أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - عندما يتحول المعلم إلى آلة حسابية: حول قصة الحسان عشاق -خوارزمية الجشع في سيرة معلم-














المزيد.....

عندما يتحول المعلم إلى آلة حسابية: حول قصة الحسان عشاق -خوارزمية الجشع في سيرة معلم-


محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)


الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 13:39
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


حين يتحول المعلم إلى آلة حساب: قراءة نقدية في قصة "خوارزمية الجشع في سيرة معلم" للكاتب الحسان عشاق

لا ترتقي جميع القصص التي تتناول الفساد إلى مستوى الإدانة، ولا تُقدّم منظورًا فنيًا يُشكّك في جوهر الإنسانية. لكن قصة "خوارزمية الجشع في سيرة معلم" تُصنّف ضمن تلك القصص التي تسعى إلى كشف جذور الفساد، وتطوره، وتحوّله من مجرد رغبة بسيطة في تحسين ظروف المعيشة إلى مفهوم فلسفي يستعبد صاحبه قبل أن يُدمّر الآخرين.

يُقدّم الكاتب، منذ عنوان القصة، استعارةً غير مألوفة، حيث لا يُمثّل الجشع مجرد شعور عابر، بل "خوارزمية"، آلية حسابية تُعيد تشكيل العلاقات الإنسانية برمتها وفقًا لمنطق الربح والخسارة. ولذلك، يتحوّل بطل القصة، هشام الروندة، من معلمٍ يحمل رسالةً إلى آلة حسابية.

يستخدم الكاتب بنية سردية متدرجة تقود إلى الانهيار النفسي للشخصية الرئيسية بعد سلسلة من الإخفاقات في العمل، جاعلاً من الفشل النفسي نقطة انطلاق انهيار مبادئه الأخلاقية. هشام ليس شخصًا سيئًا بطبيعته، بل يفسده ضغط الإحباط، ويعجز عن إيجاد أي سبيل آخر للانتقام من المجتمع الذي لم يقدم له سوى المال. بعبارة أخرى، لا يحاول الكاتب تبرير مصير الشخصية، ولكنه ينجح في شرح العمليات النفسية التي تمر بها.

يكمن جمال أسلوب الكاتب في الربط بين الطبيعة الفاسدة للتعليم والجانب النفسي للبطل. لا يصبح التدريس الخصوصي مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل انعكاسًا لعقدة النقص التي يعاني منها هشام. فهو لا يبيع المعرفة، بل يبيع السلطة التي اكتسبها والتي تمكنه من إذلال أولياء أمور طلابه.

من أبرز أجزاء القصة الحوارات بين هشام وولي الأمر، علال، حيث يقارن هذا الحوار بين خطاب الجشع وخطاب البساطة والعدل. لا يملك الأب الفقير سوى ضميره، بينما يملك المعلم سلطة النظام والامتحان. ينتج عن ذلك دراما اجتماعية تتجاوز هاتين الشخصيتين، وتتناول مشكلة الأزمة التعليمية العربية عموماً، حيث لا يُتاح التميز إلا لمن يملكون القدرة المالية.

فيما يتعلق بالجانب الفني للقصة، ينجح الكاتب في تحويل هشام إلى رمز بدلاً من شخصية واقعية. فهو لا يرمز إلى معلم بعينه، بل إلى الشخص الذي يستبدل الأرقام بالقيم. ولذا نجد الكثير من الكلمات المرتبطة بالمحاسبة والعقود والعقارات والسيارات والأرباح.

مع ذلك، لا تنتهي الحبكة عند المؤسسة التعليمية، بل تنتقل إلى مؤسسة الأسرة. يُنظر إلى الزواج نفسه من خلال منظور السوق، ويصبح مشروعًا استثماريًا خاليًا من الحب وأي رابطة عاطفية. لم يعد هشام يبحث عن امرأة تصبح زوجته، بل عن امرأة جديدة تجلب مالها رأس مال إضافيًا لاستثماراته، وتصبح زهرة ضحية أخرى لنفس فكرة الاستثمار. عندما يكتشف أن ما بدا رجلاً ثريًا تتراكم عليه الديون كالجبال، ينهار النظام النفسي برمته، لأن علاقته كانت مبنية على المادية منذ البداية.

في هذه الحالة، يُشكر الكاتب على تصويره الانهيار الاقتصادي لا كسبب للتوبة، بل كحافز لمزيد من القسوة. فالشخصية الرئيسية لا تندم على أي شيء تفعله، بل تُثير عداوة كل من حولها، بمن فيهم ابنها الذي لم يعد سوى عبء عليها. هنا تبلغ المأساة ذروتها، إذ يفقد الشخص آخر ما يربطه بطبيعته الحقيقية، ألا وهو الأبوة.

من الناحية اللغوية، يتميز أسلوب الحسان عشاق الكتابي بكثافته الشديدة، وغناه بالاستعارات والصور البلاغية لدرجة أن بعض الفقرات تبدو كقصائد نثرية. "السيارات تصفع وجه الحياة"، "الديون تنهش الروح"، "يصبح المنزل خلية من ورق"، و"الجشع خوارزمية". يضفي هذا الأسلوب قوة وصفية على النص، لكنه قد يؤدي أحيانًا إلى إسهاب بلاغي، حيث تطغى الاستعارات على السرد. وفي بعض الأحيان، ينغمس الكاتب في وصف الأشياء لمجرد الوصف.

