أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - الغياب كمصير: نقد لقصة صالح مهدي محمد القصيرة -لم يعد-














المزيد.....

الغياب كمصير: نقد لقصة صالح مهدي محمد القصيرة -لم يعد-


محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)


الحوار المتمدن-العدد: 8734 - 2026 / 6 / 12 - 12:29
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الغياب بوصفه مصيراً: قراءة نقدية في قصة «لم يعد» لصالح مهدي محمد

يمكن تعريف قصة "لم يعد" بأنها جزء من السرد الذي لا يرتكز على الحدث الخارجي بحد ذاته، بل على أثره في النفس البشرية. لا يروي الكاتب قصة رجل ذهب بحثًا عن عمل ولم يعد، بل يقدم تحليلًا نفسيًا عميقًا لظاهرة الغياب، وكيف يتحول هذا الرجل إلى محور تدور حوله حياة أسرة بأكملها.

منذ بداية السرد، ينجح الكاتب في خلق جوه النفسي الخاص. ففي البداية، تصف الفقرات الافتتاحية ليلة خريفية في المدينة، حيث يمتزج الظلام والغبار. علاوة على ذلك، يبدأ الكاتب قصته بوصف عناصر تخلق نوعًا من التطابق الموضوعي مع الحالة النفسية. وهذا يعني أن إرهاق المدينة، وصمت الغرفة المغلقة، والصمت المؤلم، ليست سوى مظاهر للفراغ الذي خلفه غياب الأب.

ويستحق العمل الثناء على غياب حضورٍ نشأ من غياب الأب الجسدي. إنه شخصية لا وجود لها إلا من خلال عيون الشخصيات، التي يرى الراوي نفسه من خلالها. ليس حاضرًا بصورة مادية، ولكنه حاضر من خلال الذاكرة، والحوار، والتوقع، والغضب. وهنا تكمن عبقرية الحبكة؛ فالغائب يصبح الشخصية الرئيسية.

يُبنى الطابع الدرامي للقصة تحديدًا على تعدد تصورات هذه الشخصية. الابن الأكبر لا يريد تقبّل موته ويظل يأمل في عودته، بينما يعتبره الثاني خائنًا. أما الثالث فيحاول فهم الحدث بالكتابة عنه. وهنا يقدم لنا الكاتب ثلاث شخصيات، ثلاثة أناس، ثلاثة تفسيرات لظاهرة واحدة.

يبدو الابن الثالث الشخصية الأكثر عمقًا من الناحية الفنية، فهو بدلًا من مجرد استحضار الماضي، يعيد بناءه. بدلًا من أن يسأل: "ماذا حدث؟" يسأل: "ماذا كان يمكن أن يحدث؟" وهكذا، تتجاوز القصة مجرد سرد الحقائق إلى الفلسفة. يسعى الكاتب هنا إلى تبرئة الأب من صورة اللوم على هجر عائلته، وتبرئة نفسه من قسوة الحكم.

ومن التفاصيل الجديرة بالذكر في النص دور الراوي نفسه. فهو يدخل القصة تدريجيًا، ولا يدرك الحقيقة كاملة إلا في نهايتها، مما يسمح له بالانسحاب بعد أن يستوعبها تمامًا. وبهذه الطريقة، تتشكل مسافة ما من خلال التأمل، إذ لا يُصدر الراوي أحكامًا على أحد، بل يستمع إلى نقاشاتهم حتى تتضح إنسانيتهم.

الحوار واقعي، حافل بالتوترات الداخلية. تُظهر لنا الصدامات المتكررة بين الأخوين اختلاف مواقفهما تجاه والدهما، ولكن على مستوى آخر، نرى الصراع بين الحاجة إلى التسامح وإغراء الإدانة. أعتقد أن أجمل ما في هذه الحوارات أنها لا تنتهي بانتصار طرف على آخر، بل بإدراك أن الحقيقة دائمًا أعقد من أن تُختزل في وجهة نظر واحدة.

تظهر الأم الصامتة كروح صامتة لهذه القصة. نادرًا ما تكون في قلب الأحداث، لكنها تمثل الروح العاطفية لهذه القصة. كل شيء يدور حول صمتها، ونظرتها إلى الباب، وتدخلها الأخير حين تطلب من ابنها أن "يكتب ما يفهمه". كل هذه الأمور تترك أثرًا عميقًا في نفس القارئ، رغم أن الكاتب لم يستخدم كلمات كثيرة لوصفها.

