أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - محمود سلامة محمود الهايشة - سفرٌ أخير إلى العدم: قراءة نقدية في مأساة الإنسان المهمل














المزيد.....

سفرٌ أخير إلى العدم: قراءة نقدية في مأساة الإنسان المهمل


محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)


الحوار المتمدن-العدد: 8722 - 2026 / 5 / 31 - 21:57
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


تدور أحداث قصة رحال أمانوز، "سفر أخير!"، حول تجربة إنسانية عميقة، ألا وهي الوقوف على حافة الموت، مما يجعل هذه القصة رحلة في أعماق النفس البشرية المحطمة، بدلاً من مجرد وصف لحدث خارجي. لا يصف الكاتب ما حدث بأنه انتحار، بل عملية وصول إلى هذه الحالة بعد سنوات من المعاناة من الرفض والفقر والإساءة الاجتماعية.

منذ الجملة الأولى، يقدم الكاتب وصفًا للبطل الذي، كما يتضح، كان قد فقد إنسانيته قبل أن يفقد حياته، إذ يصفه الكاتب بأنه "كإنسان آلي بلا روح". هذا التعبير يتجاوز مجرد الوصف، فهو بمثابة مفتاح دلالي لجميع سمات الشخصية الرئيسية. في الواقع، يجد البطل نفسه في حالة انفصال تام عن ذاته وعن محيطه. يسير في مدينة تعامله ككيان معادٍ يضطهدُه ويخنقُه. يوظف الكاتبُ المكانَ ببراعةٍ لتحقيق المعنى. يمكن اعتبارُ الانتقال من شوارع المدينة الصاخبة إلى قمة ناطحة السحاب الشاهقة انتقالًا رمزيًا من عالم الإنسان إلى فضاءٍ بين عالم البشرية والعدم. يصبح البرجُ مسرحًا لتأملات الشخصية الرئيسية الأخيرة، حيث يتأمل كل ما فعله في حياته، في لحظةٍ أشبه بمراجعةٍ ذاتية. من نقاط قوة النص قدرته على دمج الوصف الخارجي مع التأمل الداخلي.

من خلال القصة، يستطيع القارئ فهم البيئة الاجتماعية القاسية المحيطة بحياة البطل. يُصوَّر كفردٍ وُلِدَ بلا أبٍ ولا عائلة، ونشأ غريبًا خارج نطاق أسرته. تستمر حياته في سلسلة من المصائب، إذ ينتقل بين مؤسساتٍ مختلفةٍ كدار الأيتام، والإصلاح، والسجن، إلى أن يستسلم للعنف في نهاية المطاف. لا يُفسر الكاتب هذا كذريعة للعنف، بل كنتيجة لقمع الإنسان. في هذه الحالة، يطرح الكاتب قضية اجتماعية شائكة: ما مدى تأثير المجتمع في خلق ضحاياه؟ أسلوبياً، يستخدم الكاتب لغة غنية بالصور البلاغية. يصف المدينة بأنها "مكهربة"، و"وجوه الناس تكشف عن أنيابها"، ومن أعلى البرج، يرى الكاتب السيارات كأحذية صغيرة، والمشاة كالنمل. تضفي هذه اللغة على النص بُعداً بصرياً حيوياً، وتُتيح تصوير شعور البطل بالسيطرة على العالم الذي نبذه.

علاوة على ذلك، ينجح الكاتب في بناء التوتر الدرامي تدريجياً. فمنذ بداية القصة، يعلم القارئ أن هذه الشخصية ستموت ميتة مأساوية، وإن لم يعرف دوافعها مباشرةً؛ إذ يكشفها الكاتب من خلال ذكريات الماضي. ومع ذلك، يبلغ التوتر ذروته خلال مونولوج قصير للشخصية الرئيسية. على الرغم من بساطة الأسئلة والأجوبة، إلا أنها تحمل دلالات وجودية عميقة، وتمثل الصراع الأخير بين غريزتي الحياة والموت.

