|
|
وشم الصورة: تحولات الجسد والهوية من منظور سوسيو-سيكولوجي في قصة وشم من القبلات سماح فراج قاسم
عصام الدين صالح
الحوار المتمدن-العدد: 8788 - 2026 / 8 / 5 - 02:47
المحور:
الادب والفن
المقدمة تأتي قصة “وشم من القبلات” [1] للكاتبة سماح فراج قاسم كنصٍ قصير شديد التكثيف، يختزل في مشهدٍ واحدٍ رحلةً كاملة لتحول الجسد من وجودٍ طبيعيٍ إلى بناءٍ رمزي، ومن حضورٍ فرديٍ إلى صورةٍ قابلةٍ للعرض والانتشار الاجتماعي. فالقصة لا تقدم الجسد كموضوعٍ للوصف الجمالي فحسب، بل تجعله فضاءً تتقاطع فوقه أفعال النظر والتشكيل والامتلاك، بما يفتح أسئلة سوسيو-سيكولوجية عميقة حول علاقة الفرد بجسده، وبين الذات والصورة التي يُنتجها الآخرون عنه. وتنبني حركة النص على انتقالات متتابعة تبدأ من لحظة العري داخل فضاء المرايا، حيث يظهر الجسد في حالة تجرد وانكشاف، ثم تنتقل إلى طقوس التزيين بالقبلات والعلامات البصرية، لتنتهي إلى فضاء العرض والفاشون، حيث يتحول الجسد إلى حاملٍ لهويةٍ جديدة تتمثل في مفهوم “الماركة”. ومن خلال هذا المسار، تكشف القصة عن توتر دلالي بين الجسد بوصفه وجودًا إنسانيًا حيًا، والجسد بوصفه صورةً مصنوعةً تُكتسب قيمتها من العلامات الاجتماعية والرمزية التي تحيط بها. الفرضية تنطلق هذه الدراسة[2] من فرضية مؤداها أن قصة “وشم من القبلات” لا تقف عند حدود الاحتفاء بالجمال أو تصوير علاقة حميمة، بل تكشف مسارًا رمزيًا سوسيو-سيكولوجيًا ينتقل فيه الإنسان من الجسد ككيانٍ بيولوجي-نفسي إلى الصورة، ومن الصورة إلى العلامة الاجتماعية. إذ تعيد الكاتبة بناء مفهوم الهوية من خلال عمليات النظر والتزيين والعرض، لتطرح سؤالًا مركزيًا حول حدود التحول الجمالي: هل يمثل هذا التحول فعلاً إبداعيًا يعيد خلق الذات، أم يكشف عن آليات اجتماعية تجعل قيمة الفرد مرتبطة بالصورة التي تُنتج له وتُقدَّم عنه في السوق الرمزي للظهور؟ وتكتسب هذه الفرضية أهميتها من طبيعة العلاقة التي يقيمها النص بين الحميمي (النفسي) والعام (الاجتماعي)؛ فالقبلة واللمسة والاحتضان لا تبقى في دائرة التعبير العاطفي الخاص، بل تتحول تدريجيًا إلى أدواتٍ لصناعة صورةٍ لها حضورها الاجتماعي والرمزي. كما تعيد القصة توزيع مواقع الفاعلية بين الشخصيتين، فتجعل المرأة صانعة الصورة ومهندسة التحول، بينما يصبح الرجل موضوعًا لعملية التشكيل، مما يفتح النص على مساءلة سوسيو-سيكولوجية أوسع لمفاهيم الجسد، والهوية، والسلطة، وتشييء الجسد في عصر سيادة الصورة. تمهيد العتبات النصية عنوان المجموعة والقصة: “وشم من القبلات” يستوقف العنوان منذ الوهلة الأولى بتجاور لفظتين تنتميان إلى حقلين دلاليين متباعدين: “الوشم” الذي يحيل إلى الأثر الدائم والكتابة غير القابلة للمحو على الجسد، و”القبلات” التي تشير إلى فعل عاطفي عابر. ومن ثم فإن الجمع بينهما ينقل القبلة من كونها حدثًا لحظيًا إلى أثر باقٍ، ويحوّل الحب من انفعال مؤقت إلى كتابة جسدية تشكل الهوية. كما يقول عنوان القصة نفسه: “وشم من القبلات”. ولا يبدو هذا التوتر بين العابر والدائم مجرد لعبة لغوية، بل يؤسس منذ البداية لإشكالية سوسيو-سيكولوجية مركزية في الدراسة؛ ألا وهي علاقة الجسد بالذاكرة والصورة. فالقبلة لا تؤدي وظيفتها بوصفها تعبيرًا عن المودة فحسب، وإنما تصبح علامة تترك أثرًا يشبه الوشم، أي أنها تنتقل من