أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - وجوه تاهت في أعماق الذات: تحليل نقدي لقصة -وجه بلا جهة- لصالح مهدي محمد














المزيد.....

وجوه تاهت في أعماق الذات: تحليل نقدي لقصة -وجه بلا جهة- لصالح مهدي محمد


محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)


الحوار المتمدن-العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 12:22
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


وجوه الذات المفقودة: قراءة نقدية في قصة "وجه بلا جهة" لصالح مهدي محمد

تنتمي قصة "وجه بلا جهة" إلى أدب القصص التأملية، القادرة على التحرر من قيود السرد التقليدي والغوص في أعماق النفس البشرية، مُثيرَةً تساؤلات حول وجود الإنسان. لا يُمكن اعتبار هذا العمل الأدبي قصةً بالمعنى المتعارف عليه، إذ لا يروي الكاتب حدثًا مُحددًا، ولا توجد حبكة مُحكمة باستخدام عناصر درامية تتضمن صراعات خارجية. يتشكل هذا العالم من خلال الصراع الداخلي الذي يدور في نفس الإنسان - بين ذاته الحقيقية وظله الخفي، بين الكلمات والصمت.

يبدأ الكاتب سرده بوضعنا في عالم من الغموض، حيث لا شيء واضح تمامًا، وما نُدركه يصبح موضع شك. يُعرّفنا على راوٍ لا ينظر إلى فراغ خارجي، بل إلى فراغه الداخلي المُشبع بمعانٍ مُؤجلة إلى وقت لاحق. في الواقع، ينبض الفراغ المذكور بالحياة، ليصبح فضاءً لآثار خطواتٍ اتُخذت منذ زمنٍ بعيد، ولصوتٍ أُسكت، مانحًا النص بُعدًا نفسيًا عميقًا، ومحوّلًا بذلك المكان إلى انعكاسٍ للعالم الداخلي للبطل. تدور القصة برمتها حول العلاقة الحوارية بين البطل و"الآخر" الذي يكشف عن نفسه في النهاية كقرين البطل، وظله، ووجهٍ آخر لذاته. مع ذلك، يمتنع الكاتب عن تفسير شخصيته، تاركًا لنا التساؤل حول هوية الآخر الواقف أمام البطل - هل هو ضميره، أم لاوعيه، أم مجرد حقيقة مؤجلة؟

لعلّ ما يُميّز هذه القصة هو الاستخدام المكثف للرمزية النفسية. فالقرين هنا لا يظهر كشخصية منفصلة، بل كبقايا الذات التي أُقصيت لقرون. يقول القرين: "أنا الذي كنت تتركه كلما اخترت أن تكون واضحاً"، يعني "أنا من أقصيته دائمًا، كلما احتجتَ إلى الفهم". ثمة مفارقة هنا. أحيانًا، قد تتحول الحاجة إلى الوضوح الاجتماعي أو الفكري إلى أداةٍ لعزل جوهر الذات. ومن هنا، يصبح الصراع بمثابة معركة بين الشخص وانعكاس صورته التي سعى لعزلها طويلًا.

ومن الجدير بالذكر أيضًا براعة الكاتب في استخدام اللغة الشعرية. فهو يُكثر من استخدام الاستعارات وتغيير المعاني: يتحدث عن الفراغ المفعم بالحزن، وعن الصمت المفعم بالانكسار، وعن وجهٍ لا ينتمي لأحد. والخلاصة أن هذه الأساليب الشعرية لا تُستخدم لأغراض أسلوبية، بل لأغراض بنيوية؛ فهي تُسهم في خلق جوٍّ من الحيرة الوجودية، يعكس موضوع النص.

أما من الناحية الفنية، فإيقاع السرد بطيءٌ نسبيًا. الأحداث قليلة، ويكاد ينعدم السرد المباشر، لكن التشويق يتصاعد باستمرار بفضل الحوار والتأمل. ويمكن تشبيه هذه التقنية بأمواجٍ تتدفق تحت سطح ماءٍ هادئ؛ فالنص يبدو هادئًا ظاهريًا، لكنه يزداد امتلاءً بالتساؤلات.

