أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - الغبار بوصفه قدراً وجودياً: تأملات في التلاشي والهوية في قصة -الغبار-














المزيد.....

الغبار بوصفه قدراً وجودياً: تأملات في التلاشي والهوية في قصة -الغبار-


محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)


الحوار المتمدن-العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 14:56
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الغبار: مصير وجودي

تنتمي القصة القصيرة "الغبار" للكاتب صالح مهدي محمد إلى أدب السرد ذي الدلالة الفلسفية والرمزية. فهي لا تسعى إلى وصف حدثٍ ما كما هو معتاد في القصص القصيرة، بل تتناول قضايا وجودية تتعلق بالهوية والزمن من خلال فضاءٍ تجريديٍّ غنيٍّ بالدلالات الرمزية. وتتميز القصة بجوٍّ تأمليٍّ أشبه بالحلم أو الرؤيا، حيث يحلّ الحركة الداخلية محلّ الفعل الخارجي.

منذ الجملة الأولى، يبرز ميل الكاتب إلى استخدام لغةٍ شعريةٍ بالغة: فمرور الزمن لا يحدث "بآلية العقارب" (بآلية الأيدي) بل "بكثافة الهباء الأزلي" (بكثافة الغبار الأبدي). وهكذا، يصبح الزمن مادةً ملموسةً تغطي الأشياء، كالغبار الذي يغطي الأسطح. ومنذ ذلك الحين، يبني الكاتب عالمه الذي لا يستقر فيه شيء، حيث يتلاشى تدريجيًا الخط الفاصل بين الواقع والشعر، والمادة والفراغ.

ويُعدّ المكان أحد أبرز الأدوات الفنية المستخدمة في القصة. لا يُمثّل المقهى المُطلّ على "وادي الصدى" مجرّد مكان، بل رمزًا للوجود الإنساني. فهو يُجسّد فضاءً يقع بين الحضور والغياب، بين النسيان والذاكرة، مكانًا يُحاصر فيه الأبطال في زمنٍ راكدٍ مُنفصلٍ عن العالم. ونتيجةً لذلك، يُصبح الوادي نفسه امتدادًا للصمت المُحيط بالشخصيات، بينما يتحوّل الصدى إلى صورةٍ لعجز الأبطال عن إيجاد معنىً مُحدّدٍ لحياتهم.

لا تُصوّر هذه الشخصيات الأربع - نسيم، وإدريس، وليلى، وياسين - كشخصياتٍ واقعيةٍ مُجسّدة، بل كأصواتٍ فكريةٍ أو رموز. يُصوّر نسيم شخصًا واعيًا، تُعذّبه التساؤلات الوجودية؛ ويُمثّل إدريس مُشاهدًا يُلاحظ تلاشي الزمن والذاكرة؛ وتُمثّل ليلى حساسية المرء تجاه الصمت والفراغ؛ وأخيرًا، يُصوّر ياسين مساعي الإنسان الحثيثة لإيجاد معنىً من خلال الفن والإبداع. باختصار، تُجسّد هذه الشخصيات الأربع جوانب مختلفة من السؤال نفسه: "ماذا يتبقى بعد زوال كل شيء؟"

يُشكّل موضوع الهوية محور القصة. لا تدور الحوارات حول حقائق أو أحداث واقعية، بل حول طبيعة الذات وحدودها. يُوضح نسيم أن الأعباء التي نحملها ليست أعباء كلمات، بل استقرت فينا كأشباح منسية، ولذا، فإن إحساسنا بالهوية يتجاوز كونه مجرد مفهوم لغوي أو اجتماعي، بل هو أزمة وجودية تتراكم في داخلنا. تبلغ هذه التأملات ذروتها في المشهد الأخير، حين يُعلن أن هويتهم، التي ظُنّ أنها حاضرة، تتلاشى إلى غبار، ويصبحون مجرد "استعارات منسية على لوح زائل".

في الواقع، تجدر الإشارة إلى أن القصة، من الناحية الفنية، تستخدم لغة بالغة التعقيد. فبدلاً من اتباع تقاليد السرد، تتسم اللغة المستخدمة بالشاعرية. على وجه الخصوص، تُستخدم صور متكررة: "ابتلع الشفق آخر أشعة الضوء"، "السكون كائن هلامي، يتنفس بإيقاع في رتابة كونية"، "الغبار - غطاء أبدي للكون". وهكذا، يخلق ذلك جوًا جماليًا في القصة؛ ومع ذلك، في الوقت نفسه، تجعل هذه اللغة من الصعب على القارئ العادي الذي يتوقع أسلوبًا أكثر وضوحًا وتقليدية تتبع الحبكة.