مستوى الفعل النفسي إلى مستوى الهوية الاجتماعية المرئية. ويُكتسب العنوان كثافة إضافية لكونه عنوان المجموعة كلها والقصة الرئيسة فيها، مما يجعله مفتاحًا دلاليًا يعكس محورًا أساسيًا في تجربة الكاتبة: تحويل الجسد إلى صورة (“وشم الصورة”). اسم الكاتبة والسياق الإبداعي تنتمي الكاتبة سماح فراج قاسم إلى المشهد الثقافي السكندري، وتمارس الكتابة في أكثر من جنس أدبي (قصة، رواية، شعر)، إلى جانب حضورها المؤسسي في مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية والهيئة العامة لقصور الثقافة. هذا التنوع لا يُستدعى لأغراض توثيقية فحسب، بل لأنه يفسر بعض السمات السوسيو-سيكولوجية في نصوصها، مثل الميل إلى التكثيف اللغوي، والعناية بالصورة الجسدية، واستكشاف الداخل النفسي في علاقته بالخارج الاجتماعي. ومع ذلك، يظل النص هو المرجع الأول للحكم النقدي، بينما توفر السيرة الذاتية إطارًا عامًا لفهم موقع القصة داخل تجربة الكاتبة. الإهداء يمتد الإهداء على مساحة وجدانية واسعة، يتوزع بين الحب والحنين والرثاء، ويبلغ ذروته في النداء المباشر: “فمتى تعود يا أبي”. ويلفت النظر أنه لا يقتصر على الأشخاص، بل يبني سلسلة من الصور الكونية: “إلى الجذع الذي حن وبكى شوقاً، والجبل الذي تزلزل حباً، والحصى الذي سبح ودا”. هذه الصور تمنح العاطفة بعدًا كونيًا وروحيًا، وتعلن منذ البداية أن الحب في هذا العالم السردي ليس مرادفًا للبهجة فقط، بل هو أيضًا قرين الفقد والغياب والأثر الباقي. وهذا ينسجم تمامًا مع منظور الدراسة السوسيو-سيكولوجي، إذ يربط بين الخبرة النفسية الخاصة (الحنين والفقد) والأثر الاجتماعي-الرمزي الذي يتركه على الجسد والذاكرة، وهو ما يتجلى في “وشم من القبلات”. كلمة الغلاف الخلفي يقدم الناقد عاطف الحناوي قراءة انطباعية عامة لتجربة الكاتبة، مشيرًا إلى “تصوير الحياة النفسية الجوانية للشخوص” و”مركزية الذكرى في وجدان الشخوص القصصية”، مع التنويه بتنوع أسلوبها بين المشهدية واللغة الشعرية. تُقرأ هذه الكلمة بوصفها خطابًا موازيًا يدعم المنظور السوسيو-سيكولوجي، خاصة في تأكيده على “التصوير الحي للحياة النفسية” و”المشهدية”، إلا أن مهمتنا النقدية تبقى اختبار هذه السمات من داخل النص نفسه، وتطويرها نحو مساءلة أعمق لعلاقة الجسد بالصورة والعلامة الاجتماعية. الجسد بوصفه فضاءً للنظر والتشكيل العري وتمركز الجسد في المشهد السردي يفتتح النص فضاءه السردي بصورة بصرية مكثفة: “يقف في منتصف الحجرة المليئة بالمرايات عاريًا”. ومنذ هذه الجملة الأولى، يضع السارد الجسد في قلب المشهد، لا بوصفه عنصرًا عابرًا، بل بوصفه محوره الرئيس. فاختيار “منتصف الحجرة” ليس تحديدًا مكانيًا عاديًا، بل يمنح الجسد موقعًا تتقاطع عنده جميع خطوط الرؤية، خاصة أن المكان “مليئة بالمرايات”، مما يجعل الشخصية محاطة بانعكاساتها من كل جانب. ولا يبدو العري هنا مجرد وصف لحالة جسدية، بل يمثل لحظة تجريد مقصودة سوسيو-سيكولوجيًا؛ إذ يتخلى الجسد عن كل ما يمنحه تعريفًا اجتماعيًا أو وظيفيًا: “لا اسم، ولا ملامح، ولا تاريخ”. وبهذا يتحول إلى كيان مفتوح على إمكانات متعددة، أشبه بـ”صفحة لم تُكتب بعد”، أو سطح ينتظر أن تُنقش عليه العلامات التي ستعيد تشكيل هويته داخل العالم الاجتماعي والنفسي. ويقتصر الوصف على عبارة “جسده النحيل”، مما يؤكد أن السارد لا