أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - محمود سلامة محمود الهايشة - كشك الحكاية... الكتابة كوسيلة للخلاص والتواصل مع الحياة في مواجهة الحرب














المزيد.....

كشك الحكاية... الكتابة كوسيلة للخلاص والتواصل مع الحياة في مواجهة الحرب


محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)


الحوار المتمدن-العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 09:12
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


كشك الحكاية... حين تصبح الكتابة خلاصًا من الحرب ووصلًا بالحياة

تنتمي قصة "كشك الحكاية" للكاتبة سعاد حسين الراعي إلى فئة القصص الإنسانية التي لا تكتفي بالحديث عن مصير البطل أو البطلة، بل تتخذ من معاناتهم وسيلةً للتأمل في قضايا الحياة والفقدان والصمود. ظاهريًا، هي حكاية حرب، لكنها في جوهرها حكاية قدرة الروح الإنسانية على التجدد بعد الكارثة، وكيف تُصبح الكلمة ترياقًا لليأس والوحدة والموت.

في السطور الأولى فقط، تنجح الكاتبة في الارتقاء بالكشك من مجرد كيان مادي إلى رمز يحمل دلالات نفسية وروحية عميقة. لم يعد هذا الكشك مجرد متجر صغير يبيع الصحف والمجلات، بل أصبح بمثابة وطن بديل وشرفة ينظر منها بطل القصة حوله. هذا هو المكان الذي استعاد فيه أديب عافيته بعد أن حطمته ذكريات الماضي. وهذا ما يجعل الكاتبة قادرة على تحويل الأشياء العادية إلى رموز ذات معانٍ أعمق من معناها الظاهر.

في الواقع، إنها شخصية رائعة، موصوفة بكل عيوبها ومزاياها. تخلق الكاتبة شخصية أديب التي لا تنتمي إلى فئة الأبطال الخارقين، بل إلى فئة أولئك الذين نجوا من حرب مروعة بساق مبتورة، وذكريات مؤلمة، وخسائر فادحة. ومع ذلك، تكمن الأهمية الفنية للشخصية في الصراع الداخلي بين الاستسلام للمعاناة والرغبة في إيجاد المعنى الحقيقي للحياة. ونتيجة لذلك، تبدو عملية تطور الشخصية في القصة أشبه بمسار روحي ونفسي، وليست مجرد سلسلة من الأحداث.

تستخدم الكاتبة أسلوبًا قويًا في تصوير الحرب، التي لا تُوصف كعمل عسكري أو سياسي بحت، بل كظاهرة مدمرة تحطم الأحلام الشخصية. صحيح أن الحرب سلبت أديب ساقه وشبابه، لكنها لم تسلبه إرادته القوية التي دفعته إلى الدراسة والكتابة. بهذه الطريقة، تتبلور إحدى الأفكار المحورية للقصة: انتصار الروحانية على الجسد، وانتصار الإرادة على الضعف.

يُصبح من الأهمية بمكان، بالنسبة للحبكة، إظهار حضور شخصية الأب في هذه القصة. فالأب هنا ليس مجرد شخصية ثانوية في ماضي البطل، بل هو عنصر أساسي في ثقافته وعالمه الداخلي. لقد غرس فيه حب القصص، وشجعه على الكتابة في سن مبكرة، ليصبح بذلك رمزًا للذاكرة الحية والجذور التي تمنح الإنسان القدرة على البقاء. وهذا يعني أن الحلم الذي يظهر فيه الأب في الجزء الأخير من القصة مُبرر تمامًا ببنية السرد.

أما فيما يتعلق بالخصائص الأدبية، فإن لغة النص تتسم بالشاعرية. فكثيرًا ما تستخدم الكاتبة الصور والاستعارات في جملها. ويمكن للقارئ أن يلمس مدى التأثير العاطفي العميق للوصف الذي كتبته. هناك العديد من العبارات التي تبدو شعرية، وليست نثرًا واقعيًا. يُضفي هذا الأسلوب جمالية خاصة على العمل الأدبي، وفي الوقت نفسه يجعل نبرته أكثر هدوءًا وتأملًا، نظرًا لما يحمله موضوع العمل من أبعاد روحية.

أما السمة البارزة الأخرى للنص، فتتمثل في مفهوم الازدواجية، كالعزلة والتواصل. فمن جهة، يسعى أديب في بداية القصة إلى العزلة في الكشك، محاولًا الابتعاد عن صخب العالم. لكنه في النهاية يفتح هذا المكان كوسيلة للتواصل مع الناس. وبهذا، تتحول الكتابة، التي كانت فعلًا شخصيًا، إلى فعل إنساني. أي أنه بدلًا من الكتابة عن الذات، ينبغي أن يستمع إلى الآخرين ويستوعب قصصهم ومشاكلهم وأحلامهم.

