أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - محمود سلامة محمود الهايشة - المدينة التي تأكل أبناءها: قراءة نقدية في قصة -ولائم الموت البارد في الظلام-














المزيد.....

المدينة التي تأكل أبناءها: قراءة نقدية في قصة -ولائم الموت البارد في الظلام-


محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)


الحوار المتمدن-العدد: 8742 - 2026 / 6 / 20 - 13:20
المحور: المجتمع المدني
    


ولائم الموت البارد في الظلام: سرد اجتماعي

يمكن تصنيف قصة "ولائم الموت البارد في الظلام" كسرد اجتماعي يتضمن عناصر من الحبكة البوليسية والرمزية. فبدلاً من التركيز على قصة حياة تاجر مخدرات، ينسج الكاتب حكاية متعددة الأوجه تكشف تعقيدات الفساد والتواطؤ، وكيف تحولت المدينة إلى وحش يلتهم جميع سكانها، سواء كانوا مجرمين أو رجال شرطة أو ضحايا أو محققين.

منذ البداية، يُقدَّم للقارئ صورة بوعزة شكردع، المنبوذ اجتماعياً، الذي وُلد تاجر مخدرات في أزقة المدينة المظلمة، ونشأ ليصبح إمبراطوراً يُسيطر على مؤسساتها الرئيسية. مع ذلك، لا يُعد بوعزة محور السرد، بل هو تجسيد للنظام الاجتماعي الفاسد برمته الذي أصبح جزءاً منه. بعبارة أخرى، مصيره المأساوي تعبير عن انتقال السلطة لا عن انتصارها.

تتميز القصة بتطور حبكتها المتسع نسبيًا، بدءًا من بروز سلطة البطل، مرورًا بتطور قوته، ثم المواجهة بينه وبين الشاب، الذي يجسده شخصية "البرق"، وصولًا إلى اتساع نطاق السرد ليشمل مصير العائلة بأكملها، وسقوط النظام الفاسد، وكشف المؤامرات الكبرى. هذا التطور التدريجي للحبكة يجعل القصة أشبه برواية قصيرة "النوفيلا"، حيث تتوالى الأحداث بسلاسة ودون انقطاع.

ومن أبرز مزايا النص قدرة الكاتب على تجسيد المدينة وجعلها شخصية سردية فريدة. فالمدينة ليست مجرد خلفية لما يحدث فيها، بل هي كيان يرى ويحكم ويعاقب. وكثيرًا ما يُشار إليها كقوة غامضة "تبتلع أبناءها" وتستبدلهم كما تستبدل وسائلها وأدواتها. وهكذا، تكتسب الحبكة رمزيتها، والصراع بين بوعزة والبرق ليس إلا صراعًا بين البشر وقوة أعظم منهم.

كما يتضح وجود بُعد نفسي قوي حتى في الأحداث التي سبقت وفاة بوعزة. فرغم نجاحه وسلطته، إلا أنه يعيش في خوف دائم وعزلة عن المجتمع. مسبحته القديمة، وحذاؤه البالي، وصوره المحفوظة في صندوق خشبي، كلها رموز لضمير حيّ لم يمت بعد. وقد أحسن الكاتب تصوير هذا الصراع الداخلي، بين صورته كحاج رحيم في نظر الناس، وصورة التاجر الذي يجني المال من مصائب الآخرين.

ويستحق النص الثناء على قدرته على استخدام الحوار كوسيلة للتعبير عن الفكر. لا يقتصر دور الحوار بين بوعزة والبرق قبل وقوع الجريمة على كونه عنصرًا دراميًا، بل يُظهر أيضًا صراعًا بين رؤيتين مختلفتين للعالم، وهما رؤية الجيل القديم المتسمة بالتقاليد والنفوذ، ورؤية الجيل الجديد المُمثلة بالتكنولوجيا واقتصاد العصر الرقمي. ومع ذلك، يؤكد الكاتب على أن طبيعة الجريمة واحدة، رغم اختلاف الأساليب.

على الصعيد اللغوي، يجدر التنويه إلى أسلوب السرد الصحفي الذي استخدمه الكاتب، فهو واضح وسلس، وإن لم يخلُ تمامًا من البلاغة، لا سيما في وصف الظلام والصمت والبرد. تتكرر كلمات مثل "الظلام" و"الصمت" و"البرد" و"الزقاق" في ثنايا القصة، مُرَسِّخةً دلالاتٍ تُناسب جوّ النص. إضافةً إلى ذلك، يُولي الكاتب اهتمامًا خاصًا للرمزية الكامنة في العنوان؛ فالعيد لا يُحتفل به هنا ليس من أجل الحياة، بل من أجل الموت، ومفهوما "البرد" و"الظلام" يُضفيان بُعدًا وجوديًا على القصة - العدم وانعدام الخلاص.

ومن الجدير بالذكر أيضًا أن القصة لا تُركِّز على المجرمين الكبار، بل تعود إلى الضحايا في الصفحات الأخيرة - المدمنين والمنهكين والمُعدمين. يخلق هذا ارتباطًا عاطفيًا بشخصيات مثل أمين وياسين ولالة سعاد، مما يضفي على القصة طابعًا إنسانيًا ويمنع القارئ من الانشغال بصراع العصابات بدلًا من التركيز على المأساة الحقيقية.

