أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الشرقي لبريز - حين يعود الغائب متأخراً














المزيد.....

حين يعود الغائب متأخراً


الشرقي لبريز
ناشط حقوقي اعلامي وكاتب مغربي

(Lebriz Ech-cherki)


الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 09:39
المحور: الادب والفن
    


كانت ليلة من ليالي الصيف الأولى، تلك الليالي التي يبدو فيها الهواء مثقلاً بأسرار لا تُقال. جلستُ إلى طاولة صغيرة قرب نافذة المقهى، أراقب ارتعاش الضوء على سطح فنجان القهوة، كأن الزمن كله قد انكمش داخل دائرة سوداء من الذكريات.

لم أكن أنتظر أحداً.

فالانتظار، بعد الخيبات الكبرى، يتحول إلى عادة منسية.

ومع ذلك، ثمة وجوه لا تغادرنا حقاً؛ إنها تختبئ في زوايا الروح، وتستيقظ فجأة حين تتواطأ الذاكرة مع الصمت.

لا أدري كم مضى منذ الرحيل.

أيام؟

أشهر؟

سنوات؟

فالغياب الطويل يفقد الزمن معناه، ويجعل الحساب رفاهية لا يملكها القلب المجروح.

وفجأة، تسلل من بين ضباب الذكرى طيفه.

لم يأتِ كما كان يأتي قديماً، محاطاً بوهج الحنين، بل جاء مثقلاً بندم متأخر، يشبه مسافراً أضاع الطريق ثم عاد يسأل عن بيت هُدم منذ زمن.

جلس قبالتي في خيالي.

كان الصمت بيننا أبلغ من آلاف الكلمات.

رأيت في عينيه ذلك البريق الغريب الذي يولد حين يكتشف الإنسان متأخراً قيمة ما أضاعه بيديه.

بريق لا يشبه الحب، بل يشبه الحسرة.

حاول أن يتحدث.

حاول أن يجمع شظايا الاعتذار المبعثرة على طول السنوات.

مدّ يده نحوي، لا كعاشق، بل كغريق يبحث عن نجاته الأخيرة.

كان يحمل كلمات كثيرة، وتبريرات أكثر، لكنني أدركت أن بعض الجراح تكبر إلى درجة لا تعود فيها اللغة قادرة على تضميدها.

سمعته يقول بصوت يشبه انكسار المسافات:

"جئت لأصلح ما أفسدته الأيام... جئت لأعيد إليك الطمأنينة."

ابتسمت.

تلك الابتسامة التي لا تولد من الفرح، بل من معرفة مؤلمة بالحقيقة.

ثم نظرت إليه طويلاً، كما ينظر المرء إلى فصل انتهى من حياته ولن يعود.

وقلت:

"إذا مررت يوماً بروحي، ووجدتها تحترق، وفي يدك ماء...

فاغسل به ضميرك أولاً.

أما أنا...

فإياك أن تطفئني."

ساد الصمت.

الصمت الذي يولد حين تصطدم الحقيقة بآخر أوهامها.

أدرك أخيراً أن النار التي رآها لم تكن نار ضعف، بل نار تحوّل.

فبعض الحرائق لا تأتي لتفني الإنسان، بل لتعيد خلقه.

وبعض الآلام لا تقتل القلب، بل تعلّمه كيف ينبض مستقلاً عن الذين هجروه.

لم أعد أنتظر الإنقاذ من أحد.

فالذين يأتون متأخرين لا يحملون الخلاص، بل يحملون راحة ضمائرهم فقط.

أما القلوب التي عبرت الجحيم وحدها، فإنها تتعلم أن تكون وطن نفسها.

تلاشى الطيف شيئاً فشيئاً، كما تتلاشى الأحلام عند أول خيط للفجر.

ورحل.

لكن هذه المرة لم يترك وراءه فراغاً.

ترك يقيناً.

يقيناً بأن الحب قد يموت، وأن الحنين قد يخفت، لكن الكرامة حين تستيقظ لا تنام مرة أخرى.

أنهيت آخر رشفة من قهوتي ببطء، وكأنني أفرغ معها آخر ما تبقى من ثقل الأمس. وضعت الفنجان على الطاولة، ونهضت. كان الليل هو الليل، والشارع هو الشارع، والمدينة لم يتغير فيها شيء، لكن شيئاً عميقاً في داخلي كان قد تبدّل.

خرجت من المقهى بخطوات هادئة، أشعر وكأنني أعبر عتبة حياة إلى أخرى. لم أكن أحمل معي سوى نفسي، لكنها لم تعد النفس ذاتها التي دخلت قبل ساعات. تركت خلفي طيفاً، وذكرى، وحكاية استنزفت من عمري ما استنزفت، ومضيت.

كان النسيم يلامس وجهي كيدٍ خفية تبارك ولادة جديدة، وكانت الأنوار المتناثرة على الأرصفة تبدو كنجوم صغيرة تهدي خطاي نحو مستقبل أكثر صفاءً.

