أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - الشرقي لبريز - من الخطّابة إلى المؤثر الرقمي... هل تغير الوسيط أم تغيرت أدواته؟














المزيد.....

من الخطّابة إلى المؤثر الرقمي... هل تغير الوسيط أم تغيرت أدواته؟


الشرقي لبريز
ناشط حقوقي اعلامي وكاتب مغربي

(Lebriz Ech-cherki)


الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 08:31
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في المجتمع المغربي، كما في مجتمعات كثيرة، لم يكن الزواج يومًا شأنًا فرديًا خالصًا. كان اختيار شريك الحياة يتم داخل شبكة من العلاقات والوساطات التي تمنح القرار شرعية اجتماعية وتخفف من قلق المجهول. كانت الأسرة حاضرة بوصفها الضامن الأول، وكانت الخطّابة تؤدي وظيفة الوسيط بين العائلات، بينما كان الفقيه أو الشوافة، في بعض الأوساط، يمثلان ملاذًا رمزيًا لمن أثقلهم الانتظار أو استعصى عليهم تفسير تعثر الزواج. ورغم اختلاف المكانة الاجتماعية والرمزية لكل واحد من هؤلاء، فإنهم جميعًا أدوا وظيفة واحدة: تقليص مساحة المجهول التي يخشاها الإنسان عندما يقف أمام أحد أهم قرارات حياته.
واليوم، يبدو أن هذه الشخصيات التقليدية بدأت تتراجع لتحل محلها شخصية جديدة: المؤثر الرقمي أو صاحب البث المباشر. وللوهلة الأولى قد يبدو الأمر قطيعة مع الماضي، غير أن القراءة السوسيولوجية تكشف العكس؛ فما تغير ليس حاجة المجتمع إلى الوسيط، وإنما تغيرت صورته وأدواته. لقد انتقلت الوساطة من الحي والأسرة إلى الفضاء الرقمي، ومن المجلس التقليدي إلى شاشة الهاتف، ومن العلاقات المباشرة إلى الخوارزميات.
وهنا يبرز سؤال يتجاوز ظاهرة بثوث الزواج نفسها: لماذا يحتاج الإنسان إلى وسيط أصلًا؟
قد يكون الجواب السهل هو ضعف الثقة بالنفس، لكن هذا التفسير لا يصمد أمام التاريخ. فلو كان الأمر متعلقًا فقط بالهشاشة النفسية، لما حافظت كل المجتمعات، على اختلاف ثقافاتها، على أشكال متنوعة من الوساطة في الزواج. إن الإنسان لا يبحث دائمًا عن الوسيط لأنه عاجز عن الاختيار، بل لأنه يبحث عن من يشاركه مسؤولية الاختيار، ويخفف عنه القلق الذي يرافق القرارات المصيرية.
ومن هنا يمكن استدعاء مفهوم الرأسمال الرمزي عند بيير بورديو. فصاحب بث الزواج لا يمتلك سلطة قانونية، ولا خبرة مهنية بالضرورة، لكنه يمتلك رأسمالًا رمزيًا صنعته الشهرة وعدد المتابعين. وهذا الاعتراف الجماعي يمنحه سلطة معنوية تجعله يبدو، في نظر كثيرين، أهلًا للوساطة، تمامًا كما كانت المكانة الاجتماعية تمنح الخطّابة أو كبير العائلة سلطة مماثلة في الماضي.
أما ما يحدث داخل هذه البثوث، فيعيد إلى الأذهان تحليل إرفينغ غوفمان للحياة الاجتماعية بوصفها مسرحًا. فالمشاركون لا يقدمون ذواتهم كما هي، بل يقدمون الصورة التي يرغبون في أن يراها الآخرون. إنهم يديرون الانطباع، ويصوغون خطابهم وهيئتهم بعناية، فيصبح البث فضاءً للأداء الاجتماعي أكثر منه فضاءً لاكتشاف الحقيقة.
وتزداد الصورة وضوحًا إذا قرأنا الظاهرة في ضوء مفهوم الحداثة السائلة عند زيغمونت باومان. ففي عالم تتراجع فيه الروابط المستقرة، ويزداد فيه الشك وعدم اليقين، يصبح الإنسان أكثر تعطشًا لأي إحساس بالأمان. لذلك لا توفر بثوث الزواج ثقة حقيقية بقدر ما توفر شعورًا بالثقة؛ فهي لا تتحقق من الهويات أو النيات، لكنها تمنح المشاركين إحساسًا بأن هناك من يشهد اللقاء ويباركه اجتماعيًا، ولو بصورة رمزية.
إن الخطأ يكمن في الاعتقاد بأن المؤثر الرقمي حل محل الخطّابة أو الفقيه. فالأشخاص يتغيرون، أما البنية الاجتماعية فتبقى. المجتمع لا يلغي وظيفة الوسيط، بل يعيد إنتاجها بما ينسجم مع أدوات كل عصر. فكما أنتج المجتمع التقليدي الخطّابة، أنتج المجتمع الرقمي المؤثر، وكلاهما يستجيب للحاجة الإنسانية نفسها: البحث عن من يخفف وطأة الحرية، ويشارك الفرد مسؤولية القرار.
لذلك، فإن بثوث الزواج ليست مجرد ظاهرة رقمية عابرة، بل مرآة لتحول أعمق في المجتمع المغربي. إنها تكشف أن الوسيط لم يختف، وإنما غير هيئته، وأن الإنسان، مهما بلغ من استقلالية، لا يزال يبحث عن سلطة رمزية تمنحه الطمأنينة في مواجهة المجهول.
وربما لهذا السبب، فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس: هل نجحت بثوث الزواج في جمع الناس؟ بل: هل تغير الإنسان فعلًا، أم أنه ما زال يبحث عن اليقين نفسه، لكن في مرآة رقمية بدل مجلس الخطّابة؟



