أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الشرقي لبريز - على أنقاضِ الوعد.. حين ولدتُ من رماد قلبي














المزيد.....

على أنقاضِ الوعد.. حين ولدتُ من رماد قلبي


الشرقي لبريز
ناشط حقوقي اعلامي وكاتب مغربي

(Lebriz Ech-cherki)


الحوار المتمدن-العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 01:05
المحور: الادب والفن
    


لا أدري متى بدأتُ أموت. أكان ذلك يوم التقيتها؟ أم يوم صدّقتُ أن الله قد أرسلها متأخرةً لتعوّضني عن كل الذين غادروا؟ أم كان يوم قالت لي: "لن أرحل"، فآمنتُ بكلماتها أكثر مما آمنتُ بقلقي؟

كل ما أعرفه أنني كنتُ رجلاً آخر قبلها.

كنتُ أشبه بمدينةٍ قديمةٍ أرهقتها الحروب، لكنها ما تزال تُضيء نوافذها كل مساءٍ أملاً في عودة الغائبين. وكانت هي تشبه المطر الذي لا يزور الصحراء إلا ليترك فيها وهْم الربيع. جاءتني بهدوء القصائد التي لا تحتاج إلى عناوين، وجلست في أكثر الأماكن هشاشةً من روحي، كأنها كانت تعرف الطريق إلى كسوري القديمة قبل أن أبوح بها.

أحببتها كما لا ينبغي للمرء أن يُحب أحداً. أحببتها بالقدر الذي يُخيف اللهفة ويُرهق القلب. لم أحبها كامرأةٍ وحسب، بل كوطنٍ صغيرٍ وجدتُ فيه منفاي الأخير، وكصلاةٍ كنتُ أؤديها كل يوم دون أن أعرف إن كانت ستصل إلى السماء أم ستظل عالقةً في سقف روحي.

وحين كانت تضحك، كنتُ أسمع في ضحكتها موسيقى تُعيد ترتيب هذا العالم الفوضوي من أجلي. كنتُ أؤمن أن الخراب الذي يسكنني قد وجد أخيراً باباً للخروج، وأن الله قد تعب من رؤيتي وحيداً، فأرسلها لتُعلّمني كيف يُزهر القلب بعد مواسم الجفاف.

كنتُ ساذجاً... والسذاجة ليست سوى الاسم الآخر للحب حين يكون في بداياته.

قالت ذات مساء: "لن أرحل". ولم تكن تدري أنها لم تُلقِ كلمةً عابرة، بل غرست شجرةً كاملةً في صدري. ومنذ تلك الليلة، صرتُ أعيش داخل وعدها أكثر مما أعيش داخل نفسي. خبأتُ كلماتها بين ضلوعي كما يُخبئ الأطفال كنوزهم الصغيرة، وأوقدتُ لها ألف قنديلٍ من الانتظار، حتى صار الانتظار ديني الجديد.

ولأن الحب يجعلنا عُمياناً، لم أنتبه أن بعض الوعود لا تُخلق لتُوفى، بل لتُعلّمنا كيف ننهض بعد انكسارها.

كان الزمن يسرقها مني ببطءٍ مُتقن، كما يسرق الخريف آخر أوراق الشجر دون أن يُحدث ضجيجاً. صار صوتها يأتي من مسافةٍ لا تصل إليها يداي، وصارت كلماتها أكثر برودةً من شتاءٍ بلا مواقد. أما أنا، فكنتُ أقف عند باب الوعد كحارسٍ عجوزٍ لم يخبره أحدٌ أن المدينة التي يحرسها احترقت منذ زمن.

كنتُ أطرق باب الغياب باسم الحب، ولا أجد سوى الصدى.

هناك، للمرة الأولى، اكتشفتُ أن أكثر أشكال الموت قسوةً هو أن يبقى الجسد حيّاً فيما تموت الأشياء الجميلة بداخله. وأن الإنسان لا يخسر الآخرين فقط، بل يخسر النسخة التي كانها معهم.

لقد رحلت هي، لكن الذي أرعبني حقاً أنني رحلتُ معها.

رحل ذلك الرجل الذي كان يرى في قصيدةٍ منها عيداً، وفي كلمةٍ منها وطناً، وفي صمتها ألف سؤالٍ لا يريد له جواباً. مات ذلك الطفل الذي كان يُؤمن أن الحب قادرٌ على الانتصار دائماً، وبقي مني رجلٌ يحمل قلبه كما يحمل الناجون جراحهم؛ بحذرٍ شديدٍ وخوفٍ لا يعترفون به.

ومنذ ذلك اليوم، لم أعُد أخشى الفراق، بل صرتُ أخشى أن أفقد نفسي وأنا أحاول أن أُبقي أحدهم إلى جواري.

علّمتني الحياة أن الخذلان لا يبدأ حين يرحل الآخرون، بل حين نؤجل رحيلنا عن الأبواب الموصدة. وأن أقسى أنواع الوحدة ليست أن تنام وحيداً، بل أن تنام بجوار حلمٍ مات منذ زمن وما زلتَ تُصرُّ على إيقاظه كل صباح.