ينشغل برسم تفاصيل الجسد أو إبراز مفاتنه، بقدر ما يحرص على إبقائه في حدوده المجردة ليصبح موضوعًا لعملية لاحقة تتجاوز الوصف إلى التشكيل الاجتماعي. الجسد بين التلقي وإعادة الصياغة منذ انتقال السرد إلى الشخصية الثانية، يتغير إيقاع النص بشكل لافت؛ إذ تتوالى الأفعال في نسق متصاعد: “تنظر إليه، تدور حوله، تتحسسه برفق، تزين جسده النحيل ببصمات من شفاه مصبوغة بحمرة داكنة”. يكشف هذا التتابع عن أن فعل التشكيل يبدأ بالنظر (التلقي البصري)، ثم ينتقل إلى الاقتراب واللمس، وصولًا إلى إعادة صياغة الجسد بالعلامات البصرية. ويقابل هذا الحضور الكثيف لأفعال الشخصية الأنثوية صمت شبه كامل من جانب الشخصية الذكورية. فهي لا تبادر ولا تعترض، وإنما تظل متلقية لما يُمارس عليها، مما يعكس ديناميكية سوسيو-سيكولوجية واضحة: الجسد هنا ليس ذاتًا فاعلة بقدر ما هو موضوع لفعل الآخر. فالقيمة الدلالية لا تنبع مما يفعله الجسد، بل مما يُفعل به. وتؤكد الأفعال اللاحقة هذا المسار: “تغطي بعض أجزاء جسده (بالشفون) اللامع والبعض الآخر تغزوه بوشم من شفاه”. هنا يغادر الجسد حدوده البيولوجية-النفسية ليصبح حاملًا لخطاب بصري اجتماعي جديد، تتداخل فيه الزينة مع الرمز، والملمس مع الدلالة الاجتماعية. ومن ثم، يرسم النص مشهدًا لا يكون فيه الجسد مجرد موضوع للوصف، بل فضاءً تتقاطع فوقه أفعال النظر واللمس والتزيين، لتبدأ عملية تحويله من وجود طبيعي إلى بناء رمزي-اجتماعي، وهي العملية التي ستتسع دلالاتها مع تطور المشهد نحو فضاءات العرض والماركة. طقوس التجميل: من الحميمية إلى الوسم القبلات بوصفها كتابة على الجسد لا تكتفي الشخصية الأنثوية بالنظر إلى الجسد أو ملامسته، بل تنتقل إلى مرحلة أكثر كثافة دلالية حين “تزين جسده النحيل ببصمات من شفاه مصبوغة بحمرة داكنة”. هنا تتجاوز القبلة وظيفتها العاطفية المألوفة لتغدو أثرًا بصريًا مقصودًا. فالقبلة لم تعد فعلاً زائلًا، وإنما تحولت إلى علامة مرئية تستقر على سطح الجسد، لتقترب من الدلالة التي يوحي بها عنوان القصة: “وشم من القبلات”. ويكتسب هذا التحول أهميته من أن النص لا يتحدث عن قبلة واحدة، وإنما عن “بصمات من شفاه”؛ أي عن أثر متكرر يتراكم على الجسد حتى يغدو جزءًا من صورته. تستدعي لفظة “بصمات” إيحاءات تتجاوز المجال العاطفي إلى مجال الهوية والإثبات، فالبصمة علامة شخصية لا تتكرر، ودليل على الحضور والامتلاك. وبذلك تتداخل دلالة الحب النفسي مع دلالة الأثر الاجتماعي، فلا تعود القبلة مجرد تعبير وجداني، بل تصبح كتابة رمزية على الجسد تعيد تعريفه. ويؤكد السارد هذا المسار حين يميز بين نوعين من الزينة: “تغطي بعض أجزاء جسده (بالشفون) اللامع، والبعض الآخر تغزوه بوشم من شفاه”. التقابل بين “تغطي” و”تغزوه” ليس اعتباطيًا؛ فالأولى تشير إلى فعل تجميلي سطحي قابل للإزالة، بينما توحي الثانية بنفاذ العلامة إلى الداخل، حتى تصبح جزءًا من الكيان. وهكذا يقيم النص تدرجًا بين الزينة العابرة والوشم الرمزي، فيتحول الجسد إلى مساحة تتجاور عليها العلامات المؤقتة والآثار الباقية. اللمس والاحتضان: بين الحميمية والامتلاك تستمر طقوس التشكيل في مسارها التصاعدي عبر سلسلة من الأفعال الحسية: “تتحسسه برفق”، “تغازله بلمساتها الساحرة”، “احتضنته من الخلف واضعة حول خصره رباطًا ذهبيًا”. هذه الأفعال توحي في ظاهرها