أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - لمحات إنسانية في مرآة السرد القصير جدًا














المزيد.....

لمحات إنسانية في مرآة السرد القصير جدًا


محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)


الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 10:26
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ومضات الإنسان في مرآة السرد القصير جدًا

تتألف مجموعة القصص القصيرة "رجل صالح" للكاتب محمد محضار من عدة نصوص تندرج ضمن فئة القصص القصيرة جدًا. وتتميز هذه المجموعة باستخدامها للغة الموجزة، وثراء دلالاتها، وسخريتها التي تظهر في النهاية، مما يفتح آفاقًا تفسيرية واسعة للقراء. لا تسعى النصوص الستة في هذه المجموعة إلى اتباع الشكل الكلاسيكي للقصة، بل تحاول استيعاب لحظة إنسانية أو ظاهرة اجتماعية ما.

منذ بداية القصة الأولى، التي تحمل عنوان "رجل صالح"، يُظهر الكاتب المفارقة الاجتماعية المفعمة بالسخرية. فوجود الرجل الصالح في القرية لا يُفضي إلى صلاح الآخرين، بل يخلق صورة شاملة للبركة والخصوبة والمعجزة، حتى تتحول القرية بأكملها إلى "قرية الصالحين". ويمكن اعتبار ذلك دليلًا آخر على فهم الكاتب أن المجتمعات تميل إلى بناء أساطير حول الشخصيات، وتحويل القيم الروحية إلى ظواهر اجتماعية تتجاوز جوهرها الأصلي. ما يُميّز هذه القطعة الأدبية هو قدرة الكاتب على النقد بأسلوبٍ رقيق، تاركًا هذا الشعور ينساب بسلاسةٍ بين السطور. أما في قصة "مرضى القلوب"، فيبلغ الإيجاز فيها ذروةً شعريةً آسرة. ففي الجمل القصيرة المتتالية: "أحرقوا الزرع، وجففوا الضرع، وعطلوا العقل"، تُنقل صورة رمزية للضرر الذي يُلحقه أصحاب القلوب المريضة. للغة الكاتب إيقاعٌ خاص، يُضفي على النص طابع الرثاء أو الحكمة المُكثّفة، بدلًا من السرد القصصي.

ثم ينتقل الكاتب إلى عالم العلاقات الشخصية، مُقدّمًا سيناريو مألوفًا حيث يتجادل عاشقان. لكن المفارقة تكمن في أن هذا الجدال لا يُنكر الحب، بل هو جزء لا يتجزأ من حيويته. إن استخدام العبارة الختامية، "ما دام الماء يجد له طريقًا تحت الجسر، لا خوف على حبنا"، يضفي على القصة طابعًا شعريًا بليغًا، إذ يُمكن تفسير الماء هنا كرمز للحب الذي يصمد أمام الصعاب.

أما بالنسبة لقصة "نقطة تحول"، فهي تُعدّ من أكثر النصوص تأثيرًا عاطفيًا. يستخدم الكاتب أسلوب الاسترجاع الفني، ويرسم صورة المرأة من خلال وصف تفاصيل صغيرة كتحضير الشاي، وتنظيف المنزل، واستقبال الضيوف. هذه التفاصيل الصغيرة تُتيح للكاتب رسم صورة إنسانية لها، ثم تأتي الصدمة حين تختفي فجأة، مُحوّلةً فرحة الاحتفال إلى حزن عميق. من خلال هذا النص، يُحوّل الكاتب موقفًا عاديًا إلى حدثٍ جللٍ يُجسّد الفقدان الذي يُدركه معظم الناس.

وتتجلى قوة المفارقة الإنسانية بوضوح في قصة "رجل فوق العادة". فالرجل الذي دخل المستشفى مُتغطرسًا، وكأنه فوق النظام وفوق الجميع، انكشفت إنسانيته أمام مرضه ومصيره. أثناء فحص التصوير بالرنين المغناطيسي، وجد الرجل نفسه مجرداً من كل القوة التي كان يتمتع بها، مدركاً أنه مثل أي رجل آخر ينتظر "رحمة الخالق وتقرير الطبيب".

مع ذلك، يتميز النص الأخير، بعنوان "صحوة مفاجئة"، بطابع شعري وتأملي. يخلق الكاتب أجواءً ليلية في مدينة خريبكة، حيث يتداخل الضباب مع الأضواء وتختلط الذكريات بالأحلام. شيئًا فشيئًا، يتحول السرد إلى سيل شعري، مستحضرًا صورة المرأة المثالية التي ظهرت في "زمن المطلق". تنتهي هذه الرحلة بسؤال ساخر يطرحه الكاتب: "هل كانت خريبكة يومًا مدينة رومانسية؟"، وهو سؤال تُذكّره به لافتة الطريق، مُشيرةً إلى قسوة الواقع.