#الشرقي_عبد_السلام_لبريز (هاشتاغ)       Lebriz_Ech-cherki#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- على أنقاضِ الوعد.. حين ولدتُ من رماد قلبي
- حين يعود الغائب متأخراً
- عناقٌ من طيفها
- محطة الشوق
- رأي حقوقي: منصة المسطرة الغيابية بين متطلبات الرقمنة وضمانات ...
- “لايفات الزواج” في ضوء القانون الدولي العام: بين حرية التعبي ...
- جمعية حقوقية تدعو إلى إنهاء التمييز ضد المرأة واستحضار مكانت ...
- صمود الأمازيغ في وجه الاستعمار الفرنسي عبر قرن من المقاوم ذك ...
- الاجساد وحدها ترحل اما الفكر فخالد خلود الانسان ذكرى رحيل جس ...
- جمعية الدفاع عن حقوق الانسان تؤكد مطالبها بخصوص الأمازيغية
- الأمازيغية فعل من أفعال المقاومة عبر التاريخ
- الشرقي لبريز منسق للجنة متابعة توصيات ندوة الرباط لجمعية الد ...
- جمعية الدفاع عن حقوق تنظم ندوة بالرباط عنوانها: ماذا نريد من ...
- جمعية الدفاع عن حقوق الانسان تحي اليوم العالمي لحقوق الانسان ...
- نداء من اجل حماية الهوية الرقمية للانسان
- أوقفوا العنف الرقمي ضد جميع النساء والفتيات
- رأي حقوقي بخصوص قضية طفلة القصر الكبير
- عودة ظهير -كل ما من شانه- بصيغة جديدة لاسكت الافواه
- رأي حقوقي بخصوص محاكمة المحامي عبد الاله تاشفين
- الاحزاب السياسية بالمغرب ازمة قيادة ام ازمة ثقة


المزيد.....




- بزشكيان: التواصل مع مجتبى خامنئي -صعب للغاية- حاليا
- خطة جريئة لإبقاء الأرض صالحة للحياة لمدة 9.1 مليون مليار عام ...
- روسيا.. استخدام قمر Bion-M العلمي الجديد لدراسة تأثيرات الإش ...
- فانس: التفاوض مع إيران -معقد وشائك-
- البيت الأبيض ينفي وجود خلافات بين ترامب وهيغسيث
- الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل جنديين وإصابة 4 جنوب لبنان
- فانس يؤكد وجود اختلافات في الرأي مع نتنياهو
- دوي انفجارين في مضيق هرمز.. وناقلة تبلغ عن الواقعة قبالة عما ...
- مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة 4 بمعارك في جنوب لبنان
- مئات القاصرين بلا مأوى.. أزمة سبتة تتصاعد وتضغط على مدريد


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - الشرقي لبريز - من الخطّابة إلى المؤثر الرقمي... هل تغير الوسيط أم تغيرت أدواته؟