أخيرًا، تجدر الإشارة إلى براعة توظيف الصمت كرمز في النص. فبالرغم من فقدانها لحاسة السمع، تظهر ليلى كشخصية قادرة على إدراك الأصوات المحيطة بها. ومن هنا، يمكن استنباط فكرة عميقة حول جوهر الأشياء، الذي قد لا يكمن في التعبير المباشر عنها بالكلمات، بل في الصمت الكامن وراءها.

من الواضح تمامًا أن النهاية تتناغم مع البنية الفكرية للنص برمته. تختفي الشخصيات في الضباب والغبار، وتتحول أجسادها إلى خشب المقاعد، تاركةً وراءها خطًا رفيعًا يمتد إلى مكان ما في المجهول - تؤكد هذه الصور أن الفناء مفهوم أقوى من الخلود. ولكن في الوقت نفسه، لا بد من الاعتراف بأن هذا الخط الرفيع المتجه نحو الأفق يتيح مساحة للتأمل، وكأنه الرمز الأخير لتوق الإنسان إلى البحث عن الحقيقة رغم كل ما هو زائل. باختصار، تُقدّم قصة "الغبار" سردًا يتأمل وجوديًا في الزمن والنسيان وفقدان الهوية، مُجسّدًا ذلك في مفهوم بسيط هو الغبار. هذه قصة لا تعتمد كثيرًا على الأحداث والحبكة، بل تُركّز على اللغة والصور والأفكار. من هذا المنطلق، يُمكن اعتبارها مزيجًا بين قصيدة نثرية ومقال فلسفي، يكمن جمالها في تشجيعها للقراء على بناء معانٍ خاصة بهم، بدلًا من قبول تفسيرات جاهزة، ما يُفضي إلى السؤال المحوري والأهم: هل نحن ما نعتقد أننا عليه، أم مجرد غبار تائه في زحمة الزمن؟



#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)       Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كلّه غبار || أغنية
- المدينة التي تأكل أبناءها: قراءة نقدية في قصة -ولائم الموت ا ...
- الدنيا بتبدّل الحراس || أغنية
- وجوه تاهت في أعماق الذات: تحليل نقدي لقصة -وجه بلا جهة- لصال ...
- مين فينا أنا؟ || أغنية
- كشك الحكاية... الكتابة كوسيلة للخلاص والتواصل مع الحياة في م ...
- كُشك الحكايات || أغنية
- بائع الطعام بين الخيانة والخطيئة: مأساة الحياة البشرية في لح ...
- وجع الزميط || أغنية
- الغابة أم الهروب الذاتي؟|| دراسة نقدية لقصة -الهارب من المدي ...
- يا غابة خُديني || أغنية
- لمحات إنسانية في مرآة السرد القصير جدًا
- كلنا على باب الغيب || أغنية
- آهات تحت الأنقاض: قصة تحكي معاناة الإنسان في أربعة مشاهد
- الميّه وصلت متأخّر || أغنية
- لسّه الباب مفتوح || أغنية
- الغياب كمصير: نقد لقصة صالح مهدي محمد القصيرة -لم يعد-
- عندما يصبح القرب هاوية: تحليل نقدي لقصة -غزل ورقيّة - حكاية ...
- الوحش ساكن جوّه الدار || أغنية
- توأم الروح وفرص الأقدار: تفسير قصة سميرة جدي -أشباهِي التسع ...


المزيد.....




- صرخته أقوى من الطائرة.. رجل يحطم الرقم بأعلى صوت في العالم
- الاتحاد الأوروبي يدرس إرسال بعثة لدعم جيش لبنان وتعزيز سلطة ...
- روبيو يطمئن الخليج: لا اتفاق مع إيران على حساب أمن الحلفاء
- -الخماسية الأوروبية- تسعى لتعميق الشراكة بين الناتو وأوكراني ...
- قاضية فيدرالية تمنع ترامب من تطبيق شرط تقديم دليل المواطنة م ...
- ماكرون: هناك تقارب بين الأوروبيين والأمريكيين بشأن أوكرانيا ...
- حادثة صادمة.. موظفات في -وينديز- يقدمن لزبونة طعاما من سلة ا ...
- تل أبيب تجابه واشنطن.. لن ننسحب من لبنان
- الجزائر تستنفر جاليتها في مصر قبل الانتخابات التشريعية
- وزارة الصحة  الإسرائيلية في حالة صدمة: سرقة طحينة ملوثة بالس ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - الغبار بوصفه قدراً وجودياً: تأملات في التلاشي والهوية في قصة -الغبار-