أحمد حمدي سبح
كاتب ومستشار في العلاقات الدولية واستراتيجيات التنمية المجتمعية .
(Ahmad Hamdy Sabbah)
الحوار المتمدن-العدد: 8787 - 2026 / 8 / 4 - 14:01
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
يقف الفكر المعاصر أمام منهجيتين حاسمتين في تعامله مع النصوص والتراث : «الهرمونوتيقا» (Hermeneutics) و «الآركيولوجيا المعرفية» (Archaeology of Knowledge) ، ورغم تقاطعهما الظاهري في أدوات التشريح والتنقيب التاريخي، إلا أنهما ينفصلان في الموقف الفلسفي من كل من .. المعنى والمقصد ، وإن اتفقتا في آلية التنقيب والبحث .
حيث تتأسس الهرمونوتيقا .. على البحث عن (روح النص) ومقاصده الكلية ، مستعينة بالظروف التاريخية لتبرير قراءة تأويلية جديدة تجعل النص حياً ومواكباً لزمانه .
وفي المقابل ..
تُعنى الآركيولوجيا المعرفية .. بالحفر في طبقات التاريخ لتثبيت النص في إطاره التاريخي وبنيته السلطوية المعرفية ، لتفكيك كيفية تشكّله أولاً ، ثم إفساح المجال لبناء قيم وحلول راهنة بعقل مستقل وضمير حي دون تحميل النص القديم ما لا يحتمل .
فكلا المنهجين يضعان غاية محددة وعي تحقيق الحرية والعدالة والسلام (الأمني والمجتمعي) بعقل واعٍ وضمير حي ، ولكن …
النص تنطلق منه روح جديدة عند الهيرمونوتيقا ، لتحقيق ذات روح النص
والنص يُعزل ويوقَف بذاته في تاريخه عند الأركيولوجيا ، لانتاج نص جديد مختلف في حرفه ولكنه متفق في غايته.
يعني أن الهرمونتيقا تستنطق النص بروح العصر وتتجاوز مثالب التطبيق الحرفي للنصوص القديمة أو مآلات فهمها وتأويلها الماضوية .
أما الأركيولوجيا المعرفية تضعه في المتحف ، ولكنها تكتب تحت عارضته النص الجديد المستحدث المحقق لذات الغرض في الحرية والعدالة والسلام .
الهرمونوتيقا … تخبرك أن جرة الفخار المستكشفة تصلح لتخزين الماء ولكن مع مراعاة تجديده وتنقيته بشكل كلي ، مع تغيير حاملي هذه الجرة الذين ثبت عجزهم وعدم أمانهم لضمان الصيانة الفعالة والتغيير .
الآركيولوجيا … تخبرك ان جرة الفخار المستكشفة لم تعد تصلح لتخزين الماء ، وانه حتى مع تجديده ستظل هناك شوائب عالقة لا تتحمل تصفيتها كُلى اليوم أو تعيق كُلى اليوم عن التطور ، فلابد من الفلاتر والثلاجة .
ولكن في كلتا الحالتين سيتحقق التطور المنهجي للعقلية الجامدة ويتفكك التكلس الحضاري للمجتمع ، فمثلاً لا حصراً …
الهرمونوتيقا … ستحقق المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة ومنع التعدد الزوجي للرجل ، لأن امرأة اليوم عاملة ومتعلمة وحتى الجاهلة منهن .. تجاوزت وعي حالبة الشاه ساكنة بيوت الطين وقماش الخيام ، في ظل بيئة تمكنها من بناء وحفظ واستثمار أموالها سواء بالعمل المكتبي الذي أصبح سائداً لا العضلي ، أو عبر وسائط البنوك وصناديق الاستثمار ، ولأن زمن الحروب والغزوات والأرامل الثكالى بلا معيل ولا قدرة على العمل
مما يحقق الحرية والعدالة والسلام بعقل واعٍ وضمير حي … وهذا هو لب روح النص حين نص ان الذكر مثل حظ الأنثيين ، أو الزواج مثنى وثلاث ورباع.
