاهمات والمنطقة تترقب.. الأسبوع الحاسم بين الوساطة ...
- بعد الحرب.. لماذا لم تتغير طهران؟
- حيوان غامض يثير الذعر في الفيوم.. وبيان رسمي يكشف التفاصيل
- الغارات تتوسع إلى عمق مدينة غزة.. هل تغير إسرائيل قواعد الاس ...
- الأسطول الأصفر.. حكاية سفن غرقت ثماني سنوات في رمال سيناء
- بين الفرص والتحديات.. خط كركوك – بانياس يعيد رسم خريطة الطاق ...
- وداعا للكنيست الأسوأ.. هآرتس تطالب بكشف الصناديق السوداء لنت ...


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - محمود سلامة محمود الهايشة - وجوهٌ مشوهة في نهاية الغياب: تحليل نقدي لقصة -يُرجَّح أنّه- لصالح مهدي محمد