وتُعدّ الخاتمة من أجمل عناصر النص وأكثرها تماسكًا. فبداية قصة "كشك الحكاية" تعني إعادة إحياء مكان مهجور، لكنها ترمز أيضًا إلى ولادة جديدة للبطل. وتلخص الجملة الأخيرة جوهر القصة: "الإنسان لا يُهزم ما دام قادرًا على أن يمنح حياته معنى جديدًا" فالإنسان ينتصر حين يجد غاية لوجوده. وهكذا، يتحول الكشك إلى بوابةٍ لإنقاذ الذات، ويصبح سرد القصص أداةً لاستعادة الهوية الحقيقية.

وختامًا، تُعدّ "كشك الحكاية" من القصص التي تكشف عن نصٍّ إنسانيٍّ قائمٍ على سحر الذاكرة والكتابة وحبّ الأبوة، مُثبتةً أنَّ أيّ ضررٍ جسيمٍ قد يُؤثّر على الصحة الجسدية، لكنّه لا يُمكنه بأيّ حالٍ من الأحوال أن يُدمّر القوة الروحية. هي في جوهرها حكايةُ ولادةٍ جديدةٍ بعد الهزيمة، حيث يُعتبر سرد القصص من أثمن الوسائل لمواجهة الفراغ. في الواقع، تنتمي هذه القصة تحديدًا إلى الأعمال التي تُعطي الأولوية للجانب الإنساني على حساب تطورات الحبكة المُفاجئة، لذا فإنّ قيمتها الجوهرية تتحدّد بمستواها العاطفي.



#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)       Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كُشك الحكايات || أغنية
- بائع الطعام بين الخيانة والخطيئة: مأساة الحياة البشرية في لح ...
- وجع الزميط || أغنية
- الغابة أم الهروب الذاتي؟|| دراسة نقدية لقصة -الهارب من المدي ...
- يا غابة خُديني || أغنية
- لمحات إنسانية في مرآة السرد القصير جدًا
- كلنا على باب الغيب || أغنية
- آهات تحت الأنقاض: قصة تحكي معاناة الإنسان في أربعة مشاهد
- الميّه وصلت متأخّر || أغنية
- لسّه الباب مفتوح || أغنية
- الغياب كمصير: نقد لقصة صالح مهدي محمد القصيرة -لم يعد-
- عندما يصبح القرب هاوية: تحليل نقدي لقصة -غزل ورقيّة - حكاية ...
- الوحش ساكن جوّه الدار || أغنية
- توأم الروح وفرص الأقدار: تفسير قصة سميرة جدي -أشباهِي التسع ...
- وشّ واحد || أغنية
- الحاج الخازوق || أغنية
- -العراة...- عندما يصبح الحياء جريمة|| قراءة نقدية لقصة منذر ...
- غيبوبة الكلمات والدم: عندما تصبح الكتابة فعل مقاومة
- السكينة ما تقتلش الكلام || أغنية
- -أنا وظِلّي- || أغنية


المزيد.....




- كيف يؤثر وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله على محادثات و ...
- اتصال بين رئيس لبنان ووزير خارجية أمريكا.. وهذا ما دار فيه
- التزام مشروط.. أول اعتراف إسرائيلي علني بوقف إطلاق النار في ...
- طهران تعلن تأجيل اجتماع سويسرا وتشترط تنفيذ بنود مذكرة التفا ...
- النبطية تحيي -عاشوراء- وسط الدمار.. تقرير يرصد مشاهد الذكرى ...
- -تصريحات مختلقة-.. ميلوني ترد على ادعاءات ترامب بشأن توسلها ...
- واشنطن بوست: الاستخبارات الأمريكية تحذر من ضرب حزب الله وخطو ...
- توسك: زيلينسكي يحاول إقناع بولندا أنه لم يقصد الإساءة إليها ...
- روسيا.. وزارة التنمية تلغي توصيتها بتجنب السفر إلى دول الخلي ...
- بوتين يتعجب من فلبينيين في سيبيريا.. وماركوس: شعبنا يتأقلم ب ...


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - محمود سلامة محمود الهايشة - كشك الحكاية... الكتابة كوسيلة للخلاص والتواصل مع الحياة في مواجهة الحرب