الآركيولوجيا … ستحقق المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة ومنع التعدد الزوجي للرجل ، لأنه نص تاريخي مرتبط بالكلية بظروف زمانه ، فلا حاجة لاستنطاقه أو تأويله لحدود زماننا ، بل استنطاق الواقع المغاير ، طالما كان الهدف هو تحقيق الحرية والعدل والسلام ، طالما كانت الوسيلة هي العقل الواعي والضمير الحي .
غير أن الإشكال الحضاري الأكبر لا يكمن في المفاضلة بين المنهجين ، بل في غيابهما معاً والقعود عن ممارستهما ؛ أو ممارستهما بشكل احتيالي ادعائي للدوران في ذات الفلك الذي يوصلنا إما فوراً للقعود في مؤخرة القطار الحضاري بدلاً من الانتظار في المحطة لقطار لا يأتي ، حتى نعود وننزل مع الوقت في ذات المحطة ، مثل لا حصراً .. النموذج التجديدي للطاهر بن عاشور .
الأمر الذي أدّى إلى حالة من الجمود العقلي والتكلس المعرفي ، والهزائم الحضارية الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والعسكرية على كافة الأصعدة .
وصولاً للهزائم العقلية والمعرفية اللاتي أوقدوا مجتمعين حالة مستدامة من الانحطاط الأخلاقي والفكري والقيمي بل والذهني في مقابل اعلاء لحد الاستعلاء بمنظومة شكلية من إلتزام الطقوس والشعائر دون ممارسة جوهرها ومضمونها ، وابتراز مجموعة من المظاهر الشكلية المظهرية لتعويض هذا العجز الفكري والتدني الأخلاقي والتبرير النكوصي عن مواكبة الحضارة ومعاداة الجمال في نفوس مريضة مخاصمة له .
مما أفضى لبروز نمط " المواطن المخزومي - متخلف ، متزمت ، شهواتي ، همجي - " ، حيث شاع نموذج الشخصية الغبية المتخلفة المؤطَّرة بالتزمت المظهري ، والتي تجمع بين التخلف الفكري ، والتعصب الفكري ، والانغلاق الشهواني المُكبت للجمال أو بمعنى أصح الخائف منه ، والهمجية المسكوت عنها ، مما يعكس انفصالاً تاماً بين الطقس والجوهر ، ومحولاً الدين لأسباب القبح والتعايش مع الظلام ومنتجاً له ، مع تقديس وإرواء هذا الظلام ومعاداة الحضارة بحجج الغيرة والدفاع عن الدين ، والحقيقة أن الله والدين مما يفعلون براء .
بل أضحت معها هذه اللاممارسة الحضارية ضماناً لمزيد من النزول في درجات الجحيم الدنيوي والآخري لأنها كانت تشويهاً متعمداً حتى ولو كان لا شعورياً !! للدين أمام الله وأمام الأمم .
إن رفض القراءة التأويلية المرنة (الهرمونوتيقا) والامتناع عن الحفر التاريخي التفكيكي (الآركيولوجيا) يوقع المجتمعات في فخ " التقديس البشري للظاهر" ، هذا الجمود لم يكن فقط مجرد عجز فكري أكاديمي ، بل إن المأساة الكبرى لهذا العجز الفكري تكمن في وقوع قطيعة حقيقية مع روح الدين وقيمه وحقائقه الكبرى ، لصالح اختراع وإعلاء شكليات الطقوس والشعائر ، وتغييتها أي تحويل الطقوس والشعائر بل والنصوص نفسها لغايات في حد ذاتها ، وما هي في الأصل إلا محض (( وسائل )) لفلاح الإنسان في الدنيا والآخرة .