واليوم، لا أحمل لها عتاباً. فالعتاب محاولةٌ يائسة لإحياء ما مات. أحمل لها دعاءً يشبه صلاة الغروب، وأحمل لنفسي اعتذاراً طويلاً لأنني نسيتُ أن أحبها دون أن أخون الرجل الذي كنتُه قبلها.

لقد غفرتُ لها، وغفرتُ للحياة أيضاً. فبعض الخيبات ليست سكاكين تُغرس في صدورنا، بل مفاتيح تُفتح بها الأبواب التي خفنا طويلاً من طرقها.

أدركتُ أخيراً أن بعض البشر لا يأتون ليُكملوا رحلتنا، بل ليكسروا الطريق أمامنا كي نكتشف طريقاً آخر. وأن بعض النهايات ليست موتاً للحكاية، بل ولادةً متأخرةً لأرواحنا.

أما ذلك العاشق الذي كنته، فقد دفنتُه تحت شجرة الذكريات، ولم أضع على قبره شاهداً من حجر، بل زرعتُ فوقه ألف وردةٍ من الكبرياء. وحين يزورها الربيع، أعرف أنه ما يزال يبتسم لي من مكانٍ بعيد.

وإن سألني أحدٌ عنها يوماً، سأقول: كانت مطراً مرَّ فوق صحراءِ روحي فأيقظ فيها الحياة، ثم مضى ليعلّمني أنني كنتُ النبع الذي أبحث عنه طوال الوقت.

أما عني، فسأقول إنني لم أنكسر بسبب الحب، بل بسبب انتظاري الطويل عند أبوابٍ لم تُفتح يوماً.

لقد أدركتُ أخيراً أن أكثر الأشياء قسوةً ليست الرحيل، بل البقاء في المكان الذي رحل عنه الجميع.

هي لم تتركني حين غادرت، بل تركتني يوم بقيتُ أنا أنتظرها.

وعلى أنقاضِ وعدٍ لم يفِ به الزمنُ ولا البشر، وُلِدتُ من جديد.



#الشرقي_عبد_السلام_لبريز (هاشتاغ)       Lebriz_Ech-cherki#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يعود الغائب متأخراً
- عناقٌ من طيفها
- محطة الشوق
- رأي حقوقي: منصة المسطرة الغيابية بين متطلبات الرقمنة وضمانات ...
- “لايفات الزواج” في ضوء القانون الدولي العام: بين حرية التعبي ...
- جمعية حقوقية تدعو إلى إنهاء التمييز ضد المرأة واستحضار مكانت ...
- صمود الأمازيغ في وجه الاستعمار الفرنسي عبر قرن من المقاوم ذك ...
- الاجساد وحدها ترحل اما الفكر فخالد خلود الانسان ذكرى رحيل جس ...
- جمعية الدفاع عن حقوق الانسان تؤكد مطالبها بخصوص الأمازيغية
- الأمازيغية فعل من أفعال المقاومة عبر التاريخ
- الشرقي لبريز منسق للجنة متابعة توصيات ندوة الرباط لجمعية الد ...
- جمعية الدفاع عن حقوق تنظم ندوة بالرباط عنوانها: ماذا نريد من ...
- جمعية الدفاع عن حقوق الانسان تحي اليوم العالمي لحقوق الانسان ...
- نداء من اجل حماية الهوية الرقمية للانسان
- أوقفوا العنف الرقمي ضد جميع النساء والفتيات
- رأي حقوقي بخصوص قضية طفلة القصر الكبير
- عودة ظهير -كل ما من شانه- بصيغة جديدة لاسكت الافواه
- رأي حقوقي بخصوص محاكمة المحامي عبد الاله تاشفين
- الاحزاب السياسية بالمغرب ازمة قيادة ام ازمة ثقة
- انهيار وئشيك للدولار الامريكي


المزيد.....




- موسيقى ورقص وسينما.. موسكو تفتح نافذة على ثقافات أمريكا اللا ...
- مصر.. تحرك برلماني لتفعيل -حق الأداء العلني- يثير خلافًا بين ...
- العراق والثقافة.. مسيرة الإبداع في الجمهورية العراقية الأولى ...
- تغاريد تحت القصف.. كيف يوثق الأدب ذاكرة أطفال غزة؟
- -في مرآتي- يحصد جائزة -الكوكب الذهبي- في اختتام الأيام الوط ...
- ارتفاع أسعار تذاكر المهرجانات الموسيقية في روسيا بنسبة 21% خ ...
- بعد التأجيل لأسباب عائلية.. موعد جديد لجنازة الممثل الراحل أ ...
- بوتين يمنح الفنان أوليغ غازمانوف وسام -الاستحقاق للوطن- من ا ...
- من أبرز المجددين في الموسيقى المصرية.. رحيل المؤلف الموسيقي ...
- الفنان السعودي محمد عبده يوجه رسالة بعد ظلم منتخب مصر وخسارة ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الشرقي لبريز - على أنقاضِ الوعد.. حين ولدتُ من رماد قلبي