أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - عندما يفشل القانون: جدلية الصمت والانتقام في قصة -في قوقعة الصمت يطبخ الثأر-














المزيد.....

عندما يفشل القانون: جدلية الصمت والانتقام في قصة -في قوقعة الصمت يطبخ الثأر-


محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)


الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 09:54
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


 في قوقعة الصمت: حين يتحول الثأر إلى مرآة للعدالة المفقودة
 حين يعجز القانون: جدلية الصمت والثأر في قصة "في قوقعة الصمت يطبخ الثأر"

تقدم قصة الحسان عشاق الكاتب المغربي "في قوقعة الصمت، يطبخ الثأر" للقراء عملاً أدبياً زاخراً بالرموز. فإلى جانب الصراع الفردي بين جارين في ساحة جامع الفنا بمدينة مراكش، يكشف الكاتب عن تأمل عميق في الجدلية المعقدة بين القانون والعدالة، والصبر والانتقام، والقانون الرسمي وقانون الحياة عندما يعجز القانون عن أداء دوره.

في بداية السرد، ينجح الكاتب في بناء فضاء سردي مؤثر. لم تعد ساحة جامع الفنا مجرد خلفية للأحداث، بل أصبحت شخصية موازية تُشكّل حياة الناس. إنها عالم مصغر يجمع بين الحكمة والسحر، والظاهر والخداع، والتاريخ والحاضر، في صورة غريبة زاخرة بالتفاصيل. من الواضح أن الكاتب يتمتع بمعرفة عميقة بهذا المكان وطبيعته الشعبية.

تُعدّ شخصية فاطنة محورية في حبكة القصة. فهي ليست مجرد بائعة حلزون، بل مثالٌ على الإنسان المضطهد الذي يناضل من أجل حقه في البقاء في عالم قاسٍ. وباستخدام أسلوب التراكم، ينجح الكاتب في تصوير شخصية فاطنة؛ فقوتها لا تظهر فجأة، بل تتطور ببطء خلال معاناتها. وبهذا، يكتسب الحلزون أهمية في القصة؛ فهو حيوان ضعيف، ولكنه يمتلك قدرة مذهلة على التحمل والبقاء. وهذا يعني أن اختيار فاطنة لهذه المهنة لم يكن محض صدفة.

في المقابل، يُصوَّر الجار كرمزٍ لسلطة الغطرسة والتسلط. وفي الوقت نفسه، لا يُصوَّر الرجل كشخص شرير تمامًا، بل كتجسيدٍ للنموذج الاجتماعي القائم على غياب أي رادع. لا يُركز النص على دوافع الرجل في القصة، بل على آثار أفعاله.

تكمن أبرز نقاط قوة النص في الموقف النقدي الذي يتخذه الكاتب تجاه المؤسسات الرسمية. يُصوّر القانون في غيابه - موجودًا رسميًا، لكنه عاجز عمليًا. تلجأ فاطنة إلى الشرطة والمحكمة والبلدية، فلا تجد إلا الصمت والبيروقراطية. وبهذا، يطرح النص سؤالًا أخلاقيًا هامًا: ماذا يفعل المظلوم إذا أُغلقت أبواب العدالة في وجهه؟

تُعدّ هذه القضية جوهر القصة. فرغم أن الكاتب لا يحثّ القراء صراحةً على الانتقام، إلا أنه يُجبرهم على إدراك دوافع فاطنة. ولذا، تبدو الحبكة في منطقة رمادية أخلاقيًا، لأنها تمثل في آنٍ واحد نوعًا من الانتقام الذي قامت به فاطنة من جارها، ومحاولةً لإعادة التوازن. هكذا يُظهر الكاتب قدرته على عدم إصدار أحكام أخلاقية بنفسه.

فيما يتعلق بصورة خديجة، فإن دورها جوهري من الناحيتين الفنية والإنسانية. فهي تُصوَّر كشخصية هامشية، امرأة مُعنَّفة في خضم ظروف الحياة، ثم تتحول تدريجيًا إلى مشاركة فعّالة في عملية استعادة كرامتها. يكمن جمال هذه الشخصية في أنها لا تكتفي بالمشاركة في تنفيذ الحبكة، بل تُمنح أيضًا فرصة للخلاص وإعادة البناء. ونتيجة لذلك، يصبح الانتقام فرصةً للتسامح وبداية جديدة. من الناحية الفنية، يستخدم الكاتب لغةً ثرية وشاعرية، مُوظِّفًا الاستعارات والتشبيهات وغيرها من عناصر اللغة المجازية. ويتكرر هذا الأسلوب بكثرة، إذ تُشبه العديد من الأوصاف النثر الشعري أكثر من السرد التقليدي. ويمكن ملاحظة هذا النهج في سلسلة الصور البصرية المستخدمة لإضفاء حيوية على المكان والشخصيات والأحداث. في الوقت نفسه، يُعدّ هذا الثراء اللغوي أحد نقاط ضعف النص، لأنه يُبطئ وتيرة السرد.

