أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - على حافة الغياب: جدلية الجسد والروح في قصة “قبل إغلاق الباب”














المزيد.....

على حافة الغياب: جدلية الجسد والروح في قصة “قبل إغلاق الباب”


محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)


الحوار المتمدن-العدد: 8722 - 2026 / 5 / 31 - 13:51
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يمكن اعتبار القصة القصيرة "قبل إغلاق الباب"، للشاعر والكاتب الأردني منذر أبو حلتم، والمنشورة بموقع "ديوان العرب"، يوم الأحد 24 مايو 2026، عملاً يتسم بالفكر الفلسفي. في الواقع، تتناول القصة أحد أكثر المواضيع غموضاً، وهو موضوع الانتقال من الحياة إلى الموت. بعبارة أخرى، هي قصة قصيرة لا تركز على الموت كعملية بيولوجية، بل على إدراكه كشيء آخر.

في الجملة الأولى، يخاطب الراوي القارئ مباشرةً بشأن الانفصال عن الواقع: "لم يكن الألم هو أول ما اختفى. بل الوزن". يتضح كيف يبدأ النص في تغيير الفهم المعتاد للموت؛ فالألم ليس أول إحساس يزول، بل الثقل والشعور بالارتباط بالأرض. يبدأ النص بمقدمة أدبية رائعة تُعرّفنا بفكرة الموت كعملية تلاشٍ تدريجي، لا كنهاية وفقدان للذات في عالم مجهول.

الأمر اللافت للنظر هو كيف يصوّر الكاتب عالمه الآخر باستخدام لغة غامضة وشفافة، واصفًا عالمًا "يشبه الفكرة أكثر مما يشبه مكانًا". وفي هذه العبارة تحديدًا، نرى جوهر العمل الأدبي برمته؛ فالمكان لا يعني له أرضًا محددة، بل حالة ذهنية وروحية معينة. الضوء الرمادي، والهواء الذي "يتذكر الشمس"، والأصوات التي يلفها الماء، كلها تنتمي إلى "الواقعية الميتافيزيقية".

تكمن قيمة القصة في طريقة خروج الروح من الجسد. في هذا العمل، لم يعد الجسد محور الوجود الإنساني، بل يُوصف بأنه "كبدلة قديمة نسيها أحدهم على كرسي بعد رحلة طويلة". هذا التشبيه يثير شعورًا عميقًا بالحزن الصامت، مصحوبًا بإحساس ضمني بالقدرية. الراوي لا يخشى الجسد الذي يرقد فيه، بل يشعر "بشيء من الإحراج"، وكأن الحياة سوء فهم بين الروح والجسد.

من الناحية الزمنية، تستخدم القصة تفكيك مفهوم الزمن الخطي. تجدر الإشارة إلى أن الزمن في الآخرة لا يمر بشكل منطقي، بل يتحول إلى تراكيب من أجزاء متداخلة - الطفولة، والشيخوخة، والمستقبل، والذاكرة - تحدث جميعها في آن واحد في لحظة زمنية واحدة. يحمل البناء الزمني في هذا السياق قيمة فنية ودلالية، إذ يعكس الاضطراب الذي يعتري وعي الإنسان في مواجهة المجهول. من خلال هذه القصة، يحاول الكاتب إظهار أن الزمن البشري ليس إلا وهماً.

من المهم الإشارة إلى أن الانتقال الذي يحدث في منتصف القصة يحمل رمزية بالغة الأهمية. فهو ليس مجرد طريق إلى الآخرة، بل هو رمز بحد ذاته للانتقال الوجودي. تُضفي الشخصيات الغامضة طابعاً إنسانياً عميقاً والتي تبدو وكأنها "تشبه بشرًا يتذكرون أنفسهم بصعوبة"، أشخاص يحاولون استعادة هويتهم، ويتضح أن فقدان المرء لهويته أشد خطورة من الموت نفسه. في الحقيقة، لا يأتي الموت من توقف نبضات القلب، بل من فقدان ذكريات الأسماء والوجوه، والخوف، وحتى فقدان الذات.

لعلّ أهمّ رسالة يقدّمها الكاتب تكمن ضمنيًا في النص، إذ يوحي الكاتب بأنّ المرء يجد نفسه متعلّقًا بذاته حين تبدأ هذه الذات بالتلاشي. عند هذه النقطة، يتجلّى الجانب الفلسفي للحبكة بوضوح، إذ يُدرك البطل أنّه ما زال يهتمّ بوجوده من جديد، ويرغب في التمسّك بالحياة حتى آخر لحظة.

