أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - -احتراق السكر-... عندما تتحول الحلاوة إلى رماد في الداخل














المزيد.....

-احتراق السكر-... عندما تتحول الحلاوة إلى رماد في الداخل


محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)


الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 08:56
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في هذه القصة القصيرة جدًا، يطغى الإيجاز والإيحاء على الحبكة، وينجحان في فتح آفاق واسعة من المعاني ببضع كلمات فقط. هذا ما يحدث تحديدًا في قصة "احتراق السكر" للكاتبة الفلسطينية رانيا مرجية. تُعدّ هذه القطعة الأدبية الرمزية مثالًا رائعًا على كيف يمكن لعدد محدود من الكلمات أن يحمل معاني إنسانية عميقة، ويكشف عن مخاوف تتعلق بالإرهاق الروحي الكامن وراء الابتسامات والمظاهر البريئة.

تبدأ القصة في مشهد يبدو بسيطًا ولكنه واقعي، حيث يمتلك يونس متجرًا صغيرًا في نهاية الشارع، يبيع فيه السكر للناس. إلا أن الواقع سرعان ما يفسح المجال للرمزية، فالسكر لم يعد مجرد سلعة استهلاكية، بل أصبح رمزًا موضوعيًا لفكرة تخفيف مرارة الحياة. يونس يمنح الآخرين حلاوةً، بينما هو نفسه يعاني من المرارة، وكأن هناك دائمًا مفارقة في الحياة بين ما يُقدّمه المرء وما ينقصه.

من أبرز جوانب البنية الأدبية للنص غياب أي تصوير لمعاناة البطل الرئيسي؛ بل على العكس، نجد استعارة رائعة من الكاتب: "احتراق السكر". فالنار والدخان والرماد ترمز إلى الاحتراق، بينما الحلاوة والبياض ترمز إلى السكر. ومن هنا، يخلق هذا التداخل بين المفاهيم تشبيهًا شعريًا بليغًا؛ فما كان يُفترض أن يجلب السعادة يتحول إلى فساد داخلي. إنها الاستعارة الأمثل للرجل الذي يُضحي بنفسه من أجل الآخرين حتى يحترق.

في المشهد الذي تنزلق فيه كيس السكر من يد يونس وتسقط على الأرض لتُشبه "الرماد الأبيض"، يبلغ المبدع ذروة إبداعه. عند هذه النقطة في السرد، يتحول المادي إلى رمزي. فالسكر لم يعد سكرًا، بل أصبح يُشبه الرماد بعد حريقٍ مشتعلٍ منذ زمن. وأخيرًا، يستطيع يونس أن يرى نفسه دون أي قناع أو عبارات مُنمقة.

يُعدّ استخدام المرآة وسيلةً لتحدّي الذات من قِبَل الكاتبة. ففي انعكاس صورته، لا يرى يونس وجهًا مُرهَقًا فحسب، بل يرى أيضًا حياةً مليئةً بالصبر والكبت. ويلي ذلك حادثة توبيخ والدته له، وهو حدثٌ ذو أثرٍ إنساني ونفسي بالغ. في هذه اللحظة، لا تبدو الأم كغريبة عابرة، بل رمزًا لأقدم ذكرياته وخلاصه الأخير - شخصٌ تستطيع كلماته أن تُظهر للعالم ما حاول إخفاءه عن نفسه: ضحكته لأنه كان مُحطّمًا لدرجةٍ لا تسمح له بالنطق.

من الناحية النفسية، يُمكن القول إن بكاء يونس يُمثّل نقطة تحوّل في القصة. فالقصة لا تنتهي بالموت أو الشفاء، بل بشيءٍ آخر مُختلف تمامًا. هناك ندوبٌ لا تلتئم تمامًا، لكن الندوب تُغيّر من يحملها. لذا، يُمكن القول إنه على الرغم من عودة يونس إلى ورشته، إلا أنه يعود إليها وقد تغيّر. لم يعد مُتباهيًا، بل أصبح أكثر صدقًا مع نفسه، مُتخليًا عن عادته السابقة في قول "الحياة مُرّة". بدلاً من ذلك، ينطق بعبارة بسيطة: "كم تحتاج؟"

أما المقولة التي يعلقها على باب متجره: "الذين يبدون بخير دائمًا... ليسوا بخير أصلًا". قد لا تكون المقولة طويلة بما يكفي، لكنها تُلقي الضوء على حياة أناس يحاولون إخفاء أحزانهم وراء قناع من التماسك والهدوء.