بدرجة عالية من الحميمية والرقة، وتستدعي مناخًا عاطفيًا يخلو من التوتر. غير أن هذا البعد الوجداني لا يلغي ما تنطوي عليه الأفعال من سلطة خفية؛ فكل حركة تمثل خطوة جديدة في إعادة تشكيل الجسد وفق إرادة الآخر. يلاحظ أن النص يحرص على إسناد جميع الأفعال المؤثرة إلى الشخصية الأنثوية، بينما يظل الجسد الذكوري في موقع التلقي. فهو لا يختار مواضع القبلات، ولا يحدد هيئة الزينة، وإنما يُقاد داخل المشهد بوصفه موضوعًا لطقس جمالي متكامل. تنشأ هنا مفارقة سوسيو-سيكولوجية دقيقة بين اللغة الحانية (“برفق”، “ساحرة”) وبين طبيعتها الإجرائية التي تعيد ترتيب الجسد وتمنحه صورته الجديدة. هل تمثل هذه الممارسات أقصى درجات الاحتفاء بالمحبوب حتى يغدو جسده لوحة تتزين بعلامات العشق؟ أم أنها تحول الإنسان، ولو في إطار جمالي، إلى موضوع يُعاد تشكيله وفق رؤية الآخر ورغبته؟ من اللمسة الحميمية إلى صناعة العلامة لا تتوقف عملية التجميل عند العلامات البصرية، بل تمتد إلى نسق متكامل يجمع بين اللمس والاحتضان والتقديم. فالقبلات والشفون والرباط الذهبي والشريط البرونزي ليست تفاصيل متجاورة، وإنما مكونات لصورة يجري إعدادها بعناية. بهذا تتجاوز الحميمية بعدها الانفعالي النفسي لتؤدي وظيفة بنائية داخل المشهد، حيث تتحول القبلة إلى أثر، واللمسة إلى أداة صياغة، والزينة إلى لغة بصرية تُقرأ قبل أن تُحَس. ومن هنا يمهد النص، بهدوء ودون قطيعة واضحة، للانتقال من الجسد بوصفه موضوعًا للعاطفة الخاصة، إلى الجسد بوصفه حاملًا لعلامة اجتماعية قابلة للعرض والتمييز. طقوس التجميل: من اللمسة الحميمية إلى صناعة العلامة اللمسة الحميمية ودلالاتها المزدوجة تستمر طقوس التشكيل عبر سلسلة من الأفعال الحسية: “تتحسسه برفق”، “تغازله بلمساتها الساحرة”، “احتضنته من الخلف”. هذه الأفعال توحي في ظاهرها بدرجة عالية من الحميمية والرقة، وتستدعي مناخًا عاطفيًا يخلو من التوتر الظاهر. ومع ذلك، يكشف السياق السردي عن بعد آخر؛ فكل حركة من هذه الحركات تمثل خطوة جديدة في إعادة تشكيل الجسد وفق إرادة الآخر. يحرص النص على إسناد جميع الأفعال المؤثرة إلى الشخصية الأنثوية، بينما يظل الجسد الذكوري في موقع التلقي السلبي. تنشأ هنا مفارقة سوسيو-سيكولوجية دقيقة بين اللغة الحانية (“برفق”، “ساحرة”) وبين الطبيعة الإجرائية لهذه الأفعال التي تعيد ترتيب الجسد وتمنحه صورته الجديدة. التنسيق البصري وتراكم العلامات لا تضيف الشخصية الأنثوية عناصر الزينة اعتباطًا، بل تنسقها في نظام بصري متكامل. يتجلى ذلك في التمييز الدقيق: “تغطي بعض أجزاء جسده (بالشفون) اللامع، والبعض الآخر تغزوه بوشم من شفاه”. الفعل “تغطي” يشير إلى زينة سطحية، بينما “تغزوه” يوحي بنفاذ العلامة واستقرارها. ثم تأتي الخطوة التالية: “تسير به فوق السجادة الحمراء بعد أن احتضنته من الخلف واضعة حول خصره رباطًا ذهبيًا” و”أحدثت ثورة في عالم (الفاشون)”. هكذا تتحول القبلات واللمسات من تجربة حسية خاصة إلى عناصر في بناء صورة عامة قابلة للتداول. من الحميمية الخاصة إلى صناعة العلامة بهذا النسق المتدرج تتحول القبلة من فعل حب عابر إلى أثر دائم (“وشم”), واللمسة من تجربة حسية إلى أداة صياغة، والزينة من إضافة جمالية إلى لغة بصرية تُقرأ اجتماعيًا. ومن هنا يمهد النص للانتقال الحاسم من الجسد بوصفه موضوعًا للعاطفة