علاوة على ذلك، يتخلل العمل تكرار دلالي نتيجة لتكرار فكرة الجشع بأشكال متعددة في أجزاء مختلفة من النص. كان من شأن استخدام لغة أفضل أن يُضفي على النص سلاسةً وقوةً أكبر للمشاهد. أما النقطة الأخيرة المتعلقة بالأساليب، فتتمثل في تصوير حادث السيارة كعقاب لا مفر منه. صحيح أن هذا النوع من النهايات يحمل في طياته بُعدًا أخلاقيًا، إلا أنه يبدو متوقعًا للغاية، إذ أن مسار الشخصية الرئيسية منذ منتصف القصة كان يُفضي إلى هذه النهاية المأساوية.

أما فيما يخص التحول النهائي لشخصية زهرة وظهور بوعزة كمعارض فكري لهشام، فينبغي القول إنه محاولة لإعادة إحياء قيمة المبادئ الإنسانية الأساسية. لا يُقدم بوعزة أي برنامج اقتصادي لزهرة، ولا يعدها بالخلاص، بل على العكس، يُعيدها إلى جوهر الحياة الخالي من أي حسابات. وبالتالي، يُمثل ظهوره رمزًا للتحرر من "خوارزمية الجشع"، لا بديلًا عاطفيًا عن الزوج الراحل، بل بديلًا فكريًا لفلسفة التملك. ومن ثم، يُضفي ذلك بُعدًا فلسفيًا إضافيًا على خاتمة القصة، مُثيرًا تساؤلًا حول الحياة: هل تُقاس بما نملك أم بقدرتنا على بلوغ السكينة الروحية؟ عمومًا، تُقدم القصة رؤية أخلاقية، لكنها لا تقتصر على الوعظ، بل تُحاول تحليل العمليات النفسية والاجتماعية التي تُفضي إلى الجشع. وقد نجحت في بناء شخصية مُتقنة، ونظام رمزي مُعقد، واستخدام لغة غنية بالعناصر الشعرية، وإن كانت في بعض الأحيان بحاجة إلى مزيد من الإيجاز.

بينما كان الحسان عشاق يُخطط لسرد قصة مُعلم مُضلَّل، إلا أن ما ظهر في الواقع هو قصة رجل عجز عن إدراك أي شيء في الحياة سوى الرياضيات. عندما يصبح كل شيء قابلاً للحساب بالأرقام، من العلاقات الأسرية والزوجية إلى الأبوة والتعليم، تصبح الإنسانية أول ضحايا هذا الجشع. هذا هو الموضوع الرئيسي الذي تتناوله القصة، متجاوزاً كونه مجرد حدث اجتماعي ليصبح تأملاً فلسفياً في أهمية الإنسانية.



#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)       Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- باع الطباشير|| أغنية
- عندما يغلب القلب العقل: دراسة نقدية للقصة القصيرة -حليم- لفا ...
- يا حليم يا ابن القلوب|| أغنية
- عندما يبتلع البحر الأحلام: تحليل نقدي لقصة رحال أمانوز القصي ...
- البحر ما كانش وعد || أغنية
- الحسّون لما سكت || أغنية
- عندما يصبح طائر الحسون مرآة للروح: التحليل النقدي لقصة -مجنو ...
- عندما يتحول الكمال إلى قفص من زجاج: تفسير القصة القصيرة -عرش ...
- عرش من إزاز || أغنية
- قبل ما الباب يقفل || أغنية
- مين قال الدنيا بيت؟|| أغنية
- خلعت هدومي ولا خلعت روحي؟ || أغنية
- الطريق اللي راح || أغنية
- عندما يصبح الوطن زمانًا لا مكانًا: قراءة نقدية لقصة -طريق تر ...
- تحت الأرصفة: عندما يتحول الواقع إلى غلافٍ هشٍّ لغابة الذاكرة
- لسّه ما انتهِتش || أغنية
- عندما يفشل القانون: جدلية الصمت والانتقام في قصة -في قوقعة ا ...
- قوقعة الصبر || أغنية
- -البوق-: عندما يبتلع المرء صوته
- البوق والطبّالين || أغنية


المزيد.....




- مسؤول أمريكي يكشف تفاصيل عما يريده ترامب من مفاوضات البرنامج ...
- قطر تعلن وفاة أميرها السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فماذ ...
- هل بدّل ترامب طائرته بسبب مخطط لاغتياله؟ تقرير يكشف ما حدث
- رفض سعودي ـ عراقي لاستخدام أراضي أي دولة أو أجوائها لتهديد أ ...
- بيان عربي حاد ضد إيران لاستمرار هجماتها على دول الجوار
- الحوثيون: نقف الى جانب ايران وننسق باستمرار معها لمواجهة كل ...
- ترحيب أممي واقليمي بعقد الجلسة الافتتاحية لمجلس الشعب الجديد ...
- عمدة موسكو: الدفاع الجوي دمر حوالي 300 مسيرة أوكرانية كانت م ...
- -خطوة متقدمة نحو جيش ليبي موحد-.. صدام حفتر يرحب باجتماع خال ...
- فرقة -كوستروما-.. باليه بنكهة روسية في مصر


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - عندما يتحول المعلم إلى آلة حسابية: حول قصة الحسان عشاق -خوارزمية الجشع في سيرة معلم-