أما بالنسبة للنهاية، فيمكن اعتبارها العنصر الأكثر إثارة للجدل والتفكير في القصة. يبدو أنه بعد كل الجهود المبذولة لإرساء العدالة والقضاء على الفساد من خلال إسقاط الفاسدين ومحاكمة المذنبين، ينجح الكاتب في إثارة ضجة بالإشارة إلى يوميات (مفكرة) أخرى تُشير إلى وجود صورة أكبر. لذلك، بدلًا من نهاية حاسمة، يُترك القارئ مع عدد من التساؤلات: هل من سبيل للخروج من براثن الفساد؟ هل كل ما سبق ذكره مجرد استبدال لشبكة فساد بأخرى؟

يمكن إبداء بعض الملاحظات حول جوانب مختلفة من أسلوب العمل، مثل كثرة الاستطرادات السردية، بالإضافة إلى بعض النهايات غير المكتملة التي تُقاطع نوعًا ما تسلسل الأحداث. علاوة على ذلك، يمكن النظر إلى بعض الشخصيات كرموز أكثر منها ككائنات نفسية مكتملة. ومع ذلك، لا تُقلل هذه الجوانب من أهمية العمل الأدبي؛ بل على العكس، تُشير إلى نطاق وعمق ما أراد المؤلف إيصاله.

في الختام، تُعدّ قصة "ولائم الموت البارد في الظلام" نصًا ذا دلالة رمزية عميقة، يحمل في طياته دلالات سياسية واجتماعية جادة. ففيها، يتضح جليًا كيف يعمل الفساد، ومدى هشاشة السلطة والنفوذ، والأهم من ذلك، أن المجرم الفرد ليس سوى قمة جبل جليدي معقد. يتناول هذا النص مدينة تتغير فيها الوجوه بقدر ما تتغير الأقنعة، وأشخاصًا يظنون أنهم يُسيطرون على اللعبة، بينما هم في الحقيقة مجرد قطع فيها. وهذا يعني أن هذا النص يدفعك في نهاية المطاف إلى طرح سؤال يبقى عالقًا في ذهن القارئ: ماذا يحدث للنظام عندما يسقط الطغاة؟ هل يسقطون هم أيضًا، أم أن الأمر يقتصر على تغيير الحراس؟



#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)       Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدنيا بتبدّل الحراس || أغنية
- وجوه تاهت في أعماق الذات: تحليل نقدي لقصة -وجه بلا جهة- لصال ...
- مين فينا أنا؟ || أغنية
- كشك الحكاية... الكتابة كوسيلة للخلاص والتواصل مع الحياة في م ...
- كُشك الحكايات || أغنية
- بائع الطعام بين الخيانة والخطيئة: مأساة الحياة البشرية في لح ...
- وجع الزميط || أغنية
- الغابة أم الهروب الذاتي؟|| دراسة نقدية لقصة -الهارب من المدي ...
- يا غابة خُديني || أغنية
- لمحات إنسانية في مرآة السرد القصير جدًا
- كلنا على باب الغيب || أغنية
- آهات تحت الأنقاض: قصة تحكي معاناة الإنسان في أربعة مشاهد
- الميّه وصلت متأخّر || أغنية
- لسّه الباب مفتوح || أغنية
- الغياب كمصير: نقد لقصة صالح مهدي محمد القصيرة -لم يعد-
- عندما يصبح القرب هاوية: تحليل نقدي لقصة -غزل ورقيّة - حكاية ...
- الوحش ساكن جوّه الدار || أغنية
- توأم الروح وفرص الأقدار: تفسير قصة سميرة جدي -أشباهِي التسع ...
- وشّ واحد || أغنية
- الحاج الخازوق || أغنية


المزيد.....




- فاطمة النار مصباح فنار/1من5
- مصدر: قيود أوروبية محتملة على اللاجئين الأوكرانيين مرتبطة بن ...
- الاحتلال يغيب طالباً عن امتحانات الثانوية العامة بالخليل وسط ...
- وجهاء خان يونس يثمنون دور المستشفى الميداني الأردني في إغاثة ...
- من السودان إلى غوانتانامو.. رحلة وليد الحاج بين المذبحة والأ ...
- الأمم المتحدة تحذر من دعوات الانفصال في السويداء وتدعو إلى ت ...
- لافروف يطلع مرشحة منصب الأمين العام للأمم المتحدة على معايير ...
- مدير الإغاثة الطبية في غزة: نسبة العجز في الأدوية بلغت 50%، ...
- مكافحة الفساد تضبط 10 ملايين دولار و31 مليار دينار في قضية ا ...
- ميلاد بعد العتمة.. حين تتحول حكايات الأسرى إلى ذاكرة لا تُنس ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - محمود سلامة محمود الهايشة - المدينة التي تأكل أبناءها: قراءة نقدية في قصة -ولائم الموت البارد في الظلام-