في تلك اللحظة أدركت أن التحرر ليس أن ننسى، بل أن نتذكر دون أن نتألم.

وأن النضج ليس أن نتوقف عن الحب، بل أن نتوقف عن استجداء من لم يعرف قيمة قلوبنا.

سرت في الطريق مبتسماً، لا لأن الحياة أصبحت أجمل فجأة، بل لأنني أصبحت أقوى.

وكأنني وُلدت من جديد...

من رماد خيبة قديمة، ومن نار تجربة قاسية، ومن قلبٍ تعلم أخيراً أن يختار نفسه.

وربما كانت تلك هي المعجزة الوحيدة التي تمنحها لنا الأيام بعد كل انكسار:

أن نخرج من أنفسنا القديمة، ونمضي نحو ذواتنا الحقيقية، أخفَّ روحاً، وأعمق فهماً، وأكثر سلاماً.

عفواً...
هذه ليست رسالة من نسج الخيال كما قد يظن البعض، وليست قصة كُتبت لإمتاع القارئ أو لمجرد التلاعب بالكلمات.
إنها رسالة لم تُكتب باسم أحد، لكنها كُتبت من أجل كل الذين عادوا متأخرين، وكل الذين انتظروا طويلاً حتى اكتشفوا أن بعض الأبواب لا تُغلق غضباً، بل تُغلق حين ينتهي الانتظار.
هي حكاية قد تبدو شخصية، لكنها في الحقيقة مرآة لمشاعر إنسانية عابرة للأسماء والوجوه. فبين سطورها شيء من العتاب، وشيء من الحنين، وشيء كثير من الكرامة التي تولد من رحم الخيبة.
ولعل أجمل ما في بعض الرسائل أنها لا تُرسل إلى أحد بعينه، لأن أصحابها الحقيقيين يعرفون أنفسهم جيداً حين يقرأونها.
أما البقية...
فليعتبروها مجرد قصة.



#الشرقي_عبد_السلام_لبريز (هاشتاغ)       Lebriz_Ech-cherki#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عناقٌ من طيفها
- محطة الشوق
- رأي حقوقي: منصة المسطرة الغيابية بين متطلبات الرقمنة وضمانات ...
- “لايفات الزواج” في ضوء القانون الدولي العام: بين حرية التعبي ...
- جمعية حقوقية تدعو إلى إنهاء التمييز ضد المرأة واستحضار مكانت ...
- صمود الأمازيغ في وجه الاستعمار الفرنسي عبر قرن من المقاوم ذك ...
- الاجساد وحدها ترحل اما الفكر فخالد خلود الانسان ذكرى رحيل جس ...
- جمعية الدفاع عن حقوق الانسان تؤكد مطالبها بخصوص الأمازيغية
- الأمازيغية فعل من أفعال المقاومة عبر التاريخ
- الشرقي لبريز منسق للجنة متابعة توصيات ندوة الرباط لجمعية الد ...
- جمعية الدفاع عن حقوق تنظم ندوة بالرباط عنوانها: ماذا نريد من ...
- جمعية الدفاع عن حقوق الانسان تحي اليوم العالمي لحقوق الانسان ...
- نداء من اجل حماية الهوية الرقمية للانسان
- أوقفوا العنف الرقمي ضد جميع النساء والفتيات
- رأي حقوقي بخصوص قضية طفلة القصر الكبير
- عودة ظهير -كل ما من شانه- بصيغة جديدة لاسكت الافواه
- رأي حقوقي بخصوص محاكمة المحامي عبد الاله تاشفين
- الاحزاب السياسية بالمغرب ازمة قيادة ام ازمة ثقة
- انهيار وئشيك للدولار الامريكي
- هل يصمد الدهب الكلاسيكي امام -الذهب الصافي الصلب- الصيني الص ...


المزيد.....




- بقائي: جولة سويسرا أحرزت تقدمًا والملفات الفنية مستمرة
- بقائي لـ-إرنا- عقب انتهاء مفاوضات سويسرا: تقرر أن تواصل الو ...
- من زارايسك الأثرية.. روسيا تبدأ رحلة تحضيرية نحو -المعرض الث ...
- في ذكرى ميلاده.. -الليل الطويل- يعيد حاتم علي إلى شاشة صالون ...
- انتهاء المفاوضات الأمريكية الإيرانية والمحادثات الفنية ستستم ...
- إسحاق دار: أعتقد أن ملف احتياطيات اليورانيوم يمكن حله من خلا ...
- الخارجية الإيرانية: انتهى عمل فرق التفاوض في هذه المرحلة لك ...
- د. سناء الشعلان: -نعيش زمن الانتحار الجماعيّ... ولا أحد يملك ...
- العمودالثامن: البحث عن وزير للثقافة
- الحرب الباردة المجهولة.. الفيلم الرابع.. -معارك سرية-


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الشرقي لبريز - حين يعود الغائب متأخراً