الخاصة، إلى الجسد بوصفه حاملًا لعلامة اجتماعية (“ماركة”) قابلة للعرض والتمييز. لم يعد الجسد مجرد حامل للعلامات، بل أصبح صفحة تُكتب عليها علاقة الآخر به، وصورة تتجاوز الحميمية لتدخل دائرة الظهور الاجتماعي. من الجسد إلى العلامة: تشكّل الهوية بوصفها “ماركة” مسرح العرض وصناعة البريق إذا كان الجسد في المراحل السابقة مجالًا للّمس والتزيين ونقش العلامات، فإنه في هذا الجزء يغادر دائرة العلاقة الخاصة ليدخل فضاء العرض العلني. يتجلى هذا التحول في قول السارد: “تسير به فوق السجادة الحمراء”. السجادة الحمراء ليست مجرد عنصر جمالي، بل تحمل حمولة رمزية مرتبطة بالاحتفاء والشهرة والعرض العلني. إنها تنقل الجسد من موقع التشكيل الخفي إلى موقع الفرجة، حيث يصبح الهدف ليس أن يكون جميلًا فقط، بل أن يكون مرئيًا ومعترفًا به اجتماعيًا. ويكشف الفعل “تسير به” عن استمرار البنية التي تأسست منذ البداية؛ فالشخصية الأنثوية تظل صاحبة الفعل والتنظيم، بينما يظل الجسد الذكوري موضوعًا لهذا الفعل. لكنه هنا لا يُقدَّم بوصفه جسدًا خاصًا داخل علاقة شخصية، وإنما بوصفه صورة يجري إعدادها لتظهر أمام الآخرين. وتتضافر العلامات المصاحبة لهذا العرض في بناء صورة مصطنعة ومقصودة: “واضعة حول خصره رباطًا ذهبيًا ليزيد من رونقه”، “تأبطت ذراعه بشريط برونزي”. فالذهب والبرونز لا يعملان هنا بوصفهما زينة فحسب، وإنما بوصفهما إشارات إلى القيمة والتميز والترف داخل نظام اجتماعي من العلامات البصرية. الإنسان بوصفه علامة تجارية تصل حركة التحول في النص إلى ذروتها في الجملة الأخيرة: “فأحدثت ثورة في عالم (الفاشون) لتكون.... صاحبة (ماركة) عالمية”. هذه النهاية لا تقدم نتيجة طبيعية لمسار التجميل فقط، بل تكشف أن الهدف النهائي من عملية إعادة التشكيل كان إنتاج قيمة قابلة للانتشار والاعتراف الاجتماعي. يكتسب لفظ “ماركة” أهمية خاصة؛ لأنه ينقل الجسد من مجال الجمال الخاص إلى مجال الاقتصاد الرمزي والاجتماعي. فالماركة ليست مجرد اسم تجاري، وإنما هوية مختصرة تحمل صورة وقيمة وتميزًا. وبذلك لا يعود الجسد مجرد موضوع للزينة، بل يصبح جزءًا من مشروع لصناعة علامة لها حضورها المستقل. غير أن النص يثير هنا مفارقة سوسيو-سيكولوجية أساسية؛ فالتي صنعت العلامة هي الشخصية الأنثوية، لكنها في الوقت نفسه جعلت من جسد الآخر الوسيط الذي تُعلن من خلاله هذه العلامة. فالرجل لا يظهر بوصفه فردًا له تاريخ أو صوت، بل بوصفه حاملًا للصورة الجديدة. وهنا يتداخل الإبداع مع إعادة التوظيف؛ إذ يمكن النظر إلى العملية باعتبارها فعلًا خلاقًا، كما يمكن قراءتها بوصفها تحويلًا للإنسان إلى وسيط لعرض قيمة خارجية. التوتر بين الذات والصورة لا يحسم النص هذا التوتر، بل يتركه مفتوحًا. فصناعة العلامة قد تبدو انتصارًا لقدرة الخيال على تحويل العادي إلى استثنائي، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن عالم تصبح فيه الصورة أكثر حضورًا من صاحبها. الجسد الذي بدأ “عاريًا في منتصف الحجرة” لم يصل إلى نهايته إلا بعد أن أصبح محاطًا بعلامات تمنحه وجودًا جديدًا؛ وجودًا لا يقوم على ما هو عليه، وإنما على ما يمثله أمام الآخرين. وبذلك تكشف القصة عن مسار متدرج: من جسد يُرى، إلى جسد يُشكَّل، إلى جسد يُعرض، ثم إلى جسد يتحول إلى علامة. وهي حركة لا تقف عند حدود التجميل أو