من الواضح أن هذه النهاية تُظهر مدى نجاح الرمزية في النص الأدبي. فرحيل يونس لا يُؤدي إلى إغلاق متجره، بل يبقى مُضاءً ومُمتلئًا بالسكر، وكأن الرجل ما زال يعيش فيه. والأهم من ذلك، أن القرويين توقفوا عن شراء السكر بعد هذه الحادثة، فلم يعودوا ينظرون إلى الأمور بسطحية.

في الختام، تُعدّ قصة "احتراق السكر" المنشورة موقع "ديوان العرب"، السبت ٣٠ أيار (مايو) ٢٠٢٦ مزيجًا بارعًا من السرد والشعر، إلى جانب عناصر رمزية في علم النفس. ينجح الكاتب في تحويل متجر صغير، وكيس سكر، وشخص عادي إلى رمز إنساني عظيم للألم الصامت، رمز لأناس يُضفون حلاوة على الآخرين رغم معاناتهم الداخلية. الرسالة التي تنقلها القصة هي أن أشد الحروب ضراوة لا تُشن خارجياً بل داخلياً، داخل الذات.



#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)       Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوقت ما بيتسعش أبدًا || أغنية بالعامية المصرية
- الحاج الخازوق... سيرة الكرامة في زمن الخذلان
- احتراق السُّكَّر || أغنية
- سفرٌ أخير إلى العدم: قراءة نقدية في مأساة الإنسان المهمل
- على حافة الغياب: جدلية الجسد والروح في قصة “قبل إغلاق الباب”
- -الارتطام بجدار الجليد-… حين يتحول الحلم بالعدالة إلى كابوس ...
- الجرافة قالت
- حين تتحوّل القبلة إلى اعتراف: قراءة نقدية في قصة «قُبلةٌ طائ ...
- الأرنب الذي أكل الريح والشمس The Rabbit That Ate the Wind an ...
- الزيوت في العلف... والصحة على المائدة|| كيف يؤثر زيت دوار ال ...
- المزرعة التي تعلمت التنفس The Farm That Learned to Breathe
- إضافة البروبيوتيك إلى مياه الدواجن: نهج جديد لزيادة كفاءة إن ...
- البقرة التي تحدثت إلى الريح The Cow That Talked to the Wind
- الأبقار، المناخ، والرحمة: كيف يمكن لمعايير أعلى لرعاية الحيو ...
- بيت الأجنحة الضيقة: قصة عن التوتر والبقاء وقوة التوازن The H ...
- عندما يصبح الاكتظاظ مرضًا خفيًا: كيف يؤثر ارتفاع كثافة التسك ...
- الجدي الخامس The Fifth Kid
- شبكات استخباراتية ومسلحة موازية في مصر: ماذا سيحدث إذا ظهرت ...
- أعداد أكبر تؤدي إلى مخاطر أكبر: رؤى جديدة حول معدل بقاء صغار ...
- حراس النهر السري Guardians of the Secret Stream


المزيد.....




- لحظة اصطدام سيارة بمنزل سكني في فلوريدا.. شاهد ما حدث
- جنح القاهرة الجديدة تقضي بحبس دومة سنة مع الشغل لدفاعه عن حق ...
- طهران تتوعد بـ-سيل من الصواريخ والمسيّرات- في حال تجدد الهجم ...
- مقتل شخص وأكثر من 60 جريحا في هجوم بمسيرات وصواريخ ‌إيرانية ...
- ألبوم -نفس- لسلوى جرادات: مقاربة موسيقية أصيلة لنصوص شاعرات ...
- لبنان: مقتل 6 أشخاص باستهداف إسرائيلي لسيارة قرب مدينة صور
- بين النفقة والسكن.. معاناة المطلقات في مصر
- ماكرون يلتقي وزير الداخلية الجزائري والبلدان يتفقان على تعزي ...
- تنسيق قطري سعودي لدعم جهود الوساطة وخفض التصعيد بالمنطقة
- قوى سودانية تتمسك بحوار داخلي وترفض شرعنة الدعم السريع


المزيد.....

- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - -احتراق السكر-... عندما تتحول الحلاوة إلى رماد في الداخل