أحمد حمدي سبح
كاتب ومستشار في العلاقات الدولية واستراتيجيات التنمية المجتمعية .
(Ahmad Hamdy Sabbah)
الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 22:13
المحور:
الصناعة والزراعة
لطالما ارتبط مفهوم ( رفاهية العيش ) والمنتجات الفاخرة في الأذهان بالقدرة المالية للطبقات الأكثر ثراءً ، بينما استسلمت الأسواق لمعادلة مجحفة مفادها أن السعر الاقتصادي الموجه للطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل يجب أن يصحبه بالضرورة تدني في الجودة ، وقِصر في العمر الافتراضي للمنتج .
غير أن القراءة العميقة لاقتصاديات التصنيع الحديث وتكنولوجيا هندسة المواد تثبت العكس تماماً ؛ فرفع مستوى معيشة الشعوب لا يتأتى فقط بزيادة الأجور والمرتبات بشكل يتلاءم مع حجم أرباح كل مؤسسة وشركة بالإضافة إلى نسبة تتراوح من 10-20% موزعة من الأرباح سنوياً وفقاً لمستوى التصنيف الحجمي للمؤسسة أو الشركة .
بل تمتد العدالة الاجتماعية الواجبة في تطوير المواصفات القياسية للتصنيع للسلع والمنتجات التي تخاطب المستهلك النهائي ، وإلزام خطوط الإنتاج الكثيفة بمعايير تضمن تقديم جودة النخبة بأسعار في متناول الجميع.
مع صَون موارد الكوكب البيئية في إطار التحول للاقتصاد الأخضر والحفاظ على البيئة التي يدفع الجميع ثمن تلوثها وتدهورها وكالعادة يقع العبء الأكبر من الخطر والدمار على الفقراء الساكنين بجوار المستنقعات وبرك المياه الملوثة وأنهار الصرف الصناعي ودافعي ثمن التصحر والتلوث من صحتهم وجيوبهم .
وكذلك فإن التحول من عشوائية الورش التقليدية إلى المصانع العملاقة المحكومة بمواصفات ذهبية هو السبيل الوحيد لدمقرطة الرفاهية ، ولعل قطاعي الملابس الجاهزة وصناعة الأثاث يمثلان النموذج الأبرز وليس الوحيد لتطبيق هذه الرؤية التنموية الشاملة ، وهما قطاعين يمسان كل البشر باختلاف مستوياتهم وفي نفس الوقت بالكاد لا تخلو دولة فقيرة أو غنية من صناعاتهما .
ففي عالم الأزياء والمنسوجات ... يعاني المستهلك المتوسط من طغيان الألياف البلاستيكية الرديئة التي تفتقر للمظهر الراقي وتضر بالصحة العامة ، في حين تحتكر الماركات العالمية الجشعة أو حتى المحلية الاستغلالية الخامات الطبيعية الفاخرة ، والحل هنا ليس مستحيلاً .. بل يَكمن في فرض معادلات خلط ذكية وصارمة تشترطها الدولة في مواصفاتها القياسية على جميع المصانع والمحلات لتوائم بين فخامة المظهر واقتصادية التكلفة ،
مع تطبيق صارم لنظام تحديد هوامش الربحية على كل من المصنع والمنتج ، بما يحقق في النهاية خفض الأسعار ورفع الجودة بعيداً عن االصوصية والاستغلال اللذان يطبعان أغلب كلٍّ من العقليات الصناعية والتجارية .
على أن تكون المواصفات وفقاً للجدول والتصنيف التالي كحد أدنى مع إضافة نسبة مناسبة من خيوط الليكرا وفقاً للاستخدام :
وذلك وفقاً للجدول والتصنيف التالي كحد أدنى مع إضافة نسبة مناسبة من خيوط الليكرا وفقاً للاستخدام :
1- الملابس القطنية: تُصاغ المواصفة لتفرض خلطاً بنسبة 60% من القطن متوسط التيلة ، مع 40% من القطن طويل التيلة ، لينتج عن هذا المزيج نسيج ناعم متين ، وذو بريق مخملي ينافس أرقى القطنيات العالمية وبأسعار مناسبة ، وكثير جداً من ماكينات المصانع الحالية مجهزة لذلك أو بتعديلات فنية بسيطة أو باستثمارات جديدة تكون مدعمة بقروض من الحكومة .
