أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - توأم الروح وفرص الأقدار: تفسير قصة سميرة جدي -أشباهِي التسع والثلاثون-














المزيد.....

توأم الروح وفرص الأقدار: تفسير قصة سميرة جدي -أشباهِي التسع والثلاثون-


محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)


الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 01:08
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


أشباه الروح واحتمالات المصير: قراءة نقدية في قصة "أشباهي التسع والثلاثون"

تدور أحداث قصة "أشباهِي التسع والثلاثون" لسميرة جدي حول مفهوم فلسفي مثير للاهتمام، مستوحى من المثل الشائع: "يخلق من الشبه أربعون". إلا أن الكاتبة لا تنظر إلى هذا المثل كمجرد تشابه شكلي، بل تعتبره وسيلة للتأمل في مصائر البشر والفرص المتعددة التي قد تتاح لهم لو اتخذوا قرارات مختلفة في مراحل حياتهم.

منذ السطور الأولى، تُدخلنا الكاتبة في فضاء انتقالي فريد بين الواقع والخيال، وهو ما يخدم الفكرة الرئيسية للقصة. فكل ما يحدث في النص لا يمكن وصفه بالواقعية المطلقة، ومع ذلك، لا توجد فيه عناصر تجعله غير واقعي أو خيالي.

من الجدير بالذكر أيضًا أن الكاتبة تستخدم الأسلوب الرمزي في القصة، حيث تواجه الشخصية الرئيسية تسعة وثلاثين نسخة من نفسها. هذه النسخ ليست أشخاصًا مستقلين، بل تمثل عددًا من الاحتمالات التي ضاعت بسبب قرارات أو أفعال معينة. في هذه الحالة، يكتسب "التشابه" معنى جديدًا تمامًا، ويصبح مرادفًا لمصير بديل لم يتحقق. تستخدم الكاتبة مفهوم "الاحتمال" كموضوع محوري يُضفي بنية على السرد بأكمله، ويجعل كل شخصية تعكس جانبًا محددًا من الذات الداخلية.

إضافةً إلى ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن من أبرز سمات القصة أن أيًا من النسخ البديلة لا تبدو متفوقة على الأخرى. فبينما دفعت النسخة المشهورة ثمن شهرتها، ففقدت خصوصيتها، تمكنت الأخرى من الحفاظ على قلبها. تخلت الأولى عن التواضع وأصبحت وحيدة للأبد، بينما تعلمت الثانية كيف تعتذر، فنالت حب الجميع.

يتجلى الجوهر الفلسفي للنص في العبارة الرئيسية التالية: "الإنسان ليس ما حدث له، بل ما اختار أن يفعله بما حدث له". وبهذا، يتحول التركيز من الاحتمالات إلى أهمية الإرادة الإنسانية. فالإنسان ليس كائناً تحكمه الأقدار، بل يصنع المعنى لنفسه من خلال تفسير تجاربه. هذه الفكرة الوجودية تمنح النص عمقاً لا يمكن حصره في قصة قصيرة واحدة، بل يتطلب تأملاً في الحرية والمسؤولية.

يبلغ التطور الفني ذروته في النسخة الصامتة، إذ تُجسد هذه النسخة الشخصية البديلة التي كان من الممكن أن يكون عليها البطل لو تحل بالشجاعة الكافية للتغلب على مخاوفه الداخلية. هذا التركيز على "الخوف" ضروري للغاية، إذ يُفهم أن السبب الرئيسي لضياع الفرص في كثير من مواقف الحياة هو التردد الناجم عن رهبة اتخاذ القرار، وليس الخوف من الفشل.

مع ذلك، لا يكتفي النص بطرح هذا السؤال فحسب، بل يُفاجئ القارئ بتحوّل فكري هام حين يسأل البطل: "من منكم أسعد؟" فيجيب أحدهم: "لا أحد". عند هذه النقطة، تكشف الكاتبة عن المأساة الكبرى للوجود الإنساني، إذ يعتقد كل فرد أن حياته كانت ستكون أفضل لو اتخذ خيارات مختلفة. هذه هي مأساة المقارنات، وحلم ما كان يمكن أن يكون، وفكرة أن السعادة تنتظرنا دائمًا في الاتجاه الآخر الذي لم نسلكه. تتجلى القيمة الفنية للمقطع في ذروته المؤثرة، حيث تُربط الوجوه الأربعون بالندم وكثرة الخيارات المتاحة، بينما يُربط الرضا بصورة واحدة لا تتكرر. يمنح هذا التناقض الخاتمة عمقًا تأمليًا كبيرًا، ويُقدم تفسيرًا للمثل يتجاوز معناه الحرفي، فالمهم هو تفرد اتحاد الروح، لا عدد الوجوه المتشابهة. لذا، فإن الخاتمة الشعرية للنص، التي تقول: "أما الروح فلا يخلق منها إلا واحدة"، تلخص رسالته الفكرية.