الموضة، بل تفتح سؤالًا سوسيو-سيكولوجيًا أوسع حول العلاقة بين الهوية والصورة، وبين الإنسان والرموز الاجتماعية التي تحيط به وتعيد تعريفه. الأنوثة المبدعة والذكورة المُشكَّلة: انقلاب الأدوار التقليدية الأنثى بوصفها صانعة الصورة منذ الجملة الأولى التي يظهر فيها الجسد العاري “في منتصف الحجرة المليئة بالمرايات”، يضع النص الشخصية الأنثوية في موقع مختلف عن الصورة النمطية المعتادة للمرأة بوصفها موضوعًا للنظر. فالمرأة هنا لا تقف أمام الجسد لتتأمله فقط، بل تتحول إلى الفاعل الذي يوجه الرؤية ويصنع الصورة ويحدد ملامحها. إنها لا تكتفي بالانبهار بالجمال، بل تتدخل في إنتاجه وإعادة صياغته. تتأكد هذه الفاعلية من خلال الأفعال المتتابعة المنسوبة إليها: “تنظر إليه، تدور حوله، تتحسسه برفق، تزين جسده، تغطي، تغزوه، تسير به”. هذا المعجم الحركي يمنحها حضورًا فاعلًا قويًا، بينما يظل الطرف الآخر ساكنًا أو مستجيبًا. تنقلب بذلك العلاقة التقليدية التي غالبًا ما تجعل المرأة موضوعًا للعرض، لتصبح هي صاحبة الرؤية والقرار، والقادرة على تحويل الآخر إلى صورة وفق تصورها الجمالي والاجتماعي. ولا تقتصر قوة الشخصية الأنثوية على الجانب الحسي، بل تمتد إلى الجانب الإبداعي؛ فهي تتعامل مع الجسد كما يتعامل الفنان مع مادته الأولية. تختار العلامات، تنسق الألوان (“حمرة داكنة”، “شفون لامع”، “رباط ذهبي”، “شريط برونزي”) وتبني الهيئة النهائية حتى تصل إلى لحظة إنتاج “ماركة عالمية” بوصفها تتويجًا لهذا الفعل الخلاق. الذكورة بوصفها موضوعًا لإعادة التشكيل في مقابل هذه الفاعلية الأنثوية، يقدم النص الرجل في موقع مغاير تمامًا للصورة التقليدية للذكورة المرتبطة بالفعل والسيطرة. فهو منذ البداية “يقف” في موضع ثابت، ثم تتوالى عليه أفعال الآخر: يُنظر إليه، يُتحسس، يُزيَّن، يُحتضن، يُساق فوق السجادة الحمراء. لا يعني ذلك إلغاء حضوره، بل إعادة تعريف هذا الحضور سوسيو-سيكولوجيًا. فهو لا يمتلك السلطة داخل المشهد، وإنما يمنح وجوده للمشروع الجمالي الذي تقوده المرأة. صمته وثباته يجعلانه مساحة مفتوحة للتشكيل، وهو ما يقلب العلاقة المعتادة بين من ينظر ومن يُنظر إليه، وبين من يصنع الصورة ومن تُصنع صورته. غير أن هذا التحول لا يخلو من مفارقة؛ فالرجل الذي يبدو فاقدًا للفاعلية المباشرة يصبح في النهاية الوسيط الذي يحقق للمرأة مشروعها في عالم الفاشون. إنه، رغم كونه موضوعًا للتشكيل، يمثل المادة التي تُنتج من خلالها العلامة. ومن هنا لا يمكن اختزال العلاقة في ثنائية بسيطة بين قوة أنثوية وضعف ذكوري، لأن النص يبني علاقة أكثر تعقيدًا تتداخل فيها السلطة والإبداع والتمثيل الاجتماعي. دلالة انقلاب الأدوار إن انقلاب الأدوار في القصة لا يتمثل فقط في أن المرأة هي الفاعلة والرجل هو المتلقي، بل في أن مفاهيم الجمال والهوية نفسها أصبحت قابلة لإعادة التوزيع. فالجسد لم يعد مرتبطًا بجنس صاحبه بقدر ارتباطه بمن يمتلك القدرة على تشكيله ومنحه المعنى الاجتماعي. بهذا يختتم النص حركته الأساسية: من جسد خام إلى صورة، ومن صورة إلى علامة، ومن علاقة شخصية إلى نظام كامل من إنتاج المعنى الاجتماعي. الخاتمة تكشف قراءة قصة "وشم من القبلات” لسماح فراج قاسم أن الكاتبة تبني نصها القصير على حركة دلالية متدرجة تبدأ من الجسد وتنتهي إلى العلامة، بحيث لا يعود