وبدلاً من أن تكون الشعائر وسيلة للارتقاء الإنساني والتسامي الروحي ، تحولت في ظل الجمود إلى غاية قائمة بذاتها تُستغل للتغطية على الفساد الأخلاقي والانتكاس الحضاري ، وبذلك يتحول ممارسو هذا التزييف - من حيث لا يشعرون - إلى رسل تشويه للدين وإساءة لوجهه أمام العالم ، ليصبح هذا المسلك شكلاً من أشكال الانحراف الذي يورد صاحبه موارد التردي الأخلاقي والروحي ، وهو ما حدث فعلياً وبلا أدنى شك أو مواربة حتى الأعمى يستطيع أن يصف ويرسم على عتمته بألوان الرمادي والكحلي والأسود تفاصيل هذا المشهد البائس .
المسار التطوري: الهرمونوتيقا كجسر محتم نحو الآركيولوجيا :
أمام هذا الواقع .. يتجلى مسار التطور الفكري والمجتمعي كحتمية تاريخية لا مفر منها ؛ فالمجتمعات في غالبيتها (خاصة لو كانت متأصلة منذ قرون في المخزومية ووصلت لحالة متأخرة منها) لا تستطيع الانتقال مباشرة إلى الآركيولوجيا ( القطيعة النصية الصريحة ) ؛ لأن الضمير الجمعي يحتاج دائماً إلى مرجعية يرتكز عليها .
وهنا يأتي الدور التاريخي لـ الهرمونوتيقا كـممتص صدمات ومرحلة انتقالية تمهيدية أو كجسر عبور فوق مياه الركود والمخزومية وحراسها :
لتمكّن المجتمع من استيعاب المفاهيم التقدمية الحديثة ( كالحرية، والعدالة، وحقوق الإنسان ، والمساواة ، ونبذ القبول الاستسلامي المهين للطبقية البغيضة أو التقديسية الدنيئة لأصحاب السلطة والمال .. والمُدنية لعبيدهم ، وبناء الديموقراطية الحقيقية … إلخ إلخ من مظاهر المخزومية ) تحت مظلة التأويل وإحياء روح النص ، وفهم مقاصده الكلية .
وتمنح المجتمع الشرعية الأخلاقية للتطور دون صدمة حضارية مفاجئة ، أو شعور موهوم خائب بتأنيب الضمير لا يُرضي الله تعالى ، ويغذيه حراس المخزومية ومؤسساتها الذين سيدافعون عن وجودهم وحساباتهم البنكية ومصالحهم في السطوة على عقول الناس وتقبيل أياديهم .. آناء ليالي التخلف وأطراف ظلام النهار .
ومع استمرار التطور وتعاظم ضغوط الحياة واتساع الفجوة بين ظاهر النصوص القديمة ومعطيات العصر التكنولوجية والمعرفية ، يدرك العقل الجمعي والمؤسسات أن الاستمرار في الإجهاد التأويلي المفرط أصبح يعطل الحركة .
عند هذه اللحظة ، ينتقل المجتمع تلقائياً إلى ممارسة الآركيولوجيا المعرفية ؛ حيث يُحفظ النص في مكانه التاريخي والروحي المحترم ، بينما تُصاغ القوانين والسياسات والأفكار وفق المصلحة العقلانية المباشرة وضمير العصر الراهن .
ا
ليستا الهرمونوتيقا والآركيولوجيا مجرد ترف فلسفي ، بل هما أداتان لتعديل مسار العقل المريد للحضارة والقرب الفعلي من الله تعالى ؛ فالهرمونوتيقا هي البوابة الآمنة والمرحلة التمهيدية التي تُعدّ المجتمع للاستقلال الفكري ، حتى يصل تدريجياً وبضغط الواقع إلى النضج الآركيولوجي الذي يحرر الحاضر لصناعة المستقبل .
#أحمد_حمدي_سبح (هاشتاغ)
Ahmad_Hamdy_Sabbah#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