أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - تحت الأرصفة: عندما يتحول الواقع إلى غلافٍ هشٍّ لغابة الذاكرة














المزيد.....

تحت الأرصفة: عندما يتحول الواقع إلى غلافٍ هشٍّ لغابة الذاكرة


محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)


الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 20:37
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تنتمي قصة "ما تحت الأرصفة" للكاتب صالح مهدي محمد إلى أدب السرد الرمزي ذي النزعة الميتافيزيقية. فبدلاً من نسج قصة خيالية عن حجر غامض عثر عليه بطل القصة، يتجاوز الكاتب هذه الفكرة البسيطة، محاولاً طرح تساؤل حول العلاقة بين ما يُرى وما لا يُرى، بين الواقع الذي ندركه يومياً وطبقاته الخفية.

منذ بداية النص، يُقدّم الكاتب للقارئ مفارقة دلالية: فالأرصفة، التي تبدو مجرد فضاء خامد خالٍ من أي شيء، تتحول فجأة إلى كائنات حية تخفي شيئاً ما في داخلها. في هذه الحالة، يكمن الإطار الفكري للنص في المفهوم الأساسي القائل بأن العالم المرئي ليس إلا غلافاً خارجياً لعالم آخر يكمن تحته.

في الواقع، يعتمد الكاتب على حدث بدائي نوعاً ما: العثور على حجر صغير على حافة الطريق. مع ذلك، يُشكّل الحدث المذكور نقطة انطلاق إلى عالم خيالي يتسع اتساعًا. تجدر الإشارة إلى أن الحجر ليس مجرد جسم مادي عادي، بل هو رمز، مفتاح يفتح ثغرة في الإدراك البشري قبل أن يُحدث شرخًا في الجدار. يضفي هذا النهج طابعًا رمزيًا على النص، إذ يصبح الحجر تجسيدًا موضوعيًا للمعرفة المحظورة أو الحقيقة المؤجلة التي يتجنب الناس معرفتها.

يُذكر أن الكاتب نجح في خلق جو من الرعب النفسي دون اللجوء إلى عناصر حبكة مثيرة. في الواقع، لا يوجد رعب مباشر في القصة، بل رعب وجودي ينبع من أدق التفاصيل، كالظلال الممتدة، والجدران المنحوتة، والأبواب التي تظهر وتختفي، والأصوات المتسربة من شقوق المدينة. لا يخشى الناس ما يرونه، بل ما يدركونه حتى دون رؤيته.

إضافةً إلى ذلك، يُوظّف النص المكان ببراعة كشخصية فاعلة، لا مجرد موقع للأحداث. في هذه الحالة، لا تُشير المدينة إلى مدينة مُحددة، بل إلى كيان ضخم يُخفي في طياته ذاكرة سرية. فالأرصفة والجدران والأزقة والإسفلت، كلها أعضاء في جسد حيّ، تُخفي في أعماقها تاريخًا مكبوتًا. وباستخدام هذه اللغة، يُصبح المكان استعارةً للوعي الجمعي الذي يدفن حقائقه، لكنه لا يستطيع التحرر منها.

من أبرز سمات القصة تصاعدها التدريجي المُحكم. تبدأ القصة بمشهد يومي عادي، ثم تنتقل إلى اضطراب الإدراك، وأخيرًا إلى سلسلة من اختراقات الواقع، لتنتهي بإدراك أن ما يكمن تحت الأرصفة ليس كنزًا ولا أسطورة، بل "شيء مؤجل" - تاريخ، أو حقيقة، أو ذكرى، مدفونة في مكان ما في الأعماق، لكنها لم تمت. تُصبح هذه العبارة ذروة النص الفكرية، إذ تُضفي على القصة بُعدًا إنسانيًا واسعاً يتجاوز حدود الحكاية نفسها.

أما الأسلوب اللغوي المُستخدم في هذا النص فهو كثافة لغوية شعرية. يستخدم الكاتب العديد من الاستعارات والتشبيهات التي تُوحي بالأحلام، كتشبيه الحجر بـ"عين رجل ميت" أو الحديث عن أصوات تتسلل "من الفراغات بين الكلمات". وبينما يخدم هذا الأسلوب اللغوي أغراضًا جمالية، فإنه يؤدي أيضًا وظيفة حيوية في خلق جوٍّ حالمٍ يُهيمن على هذا العمل الأدبي. مع ذلك، قد يُصعّب هذا الميل إلى الشعرية فهم بعض الأجزاء على من يتوقع سردًا واضحًا. لكن يبدو هذا مقصودًا ومتأصلًا في الأسلوب التجريبي للنص، حيث لا يسعى الكاتب إلى إجابات جاهزة، بل يطرح تساؤلات فقط.