الجسد مجرد حضور مادي أو موضوع للزينة، بل يصبح مساحة تتشكل فوقها معاني الهوية والصورة والتمثيل الاجتماعي. فالجسد الذي يظهر في بداية القصة “عاريًا” داخل فضاء المرايات لا يمثل نقطة وصول، بل يمثل مادة أولية لعملية تحول متتابعة يعاد من خلالها إنتاجه عبر النظر واللمس والعلامات. وقد أظهرت القراءة السوسيو-سيكولوجية أن المرايا في النص لا تؤدي وظيفة انعكاسية فقط، بل تشارك في بناء عالم الصورة؛ فهي تنقل الجسد من كونه وجودًا خاصًا إلى كونه موضوعًا للرؤية والاعتراف الاجتماعي. كما أن طقوس التجميل لا تظل في حدود الحميمية النفسية، بل تتجاوزها لتصبح فعلاً من أفعال إعادة التشكيل، حيث تتحول القبلة إلى أثر ("بصمات من شفاه”، “وشم من شفاه”) واللمسة إلى أداة صياغة، والزينة إلى لغة بصرية تكتب هوية جديدة قابلة للتداول (“ماركة عالمية”). غير أن النص لا يقدم هذا التحول في صورة أحادية؛ فهو لا يحتفي بالصورة المصنوعة احتفاءً مطلقًا، ولا يدينها بوصفها اغترابًا عن الذات، وإنما يقيم منطقة توتر بين إمكانين: إمكان النظر إلى التشكيل الجمالي بوصفه فعلاً إبداعيًا يمنح الأشياء حياة جديدة، وإمكان قراءته بوصفه انتقالًا تصبح فيه قيمة الإنسان مرتبطة بالصورة التي تُنتج له وتُقدَّم عنه في السوق الاجتماعي-الرمزي. وهذه المنطقة الملتبسة هي التي تمنح القصة كثافتها الدلالية، لأنها تجعل القارئ أمام سؤال الهوية لا أمام إجابة جاهزة. كما تكشف القصة عن إعادة توزيع لسلطة النظر والفعل؛ فالمرأة لا تظهر بوصفها موضوعًا للجمال المعروض، بل بوصفها صانعة للصورة ومهندسة لتحولها، في حين ينتقل الرجل من موقع الفاعل التقليدي إلى موقع الجسد الذي يُعاد تشكيله وتقديمه. إلا أن هذا الانقلاب لا يُقرأ باعتباره مجرد تبديل للأدوار، بل باعتباره مساءلة سوسيو-سيكولوجية لمفهوم السلطة ذاتها حين تنتقل من السيطرة المباشرة إلى القدرة على إنتاج الصورة ومنحها المعنى الاجتماعي. ومن ثم، فإن "وشم من القبلات” تتجاوز في عمقها حكاية عن التزيين أو الموضة، لتصبح تأملًا مكثفًا في العلاقة بين الإنسان وصورته، وبين ما يكونه في ذاته وما يُصنع له من تمثيلات اجتماعية. فالجسد في القصة لا يفقد إنسانيته تمامًا حين يتحول إلى علامة، ولا يحتفظ بها كاملة بمعزل عن العلامات التي تحيط به؛ وإنما يعيش داخل هذا التوتر المستمر بين الوجود والتصوير، وبين الذات والصورة. وهنا تكمن قيمة النص: في قدرته على تحويل مشهد بسيط ومشحون بالحساسية الجمالية إلى سؤال مفتوح حول صناعة الهوية في عالم تتزايد فيه سلطة الصورة، وحيث لا يكفي أن يكون الإنسان حاضرًا، بل يصبح مطالبًا دائمًا بأن يُرى، وأن يُقرأ، وأن يمتلك العلامة التي تمنحه وجوده في عيون الآخرين. المراجع (1) سماح فراج قاسم. (2021). وشم من قبلات (مجموعة قصصية). القاهرة: العيئى المصريى العامة للكتاب. الهوامش (1) من المجموعة القصصية وشم من قبلات سماح فراج قاسم. (2021). وشم من قبلات (مجموعة قصصية). القاهرة: العيئى المصريى العامة للكتاب.ص 41 (2) هذه الدراسة النقدية تم تقديمها فى ندوة القراءات القصصية التى تم تنظيمها فى اطار أنشطة معرض مكتبة الاسكندرية الدولى للكتاب (الدورة 21) بتاريخ 13 يوليو 2026
#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من السلطة الخارجية إلى الرقابة الداخلية: قراءة سوسيو–سيكولوج
...