يتميز أسلوب السرد بلغته الموجزة والسلسة، الخالية من أي تعقيدات لغوية، والمفعمة بالإيحاءات والتلميحات. وقد استُخدم الحوار ببراعة من خلال شكله القصير والمتسلسل، مما أضفى على العمل إيقاعًا مميزًا، وسمح بتجسيد الأفكار في حالات ومشاهد محددة. إضافةً إلى ذلك، تحافظ الكاتبة بمهارة على التوازن بين الجوانب التأملية والسردية، متجنبة تحويل القصة إلى مقال فلسفي دون أن يفقدها طابعها التأملي. وهكذا، فإن الملاحظة الختامية هي أن "أشباهِي التسع والثلاثون" عمل قصصي شيق، قائم على مفهوم غير مألوف وحكمة إنسانية ناضجة، يطرح إشكالية وجودية قريبة من تجربة كل فرد في الحياة: هل نعيش حياتنا كما هي حقًا، أم نقضيها باحثين عن شبح بدائل الحياة التي فاتتنا؟ وفي الوقت نفسه، فإن العبرة من القصة هي أن قيمة الشخص لا تكمن في عدد الفرص الضائعة، بل في استعداده للتصالح مع مسار الحياة الذي اختاره.



#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)       Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وشّ واحد || أغنية
- الحاج الخازوق || أغنية
- -العراة...- عندما يصبح الحياء جريمة|| قراءة نقدية لقصة منذر ...
- غيبوبة الكلمات والدم: عندما تصبح الكتابة فعل مقاومة
- السكينة ما تقتلش الكلام || أغنية
- -أنا وظِلّي- || أغنية
- عندما يجلس المرء مع ظله: قراءة نقدية لقصة -بيني وبين ظلي-
- -احتراق السكر-... عندما تتحول الحلاوة إلى رماد في الداخل
- الوقت ما بيتسعش أبدًا || أغنية بالعامية المصرية
- الحاج الخازوق... سيرة الكرامة في زمن الخذلان
- احتراق السُّكَّر || أغنية
- سفرٌ أخير إلى العدم: قراءة نقدية في مأساة الإنسان المهمل
- على حافة الغياب: جدلية الجسد والروح في قصة “قبل إغلاق الباب”
- -الارتطام بجدار الجليد-… حين يتحول الحلم بالعدالة إلى كابوس ...
- الجرافة قالت
- حين تتحوّل القبلة إلى اعتراف: قراءة نقدية في قصة «قُبلةٌ طائ ...
- الأرنب الذي أكل الريح والشمس The Rabbit That Ate the Wind an ...
- الزيوت في العلف... والصحة على المائدة|| كيف يؤثر زيت دوار ال ...
- المزرعة التي تعلمت التنفس The Farm That Learned to Breathe
- إضافة البروبيوتيك إلى مياه الدواجن: نهج جديد لزيادة كفاءة إن ...


المزيد.....




- مجدداً.. ترامب يطرح موعداً لإعلان -النصر الكامل- على إيران
- الرئيس عون يوجه نداءً نادرًا لإسرائيل وسط تواصل القصف بينها ...
- مباشر: إسرائيل ترفض -تهديدات- إيران وتؤكد أنها -ستواصل التحر ...
- عاجل| ترمب: إسرائيل لن تعود إلى الحرب مع إيران
- القسام تبث مشاهد الإطلاق الأول لصاروخ -عياش 250-
- غوتيريش: 80 موظفا أمميا قُتلوا العام الماضي في غزة
- قد تقاتل لوحدك.. تفاصيل مكالمة ترامب لنتنياهو بشأن إيران
- إسرائيل تعلن اعتراض هدف جوي أطلق من اليمن
- تعليق مهام مدعي عام الجنائية الدولية بسبب مزاعم -سوء سلوك-
- ترامب: حذرت نتنياهو من شن هجمات جديدة على إيران


المزيد.....

- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - توأم الروح وفرص الأقدار: تفسير قصة سميرة جدي -أشباهِي التسع والثلاثون-