علاوة على ذلك، لا يتردد الكاتب في التدخل لصالح أفعال فاطنة، مما يُخلّ نوعًا ما بالطابع المحايد للسرد. عمومًا، يميل النص إلى تبني وجهة نظر البطلة، مانحًا إياها التبرير الأخلاقي الكامل، ومُضيّقًا الخناق على دراسة تعقيد الموقف من زوايا نظر مختلفة.

مع ذلك، تتجاوز قيمة هذه القصة من مجرد حكاية وتطور الحبكة، إذ تنجح في تحويل السرد البسيط إلى تساؤل فلسفي عميق حول العدالة. فهل يكفي أن يكون الإنسان محقاً حتى يكون ما يفعله مشروعاً ومبرراً؟ وهل يمكن للثأر أن يصبح شكلاً من أشكال العدالة عندما تفشل المؤسسات في اتخاذ أي إجراء لحماية المظلوم؟؛ في نهاية القصة، لا تنتصر فاطنة انتصارًا ساحقًا، بل تُحقق نوعًا من التوازن، لكن جارها لا يُعاقب جسديًا بل نفسيًا. وبهذا، يختار الكاتب العقاب النفسي الذي يُعدّ أشدّ وطأةً من العقاب الجسدي، لأنه يُجبر المرء على إدراك حقيقة ذاته.

يمكن اعتبار قصة "في قوقعة الصمت، يطبخ الثأر" قصةً تنتمي إلى فئة القصص الاجتماعية الرمزية، إذ تجمع بنجاح بين الواقعية الشعبية وشعرية التأملات الأخلاقية. تُثير هذه القصة العديد من التساؤلات، حيث يُمثّل الصمت فيها بطلاً صامتاً تنمو فيه كلٌّ من الانتقام والتسامح. لذا، تُعدّ القصة دليلاً أدبياً على هشاشة النظام القضائي في غياب الحماية المؤسسية، وعلى قوة المظلومين.



#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)       Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قوقعة الصبر || أغنية
- -البوق-: عندما يبتلع المرء صوته
- البوق والطبّالين || أغنية
- العائلة في مواجهة المؤسسة: خطأ طبي كرمز للفساد المجتمعي
- حقّ الغلابة ما يموتش || أغنية
- وجع الحكيم ونقص المعرفة: تفسير لقصة -وجع أمسناو-
- وجع الحكيم || أغنية
- هموم عشية مغادرة المنزل: تفسير للعنف الصامت في قصة أمينة شرا ...
- تعب طول النهار || أغنية
- صرخة كرامة باسم الخداع: تحليل لقصة -صرخة في وجه المستحيل-
- ما انكسرش ضهري || أغنية
- الغبار بوصفه قدراً وجودياً: تأملات في التلاشي والهوية في قصة ...
- كلّه غبار || أغنية
- المدينة التي تأكل أبناءها: قراءة نقدية في قصة -ولائم الموت ا ...
- الدنيا بتبدّل الحراس || أغنية
- وجوه تاهت في أعماق الذات: تحليل نقدي لقصة -وجه بلا جهة- لصال ...
- مين فينا أنا؟ || أغنية
- كشك الحكاية... الكتابة كوسيلة للخلاص والتواصل مع الحياة في م ...
- كُشك الحكايات || أغنية
- بائع الطعام بين الخيانة والخطيئة: مأساة الحياة البشرية في لح ...


المزيد.....




- هوت فجأة.. تحطم طائرة قفز مظلي في منطقة سكنية قرب مركز تجاري ...
- تحليل: هدنة هشة بين أمريكا وإيران.. فما الذي أبقاها صامدة رغ ...
- كم ينبغي أن ندفع مقابل طعامنا؟
- دور الفطريات المعوية في تطور الحساسية لدى الأطفال
- طبيبة نسائية توضح العلاقة بين الصحة الجنسية وحالة الجسم
- روسيا.. ابتكار خبز خال من الغلوتين وغني بالبروتين
- هل تؤثر الأطعمة المعالجة في طريقة تفكيرنا؟.. نتائج علمية تثي ...
- وفاة خديجة -السيدة الأولى لأمة الإسلام-
- حمدان ضد رامسفيلد!
- لوكاشينكو في لقاء مع شي جين بينغ في بكين: -هذا ما حلمنا به- ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - عندما يفشل القانون: جدلية الصمت والانتقام في قصة -في قوقعة الصمت يطبخ الثأر-