ومع ذلك، تتناغم النهاية تمامًا مع فلسفة النص ككل. فالانتحار ليس مجرد إنهاء للحياة، بل هو استسلام تام، إذ يرى المرء أن العالم قد حرمه من أي فرصة حقيقية للعيش. وعبارة "في سفر أخير"، التي اختارها الكاتب، تحمل رمزية بالغة. فالموت يعني الانطلاق في رحلة نحو النسيان، وهو ما يبدو أكثر ملاءمة للبطل من تجربة الحياة الواقعية التي مرّ بها.

وختامًا، تُعدّ "سفر أخير" قصة مؤثرة عن إنسان، تُساعد على فهم المشكلات المرتبطة بالتهميش والفقر والاغتراب. إنها قصة تُثير مشاعر التعاطف والتأمل، لأن الكاتب لا ينتقد شخصيتها بقدر ما يدفع القارئ إلى التساؤل عما أوصلها إلى هذا الوضع. باستخدام لغة وصفية وإنشاء إطار نفسي، تمكن الكاتب من تحويل مجرد حالة إلى صرخة إنسان يعاني من الظلم الاجتماعي والاغتراب. نُشرت القصة بموقع "ديوان العرب، يوم السبت 30 مايو 2026.



#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)       Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- على حافة الغياب: جدلية الجسد والروح في قصة “قبل إغلاق الباب”
- -الارتطام بجدار الجليد-… حين يتحول الحلم بالعدالة إلى كابوس ...
- الجرافة قالت
- حين تتحوّل القبلة إلى اعتراف: قراءة نقدية في قصة «قُبلةٌ طائ ...
- الأرنب الذي أكل الريح والشمس The Rabbit That Ate the Wind an ...
- الزيوت في العلف... والصحة على المائدة|| كيف يؤثر زيت دوار ال ...
- المزرعة التي تعلمت التنفس The Farm That Learned to Breathe
- إضافة البروبيوتيك إلى مياه الدواجن: نهج جديد لزيادة كفاءة إن ...
- البقرة التي تحدثت إلى الريح The Cow That Talked to the Wind
- الأبقار، المناخ، والرحمة: كيف يمكن لمعايير أعلى لرعاية الحيو ...
- بيت الأجنحة الضيقة: قصة عن التوتر والبقاء وقوة التوازن The H ...
- عندما يصبح الاكتظاظ مرضًا خفيًا: كيف يؤثر ارتفاع كثافة التسك ...
- الجدي الخامس The Fifth Kid
- شبكات استخباراتية ومسلحة موازية في مصر: ماذا سيحدث إذا ظهرت ...
- أعداد أكبر تؤدي إلى مخاطر أكبر: رؤى جديدة حول معدل بقاء صغار ...
- حراس النهر السري Guardians of the Secret Stream
- كيف تساعد تركيبة جديدة متعددة البروبيوتيك دجاج التسمين على ا ...
- -الدرع الذهبي ومحاكمة الشمس- “The Golden Shield and the Sun’ ...
- مواجهة الحرارة: فوائد المكملات الغذائية الطبيعية للأرانب الح ...
- بقيت خواف: الذات الإنسانية وسط المخاوف الفطرية والبحث عن الت ...


المزيد.....




- ترامب: إيران ترغب بشدة في إبرام اتفاق سيكون جيدا لأمريكا
- نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بضرب الضاحية الجنوبية لبيروت
- -آثمة ومتكررة-.. بيان كويتي رسمي يندد بهجمات إيرانية جديدة ع ...
- المسيّرات الأوكرانية تغزو الشرق الأوسط.. زيلينسكي يكشف: دول ...
- مكتب بزشكيان يكذب أنباء الاستقالة: الشائعات -ستذهب إلى القبر ...
- حرب خفية على نظام -جي بي إس- تعطل حركة الطيران، ماذا تعرف عن ...
- رغم هجمات متبادلة.. ترامب يؤكد رغبة إيران في إبرام اتفاق
- هكذا تتغلب على دراجات الحرارة الشديدة خلال الصيف!
- مباشر: مقتل جندي إسرائيلي في جنوب لبنان ونتانياهو يأمر بقصف ...
- بيان للجيش وحراك في الشارع التونسي.. ماذا يعني ذلك؟


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - محمود سلامة محمود الهايشة - سفرٌ أخير إلى العدم: قراءة نقدية في مأساة الإنسان المهمل