علاوة على ذلك، تتناغم النهاية تمامًا مع فلسفة القصة ككل. فالدفن لا يعني إغلاق الباب إلى الأبد، بل يعني فقط استمرار وهم الاستقرار. ومرة أخرى، يردد الصوت الغامض: "لم ينتهِ الأمر بعد". في هذه الحالة، ينجح الكاتب في تجنب خلق نهاية مغلقة، ويُظهر أن الحقائق الخفية لا تفنى، وأن الأشياء المؤجلة لا تختفي بالضرورة، بل هي نائمة تحت الأرض، تنتظر استيقاظها.

وخلاصة القول، يمكن الاستنتاج أن قصة "ما تحت الأرصفة" تُقدم للقراء قصة استثنائية تجمع بين عناصر الخيال والرمزية والفلسفة. لا يمكن القول إنها تتحدث عن حجر غامض أو مدينة مليئة بالأسرار، بل يمكن القول إنها تتحدث عن الذاكرة المنفية، عن الحقائق المدفونة التي لم تنطفئ أبدًا، وعن هشاشة الواقع الذي نعتقد أنه ثابت لا يتغير، بينما يكمن تحت أقدامنا عالم كامل من الأصوات المؤجلة. ولهذا السبب، يخرج القارئ من النص بنفس السؤال الذي تركه المؤلف في النهاية: ماذا لو أن ما ندفنه تحت أرصفة حياتنا لم ينته بعد؟



#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)       Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لسّه ما انتهِتش || أغنية
- عندما يفشل القانون: جدلية الصمت والانتقام في قصة -في قوقعة ا ...
- قوقعة الصبر || أغنية
- -البوق-: عندما يبتلع المرء صوته
- البوق والطبّالين || أغنية
- العائلة في مواجهة المؤسسة: خطأ طبي كرمز للفساد المجتمعي
- حقّ الغلابة ما يموتش || أغنية
- وجع الحكيم ونقص المعرفة: تفسير لقصة -وجع أمسناو-
- وجع الحكيم || أغنية
- هموم عشية مغادرة المنزل: تفسير للعنف الصامت في قصة أمينة شرا ...
- تعب طول النهار || أغنية
- صرخة كرامة باسم الخداع: تحليل لقصة -صرخة في وجه المستحيل-
- ما انكسرش ضهري || أغنية
- الغبار بوصفه قدراً وجودياً: تأملات في التلاشي والهوية في قصة ...
- كلّه غبار || أغنية
- المدينة التي تأكل أبناءها: قراءة نقدية في قصة -ولائم الموت ا ...
- الدنيا بتبدّل الحراس || أغنية
- وجوه تاهت في أعماق الذات: تحليل نقدي لقصة -وجه بلا جهة- لصال ...
- مين فينا أنا؟ || أغنية
- كشك الحكاية... الكتابة كوسيلة للخلاص والتواصل مع الحياة في م ...


المزيد.....




- روته يعترف بـ-خيبة أمل أمريكية- من موقف أوروبا تجاه إيران
- فيتسو: الغرب عمليا في حالة حرب مع روسيا
- ما جنسية العاشقين اللذين تسلقا مبنى -إمباير ستايت- في نيويور ...
- الخارجية القطرية: مناقشة مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة ...
- روسيا والناتو.. شبح المواجهة المباشرة
- روته يؤيد نهج ألمانيا لزيادة النفقات العسكرية
- العراق.. مسيرة مفخخة تستهدف مخيم -ديكلة- في حدود محافظة أربي ...
- نيويورك تايمز: واشنطن ترفض عودة زعيمة المعارضة ماتشادو إلى ف ...
- المفاوضات الاميركية -الايرانية في قطر: اختبار متبادل؟
- الولايات المتحدة ترفض تجديد اتفاق التجارة الحرة مع كندا والم ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - تحت الأرصفة: عندما يتحول الواقع إلى غلافٍ هشٍّ لغابة الذاكرة