-
الأصداف وأفق البقاء .. قراءة سوسيوسيكولوجية في قصيدة “هي أصد
...
-
جماليات التحول وإعادة تشكيل الفاجعة فى القصة القصيرة جدًا- ق
...
-
التأرجح بوصفه بنيةً للذات والسرد في رواية “أن يتأرجح بك” لكا
...
-
من الامتلاء إلى التوازن الصفري: سيميائية الجرد الوجداني وتحو
...
-
المخاض وبنية المقاومة... قراءة سوسيو–سيكولوجية متعددة المداخ
...
-
«غواية ظل» لمحمد عطية محمود: مقاربة نفسية–سوسيوثقافية وجمالي
...
-
الذات والهامش العاطفي: تحول التفاهة من الإلغاء إلى المقاومة
...
-
بين الغربة وأزمة الاعتراف: الذات المأزومة في قصيدة -غريب- لع
...
-
الخسارة الأخيرة: مصادرة المستقبل وتحوّل الأمومة في قصة “خبزن
...
-
الماء والعدالة الأخلاقية: تشكّل الوعي الإنساني في قصة -بلال
...
-
من لذة الغياب إلى اغتراب الذات: البنية التحولية للشوق في “أُ
...
-
الأنا المتحولة: مرايا الذات وفتنة الحلم في قصيدة “أنا” للشاع
...
-
اللوحة والذاكرة الجريحة - قراءة سوسيو–سيكولوجية في قصة “لوحة
...
-
سعيد سالم: مشروع سردي جدير بإعادة الاكتشاف
-
الوهم بوصفه وطنًا بديلًا: سوسيولوجيا الانشطار وسيكولوجيا اله
...
-
”لا”.. ثمن الوعي: قراءة سوسيو-سيكولوجية في قصة ”لا” لنهال ال
...
-
بين البيادة والخراريف: تفكك الوعي الجمعي بين أثر العنف وآليا
...
-
عباس أو سيرة التلاشي: تفكيك الذات والهامش في متوالية “صنائع
...
-
عباس أو سيرة التلاشي: تفكيك الذات والهامش في متوالية “صنائع
...
المزيد.....
-
حين يصبح المهمش بطلا.. مهرجان الدار البيضاء يكشف وجها جديدا
...
-
تامر حسني يشكر كل من عزّاه بوفاة والده وأشاد بألبومه الجديد
...
-
RT Arabic تطلق برنامجا تدريبيا لطلاب اللغة العربية في روسيا
...
-
وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بعمل وزير الثقافة
...
-
مصر.. فرقة -كايروكي- تصدر ألبومها الجديد -سوبر نوفا-
-
ليبيا: انطلاق الدورة الثالثة عشرة لمهرجان موسيقى المالوف وال
...
-
إيليا موروميتس.. من فتى مقعد إلى أعظم فرسان روسيا
-
نجوم الفن والإعلام يتنافسون في سباق مونت كارلو الشراعي بموسك
...
-
المخرج السوري الليث حجو يرد على أزمة الآلات الموسيقية بـ-بقع
...
-
مهرجان -نافذة على أوروبا- يفتتح دورته الـ34 في فيبورغ بعشرة
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|