من حيث النضج، لا يُضاهي أي عمل آخر الطريقة التي حُسمت بها النهاية في النص. لا ينتصر أي طرف على الآخر، بل يُكتشف ما كان معروفًا بالفعل، وهو أن الانفصال لم يكن أمرًا جديدًا، بل ظاهرة من ظواهر العالم القديم كانت خفية قبل أن تُصبح ظاهرة. تُضفي هذه النهاية تحديدًا بُعدًا فلسفيًا على القصة، وتُشير إلى أن أزمة البشرية لا تكمن في وجود تناقض داخلي، بل في إنكار وجوده.

إذا كان من المهم تقييم النص، فينبغي التنويه إلى أن استخدام الرمزية قد يجعل بعض أجزاء السرد مجردة للغاية بالنسبة لمن يُفضلون القصص التي تُروى من خلال الأحداث والشخصيات الملموسة. مع ذلك، من وجهة نظر فنية، قد يبدو هذا التوجه الكتابي مناسبًا.

ختامًا، تُعدّ "وجه بلا جهة" نصًا سرديًا يُمكن تصنيفه نفسيًا وفلسفيًا، بدلًا من تصنيفه تقليديًا كقصة قصيرة. تُعتبر هذه القصة عملًا فذًا في كشف متاهة هوية الذات. باستخدام الصور واللغة الشعرية، ينجح المؤلف في جعل الصراع الفردي صراعًا عالميًا من خلال طرح سؤال أساسي يمس حياة كل شخص: كم عدد الوجوه التي يحملها المرء في داخله، والتي يتم تأجيلها عمدًا حتى يفوت الأوان للهروب من نفسه؟



#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)       Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مين فينا أنا؟ || أغنية
- كشك الحكاية... الكتابة كوسيلة للخلاص والتواصل مع الحياة في م ...
- كُشك الحكايات || أغنية
- بائع الطعام بين الخيانة والخطيئة: مأساة الحياة البشرية في لح ...
- وجع الزميط || أغنية
- الغابة أم الهروب الذاتي؟|| دراسة نقدية لقصة -الهارب من المدي ...
- يا غابة خُديني || أغنية
- لمحات إنسانية في مرآة السرد القصير جدًا
- كلنا على باب الغيب || أغنية
- آهات تحت الأنقاض: قصة تحكي معاناة الإنسان في أربعة مشاهد
- الميّه وصلت متأخّر || أغنية
- لسّه الباب مفتوح || أغنية
- الغياب كمصير: نقد لقصة صالح مهدي محمد القصيرة -لم يعد-
- عندما يصبح القرب هاوية: تحليل نقدي لقصة -غزل ورقيّة - حكاية ...
- الوحش ساكن جوّه الدار || أغنية
- توأم الروح وفرص الأقدار: تفسير قصة سميرة جدي -أشباهِي التسع ...
- وشّ واحد || أغنية
- الحاج الخازوق || أغنية
- -العراة...- عندما يصبح الحياء جريمة|| قراءة نقدية لقصة منذر ...
- غيبوبة الكلمات والدم: عندما تصبح الكتابة فعل مقاومة


المزيد.....




- رضائي: واشنطن تتحمل مسؤولية استفزازات إسرائيل في لبنان وسنحا ...
- قاليباف ينشر صورة من مواجهة إيران وإسبانيا: هكذا نحمي أرضنا ...
- الخارجية الروسية: ألمانيا لن تستطيع التهرب من الاعتراف بإباد ...
- بعد 13 عاما في المعارضة والمهجر.. جهاد مقدسي يعود للدبلوماسي ...
- الدفاعات الجوية تسقط 9 طائرات مسيرة كانت متجهة نحو موسكو
- ترامب يهدد بإضافة اتهامات جديدة لدعواه ضد -نيويورك تايمز- وي ...
- ضبط أكبر شحنة كوكايين في تاريخ أستراليا
- انطلاق محادثات سويسرا بين واشنطن وطهران وسط خلافات بشأن مضيق ...
- ارتباك في محادثات أمريكا وإيران بسويسرا بعد تهديدات ترامب.. ...
- غروشكو: دول الناتو تستعد فعليا لمواجهة عسكرية مع روسيا بحلول ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - وجوه تاهت في أعماق الذات: تحليل نقدي لقصة -وجه بلا جهة- لصالح مهدي محمد