أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - عندما يجلس المرء مع ظله: قراءة نقدية لقصة -بيني وبين ظلي-














المزيد.....

عندما يجلس المرء مع ظله: قراءة نقدية لقصة -بيني وبين ظلي-


محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)


الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 10:01
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تستكشف قصة "بيني وبين ظلي" للكاتبة الجزائرية سميرة جدي أفكارًا عميقة حول الهوية والصدق. تغوص هذه الحكاية التأملية في حواراتنا الداخلية، مُظهرةً مدى تعقيد عقولنا. القصة ليست طويلة، لكنها تحمل في طياتها معاني عميقة. فهي تتساءل عن حقيقتنا مقابل الشخصيات التي نظهرها للآخرين. وفي الوقت نفسه، تتناول إخفاء أجزاء من أنفسنا، حتى عن أنفسنا. لذا، فهي تُعالج صراع البقاء وفيًا للذات الحقيقية وسط كل هذا التظاهر.

تبدأ الكاتبة بوضعنا في أجواء ليلية هادئة ودافئة، حيث يتلاشى ضجيج العالم الخارجي ونبقى وحدنا مع أفكارنا. هذا المشهد الحميم ليس مجرد وصف، بل هو مليء بالرمزية. تُشير النافذة إلى نقطة التقاء الداخل بالخارج، ويُضفي الضوء الخافت ظلالًا على الجدران. تُمثل هذه الظلال جوانب من الشخصية تبقى خفية خلال النهار. لذا، يحمل كل عنصر في المشهد معنىً أعمق من مجرد المعنى الظاهري.

تدور حبكة القصة حول مفهوم بسيط للغاية ولكنه ذو مغزى عميق: حوار بين شخص وظله. لكن هذا ليس مجرد ظل عادي. فهو لا يوجد لمجرد أن يبدو غريبًا أو مبهرًا. بل يكتسب وعيًا ويتحول إلى شخصية ثانية - شخصية تُشكّل تحديًا كبيرًا للشخصية الرئيسية. هذا الظل ليس شبحًا يلاحقك؛ إنه ذاتك الحقيقية المختبئة وراء كل الأقنعة الاجتماعية التي ترتديها.

لهذا السبب يصف الراوي ظله بأنه يشبهه، "غير أنه أكثر صدقًا". هذه العبارة تلخص جوهر القصة - إنها تدور حول الصراع مع الصدق، ومواجهة الذات الحقيقية التي عادةً ما تكون مخفية وراء مظاهر الحياة اليومية، وليس حول الصدام مع الآخرين.

تتفوق القصة في تصوير تجربة إنسانية شائعة - ارتداء أقنعة اجتماعية مختلفة. تعترف الشخصية بأنها تتظاهر طوال اليوم: الابن المثالي، والصديق المرح، والشخص الذي يردد دائمًا "أنا بخير". أما في أعماقها؟ الألم والغضب والخوف. ترتبط هذه الفكرة بعلم النفس الحديث حول "القناع الاجتماعي" الذي نرتديه لنندمج. ومع ذلك، فهي تُسلط الضوء على الثمن الباهظ الذي ندفعه عندما نبتعد كثيرًا عن ذواتنا الحقيقية، ذلك الجانب المؤلم الخفي الذي نادرًا ما نظهره.

ومن الجدير بالذكر أيضًا أن الكاتب يستخدم أسلوب الاعتراف التدريجي. يبدأ الحوار بسؤال بسيط: "هل تكرهني؟" ومن ثم يتطور إلى اعترافات أكثر إيلامًا حول الضعف والخوف والماضي والخيانة. هذا يخلق إيقاعًا نفسيًا متصاعدًا يجذب القارئ، ويجعله يشعر وكأنه جزء من عملية اكتشاف الذات، كما لو كان يجلس هناك يحدق في ظله.

في منتصف القصة تقريبًا، تبلغ الرمزية ذروتها عندما يدرك الراوي أن الظلال لا تنبع فقط من الأجساد؛ بل تنبع أيضًا من أجزاء خفية في أنفسنا. تُشكّل هذه اللحظة جوهر المنظور الفلسفي، إذ تُحوّل فكرة الظلال من مجرد شيء مادي إلى شيء ذي بُعد نفسي حقيقي. جميعنا نحمل في داخلنا نقاطًا مظلمة - ذكريات مؤلمة، ندم، أمور نكبتها - وهذه تُلقي بظلالها على حياتنا وأفعالنا.

يُشبه الجزء الأخير من القصة استجوابًا أخلاقيًا للذات من خلال حوارها. يُوجّه الظل أسئلةً قاسية للشخص، مثل: "كم مرة تجاهلتَ مشاكل خطيرة بعبارة لا يهم ؟" أو "متى سامحتَ لمجرد تجنّب الوحدة؟" و"كم مرة تظاهرتَ بالضحك لإخفاء ألمك؟"

ليست هذه مجرد فخاخ، بل هي مرايا تُعرّي العيوب. إنها رحلةٌ لكشف الأقنعة وإظهار الألم الحقيقي الكامن وراءها.