من الناحية اللغوية، يستخدم النص لغة شعرية غنية بالاستعارات والصور، مع الحفاظ على تماسك السرد. بعبارة أخرى، المنزل ليس مجرد مكان، بل هو كيان قادر على الأنين والتنفس بألم مكبوت في داخله. أما فيما يتعلق برمزية النص، فمن الواضح أن الكاتب يشير إلى شيء أعظم حين يتحدث عن غياب والده، فهو يجسد الإنسانية. بمعنى آخر، رحل الأب بسبب الفقر، ليصبح ضحية في سعيه وراء حياة أفضل. لذلك، فإن نهاية النص، كما يصفها الابن الثالث، لا تبرئ والده ولا تدينه، بل تضعه في موقف وسط.

تتجلى براعة هذا العمل الأدبي في جملةٍ تحمل جوهر رسالته: "الحقيقة بينكما، ليست في طرف واحد". لا تقتصر أهمية هذه الجملة على الأخوين فحسب، بل تعبّر عن المفهوم الفكري للعمل الأدبي برمته. إنها دعوةٌ للتوقف عن إصدار الأحكام المطلقة، والتفكير في الإنسان من منظور تعقيده وضعفه وظروفه.

في نهاية القصة، يغادر الراوي البيت، ويخفت صرير الباب. تُبرهن هذه النهاية على نضج العمل الأدبي، إذ لا تُشير إلى عودة الأب، ولا تُقدّم أي استنتاجاتٍ بشأن مصيره. ما أراد الكاتب إيصاله هو فكرة أن الألم لم يعد جرحًا حديثًا، بل أصبح جزءًا من تجربةٍ ماضيةٍ يمكن تحمّلها.

يتميز عمل "لم يعد" الأدبي بقدرته على تحويل قضيةٍ اجتماعيةٍ عاديةٍ إلى تجربةٍ إنسانيةٍ حميمة، مُثيرًا بذلك قضايا جوهريةً تتعلق بالفقد والانتظار والكرامة والحقيقة. هذه قصة تستند إلى الوعي العاطفي والرمزية، وبالتالي تصبح واحدة من تلك القصص التي لا يجب قراءتها من منظور الشخص المفقود، بل من منظور الخسارة التي يعاني منها الأشخاص الباقون.



#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)       Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما يصبح القرب هاوية: تحليل نقدي لقصة -غزل ورقيّة - حكاية ...
- الوحش ساكن جوّه الدار || أغنية
- توأم الروح وفرص الأقدار: تفسير قصة سميرة جدي -أشباهِي التسع ...
- وشّ واحد || أغنية
- الحاج الخازوق || أغنية
- -العراة...- عندما يصبح الحياء جريمة|| قراءة نقدية لقصة منذر ...
- غيبوبة الكلمات والدم: عندما تصبح الكتابة فعل مقاومة
- السكينة ما تقتلش الكلام || أغنية
- -أنا وظِلّي- || أغنية
- عندما يجلس المرء مع ظله: قراءة نقدية لقصة -بيني وبين ظلي-
- -احتراق السكر-... عندما تتحول الحلاوة إلى رماد في الداخل
- الوقت ما بيتسعش أبدًا || أغنية بالعامية المصرية
- الحاج الخازوق... سيرة الكرامة في زمن الخذلان
- احتراق السُّكَّر || أغنية
- سفرٌ أخير إلى العدم: قراءة نقدية في مأساة الإنسان المهمل
- على حافة الغياب: جدلية الجسد والروح في قصة “قبل إغلاق الباب”
- -الارتطام بجدار الجليد-… حين يتحول الحلم بالعدالة إلى كابوس ...
- الجرافة قالت
- حين تتحوّل القبلة إلى اعتراف: قراءة نقدية في قصة «قُبلةٌ طائ ...
- الأرنب الذي أكل الريح والشمس The Rabbit That Ate the Wind an ...


المزيد.....




- -سارونغ- أشعل بريطانيا.. قصة إطلالة ديفيد بيكهام الأكثر جدلً ...
- دبلوماسي يكشف لـCNN بنودا 5 رئيسية بالاتفاق الإيراني الأمريك ...
- ترامب يعلن -نهاية الحرب- مع إيران: ما أبرز بنود الاتفاق المر ...
- بلجيكا: جوردان بارديلا يعزز علاقاته بحزب -فلامس بلانغ- خلال ...
- واشنطن تستعد لإرسال إيرانيين إلى أفريقيا الوسطى في إطار اتفا ...
- إخلاء المنطقة الأمنية بمطار هامبورغ الألماني
- مصر.. قرار ضد البلوغر -بيغ ياسمين- لتشبهها بالرجال
- -إما الجميع أو لا أحد-.. إيران ترد على تهديد ترامب
- مباراة افتتاح كأس العام2026: المكسيك تفوز على جنوب إفريقيا 2 ...
- قبور مؤقتة تتمدد بجنوب لبنان مع استمرار الحرب والغارات الإسر ...


المزيد.....

- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - الغياب كمصير: نقد لقصة صالح مهدي محمد القصيرة -لم يعد-