من الناحية الفنية، ثمة عدد من السمات الرئيسية التي تُميّز هذه النصوص. أولًا، استخدام التكثيف اللغوي، حيث تُختصر القصة إلى أقل عدد ممكن من الكلمات التي لا تزال تحمل معنىً عميقًا. ثانيًا، المفارقة، أي أن معظم هذه النصوص تقوم على انتقال فوري من فكرة إلى أخرى. ثالثًا، يبرز في النص حسٌّ شعريٌّ يتجلى من خلال الصور والاستعارات وإيقاع الجملة.

ومن السمات البارزة الأخرى في أعمال هذا الكاتب تركيزه على جوانب مختلفة من الإنسانية: المؤمن، والمنحرف أخلاقيًا، والعاشق، والابن الثكلى، والطاغية الذي يدرك ضعفه، والحالم الباحث عن الجمال. وهذا يعني أنه على الرغم من تعدد المواضيع المطروحة في العمل، إلا أنه يتسم بتماسكٍ يعكس رؤية الكاتب.

وختامًا، تُعدّ قصة "رجل صالح" مثالًا ناجحًا للقصة القصيرة جدًا، إذ تعتمد على "لمحة" الأشياء بدلًا من "الشرح". فهي تُظهر أنه لا حاجة إلى فقرات مطولة عند تناول قضايا بالغة الأهمية. يكفي استخدام بضعة أسطر مختارة بعناية لتوضيح هشاشة الإنسان، ورغباته، وأوهامه، وأحلامه.



#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)       Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كلنا على باب الغيب || أغنية
- آهات تحت الأنقاض: قصة تحكي معاناة الإنسان في أربعة مشاهد
- الميّه وصلت متأخّر || أغنية
- لسّه الباب مفتوح || أغنية
- الغياب كمصير: نقد لقصة صالح مهدي محمد القصيرة -لم يعد-
- عندما يصبح القرب هاوية: تحليل نقدي لقصة -غزل ورقيّة - حكاية ...
- الوحش ساكن جوّه الدار || أغنية
- توأم الروح وفرص الأقدار: تفسير قصة سميرة جدي -أشباهِي التسع ...
- وشّ واحد || أغنية
- الحاج الخازوق || أغنية
- -العراة...- عندما يصبح الحياء جريمة|| قراءة نقدية لقصة منذر ...
- غيبوبة الكلمات والدم: عندما تصبح الكتابة فعل مقاومة
- السكينة ما تقتلش الكلام || أغنية
- -أنا وظِلّي- || أغنية
- عندما يجلس المرء مع ظله: قراءة نقدية لقصة -بيني وبين ظلي-
- -احتراق السكر-... عندما تتحول الحلاوة إلى رماد في الداخل
- الوقت ما بيتسعش أبدًا || أغنية بالعامية المصرية
- الحاج الخازوق... سيرة الكرامة في زمن الخذلان
- احتراق السُّكَّر || أغنية
- سفرٌ أخير إلى العدم: قراءة نقدية في مأساة الإنسان المهمل


المزيد.....




- 6 قتلى بينهم المغني الأمريكي أوليفر تري إثر تحطم مروحيتين في ...
- لبنان و-النووي- والعقوبات.. إليكم ما نعرفه -وما لا نعرفه- عن ...
- البحرين.. أحكام بالسجن ضد 12 متهما شجعوا الهجمات الإيرانية ع ...
- بكين ترد على تقرير معهد أسترالي حذّر من قدراتها العسكرية: سل ...
- وزيرة ألمانية في سوريا لتعزيز العلاقات ودعم إعادة الإعمار
- -حزب الله- يبارك مذكرة التفاهم بين إيران وأمريكا ويصفها بـ-ا ...
- -أزمة حليفين-.. ترامب ينفجر بوجه نتنياهو مجددا: -شخص صعب للغ ...
- خبير استخباراتي إسرائيلي سابق: الحرب مع إيران فشل ذريع لتل أ ...
- موسكو تعبر عن التفاؤل حيال تطورات الملف الإيراني
- فانس: تحول جذري في الشرق الأوسط


المزيد.....

- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - لمحات إنسانية في مرآة السرد القصير جدًا