من الناحية التقنية، يتميز أسلوب الكتابة بالوضوح والبساطة، ومع ذلك فهو ليس مملاً على الإطلاق. فالصور الرمزية، كالتصارع بين الظلال والضوء، أو الشعور بضيق الغرف، تُضفي لمسة شعرية رقيقة. إضافةً إلى ذلك، يتميز الحوار بالإيجاز والوضوح، مما يُبقي على التشويق الداخلي حتى النهاية.

تنسجم النهاية مع الطابع التأملي للنص. فلا رابح ولا خاسر هنا، فكلا الجانبين جزء من الكل. وتختتم القصة بعبارة تُلخص فكرتها الرئيسية: الإنسان وظله ليسا شخصين منفصلين، بل حقيقة واحدة تُصارع نفسها. وتُختتم القصة بدعوة إلى المصالحة، لا بحلٍّ مُرضٍ. فالشجاعة الحقيقية، كما تقول القصة، تعني النظر إلى الداخل والاعتراف بعيوبنا، لا التغلب على الآخرين.

"بيني وبين ظلي" مثالٌ رائعٌ على القصة النفسية القصيرة. فهي تُوظف الرمزية والحوار الداخلي ببراعة لإظهار التناقضات البشرية. وتُحوّل الكاتبة الظل إلى رمزٍ نابضٍ بالحياة للحقيقة، ذلك الشيء الذي غالبًا ما نحاول إسكاته. بعد القراءة، تتذكر الحوار بين الشخصية وظلها. وتجد نفسك تتساءل أيضاً عن ظلك أنت، وعن مدى صدقك في تقديم نفسك يومياً.



#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)       Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -احتراق السكر-... عندما تتحول الحلاوة إلى رماد في الداخل
- الوقت ما بيتسعش أبدًا || أغنية بالعامية المصرية
- الحاج الخازوق... سيرة الكرامة في زمن الخذلان
- احتراق السُّكَّر || أغنية
- سفرٌ أخير إلى العدم: قراءة نقدية في مأساة الإنسان المهمل
- على حافة الغياب: جدلية الجسد والروح في قصة “قبل إغلاق الباب”
- -الارتطام بجدار الجليد-… حين يتحول الحلم بالعدالة إلى كابوس ...
- الجرافة قالت
- حين تتحوّل القبلة إلى اعتراف: قراءة نقدية في قصة «قُبلةٌ طائ ...
- الأرنب الذي أكل الريح والشمس The Rabbit That Ate the Wind an ...
- الزيوت في العلف... والصحة على المائدة|| كيف يؤثر زيت دوار ال ...
- المزرعة التي تعلمت التنفس The Farm That Learned to Breathe
- إضافة البروبيوتيك إلى مياه الدواجن: نهج جديد لزيادة كفاءة إن ...
- البقرة التي تحدثت إلى الريح The Cow That Talked to the Wind
- الأبقار، المناخ، والرحمة: كيف يمكن لمعايير أعلى لرعاية الحيو ...
- بيت الأجنحة الضيقة: قصة عن التوتر والبقاء وقوة التوازن The H ...
- عندما يصبح الاكتظاظ مرضًا خفيًا: كيف يؤثر ارتفاع كثافة التسك ...
- الجدي الخامس The Fifth Kid
- شبكات استخباراتية ومسلحة موازية في مصر: ماذا سيحدث إذا ظهرت ...
- أعداد أكبر تؤدي إلى مخاطر أكبر: رؤى جديدة حول معدل بقاء صغار ...


المزيد.....




- بعد رسالة زيلينسكي بشأن إنهاء الحرب.. ماذا قال بوتين في أول ...
- حصري.. الرئيس اللبناني لإسرائيل: ألم تسأموا من الحرب منذ عام ...
- عون يتصل بمحمد بن سلمان ويأمل إعادة فتح أسواق السعودية أمام ...
- عون يتهم إيران بأنها تستخدم لبنان -كورقة ضغط-، والجيش الإسرا ...
- من -التلقي- إلى -الشراكة-: نتنياهو يدعم خطة لإنهاء المساعدات ...
- مجلس الشيوخ يمرر خطة بـ70 مليار دولار لدعم سياسات الهجرة وتع ...
- التحريض على قصف قلعة بعلبك والإشادة بأدرعي.. القضاء اللبناني ...
- عشرات الآلاف يحصلون على الجنسية الألمانية تعويضًا عن ظلم الن ...
- -تدهور حضاري-.. أمريكا تنتقد بريطانيا بقضية الطالب نوفاك وتث ...
- نجل حسام أبو صفية يطلق نداء استغاثة لإنقاذ والده من العزل ال ...


المزيد.....

- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - عندما يجلس المرء مع ظله: قراءة نقدية لقصة -بيني وبين ظلي-