أسلوبيًا، يتميّز النصّ بكثافة شعرية، لكنّه لا يتّسم بالغموض المُفتعل. جمل القصة قصيرة، وإيقاعها هادئ وبطيء، ممّا يُضفي جوًا تأمليًا مناسبًا للنص. يستخدم الكاتب الصور البلاغية من خلال التشبيهات والاستعارات، ليس فقط لإضفاء مزيد من الشعرية على النصّ، بل لبناء المشاعر من خلالها. لذا، تُحدث الصور المستخدمة في النصّ أثرًا بالغًا، مثل "الذكريات التي تتحرك داخل الرأس"، و"الرسالة الورقية في المطر"، و"الباب السري الذي كاد يُغلق إلى الأبد".

تكمن إحدى أروع نقاط القصة في نهايتها. لا يُصوَّر قيامة الشخصية كحدثٍ دراميٍّ أو معجزة، بل كعودةٍ مُرهِقةٍ إلى العذاب والألم والجسد وضوء الشمس الساطع. عندما يضع يده على صدره كما لو أنه "يتحسس بابًا سريًا كاد أن يُغلق خلفه إلى الأبد"، يُترك القارئ أمام تساؤلٍ مُثيرٍ للفضول: هل عادت الشخصية بكامل حيويتها؟ أم أن شيئًا منها قد بقي هناك، في المنطقة الرمادية التي تفصل بين العالمين؟ هذه بالتأكيد ليست حكاية موت، بل هي بالأحرى حكاية هشاشة هويتنا الإنسانية وخوفنا من التلاشي والزوال. إنها ليست مجرد قطعة نثرية تروي قصةً ما، بل هي أيضًا نصٌ فلسفيٌّ مكتوبٌ بلغةٍ شعريةٍ، يُثير في القارئ إحساسًا بالوجود.



#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)       Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -الارتطام بجدار الجليد-… حين يتحول الحلم بالعدالة إلى كابوس ...
- الجرافة قالت
- حين تتحوّل القبلة إلى اعتراف: قراءة نقدية في قصة «قُبلةٌ طائ ...
- الأرنب الذي أكل الريح والشمس The Rabbit That Ate the Wind an ...
- الزيوت في العلف... والصحة على المائدة|| كيف يؤثر زيت دوار ال ...
- المزرعة التي تعلمت التنفس The Farm That Learned to Breathe
- إضافة البروبيوتيك إلى مياه الدواجن: نهج جديد لزيادة كفاءة إن ...
- البقرة التي تحدثت إلى الريح The Cow That Talked to the Wind
- الأبقار، المناخ، والرحمة: كيف يمكن لمعايير أعلى لرعاية الحيو ...
- بيت الأجنحة الضيقة: قصة عن التوتر والبقاء وقوة التوازن The H ...
- عندما يصبح الاكتظاظ مرضًا خفيًا: كيف يؤثر ارتفاع كثافة التسك ...
- الجدي الخامس The Fifth Kid
- شبكات استخباراتية ومسلحة موازية في مصر: ماذا سيحدث إذا ظهرت ...
- أعداد أكبر تؤدي إلى مخاطر أكبر: رؤى جديدة حول معدل بقاء صغار ...
- حراس النهر السري Guardians of the Secret Stream
- كيف تساعد تركيبة جديدة متعددة البروبيوتيك دجاج التسمين على ا ...
- -الدرع الذهبي ومحاكمة الشمس- “The Golden Shield and the Sun’ ...
- مواجهة الحرارة: فوائد المكملات الغذائية الطبيعية للأرانب الح ...
- بقيت خواف: الذات الإنسانية وسط المخاوف الفطرية والبحث عن الت ...
- استخدام البروبيوتيك في أنظمة إنتاج الدواجن: طريقة مستدامة لت ...


المزيد.....




- سوريا.. قرار جديد بشأن فترة استبدال العملة القديمة
- مسؤولون: ترامب يرسل نص الاتفاق النووي لإيران بعد إدخال تعديل ...
- فرنسا تطلب جلسة طارئة لمجلس الأمن بشأن لبنان.. ونتنياهو يتحد ...
- بضع دقائق فقط من التمارين تحدث فارقاً لدى مرضى السكري
- أميركا سلمت النيجر معدات عسكرية بـ2.3 مليون دولار
- هيغسيث يضغط على الحلفاء لرفع الإنفاق العسكري في مواجهة صعود ...
- وفاة 3 متسلقين سقطوا من على جبل بولاية ألاسكا
- الجيش الأميركي يقتل 3 أشخاص باستهداف سفينة -مخدرات-
- طبيب الرئيس الأميركي: صحة ترمب ممتازة
- -أوكوس- يطور غواصات مسيرة للتسليم في 2027


المزيد.....

- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - على حافة الغياب: جدلية الجسد والروح في قصة “قبل إغلاق الباب”