2- الملابس الصوفية : تُلزم المواصفة بنسبة 60% من الأكريليك المعالج مع 40% من الصوف الخالص ؛ مما يمنح المستهلك دفء الشتاء ومظهر الصوف الفاخر دون عبء تكلفته الباهظة .
3- الأقمشة الحريرية: يُعاد صياغة المواصفة لتكون بنسبة 70% من البوليستر Microfiber عالي النقاء و30% من الحرير الطبيعي ، وهي توليفة تكنولوجية تمنح القماش انسيابية الحرير الخلابة وسحر ملمسه ، مع صلابة ومقاومة البوليستر للتجعد وبدون تحرر ( توليد وكتم الحراريدة والرطوبة breathable نتيجة لتكنولوجيا المايكروفايبر ) .
4- أقمشة الكتان : يتم دمجها بنسبة 55% من الكتان الطبيعي و45% من الفيسكوز (المنتج من ألياف الأشجار) ، للتخلص من خشونة الكتان التقليدي وسرعة تكسره ، والحصول على قطعة ملابس صيفية وثيرية وراقية بسعر عادل متاح .
وإذا كانت ثورة ملابس المجتمعات المتحضرة العادلة تعتمد على كيمياء الخلط ، فإن ثورة ذات المجتمعات في مجال الأثاث والتجاليد تعتمد على معجزة بيئية وصناعية تنطلق من الصحاري المصرية .
إن قطع أشجار الزان الأحمر والبلّوط والماهوجني في دول أوروبا وأفريقيا وأي مكان في العالم ، يمثل جريمة بيئية عالمية تدمر الغطاء النباتي وتسرع وتيرة التصحر ، وتزيد معدلات التلوث وتدمر الحياة الطبيعية للكائنات الحية بما فيهم البشر ، وكما قلنا ويقول الواقع البائس ... انهم البشر الفقراء بالذات هم مَن يدغدفعون أغلب الثمن ليسعد ويتمتع الأغنياء كالعادة .
ولذلك تبرز نبتة ( البامبو العملاقة - تصف ضمن الأعشاب - ) كبديل ثوري ؛ عشب خارق ينمو بمعدلات قياسية ، ويمكن زراعته في ظهيرنا الصحراوي واعتماد ريه بالكامل على مياه الصرف الصحي المعالجة، هذه الخطوة الزراعية الجريئة تضرب عصفورين بحجر واحد ؛ تقف حائط صد أمام التصحر وتستغل المياه المهدرة وتنقي المياه الملوثة من الصرف الزراعي ، وتوفر في الوقت ذاته مادة خاماً محلية تنهي زمن الاستيراد بالعملة الصعبة .
لتتحول هذه الأعشاب العملاقة في المصانع الكبرى إلى بدائل تفوق الخشب الطبيعي صلابة وجمالاً من خلال طحن تلك الألياف وكبسها تكنولوجياً لإنتاج ألواح الـ MDF الفاخرة التي تُشكل عصب صناعة الأثاث الحديث بعد تطويعها في ماكينات الكمبيوتر الرقمية CNC ، مما يغني تماماً عن استخدام خشب الزان الأحمر ويوفر أكثر من نصف التكلفة ، مع متانة واستقامة هندسية تمنع الأثاث من الالتواء أو التأثر بالرطوبة ، وبما في ذلك تصنيع الأرجل والمنحنيات والأويمة .
وكذلك على الجانب الآخر من التطور ، يبرز دمج بودرة البامبو مع مادة ال
PVC ( Polyvinyl Chloride)
لإنتاج ألواح
BPC (Bamboo Plastic Composite )
أو ( البامبو البلاستيكي الهجين ) ، وهي الخامة المعجزة التي ستحل محل ألواح الـ HDF التقليدية للأرضيات الداخلية وألواح الـ WPC للتجاليد الخارجية ، لتمنح العين دفء الخشب وتعاريقه الفخمة ، وتمنح المكان مقاومة مطلقة للمياه بنسبة 100% فلا تتدهور في الأرضيات ولا تتأثر بحرارة الشمس طالما تم العناية بها بشكل بسيط .
إن تطبيق هذه المواصفات القياسية الصارمة ، والاعتماد على البامبو .. BMDF´-or-BPC ، سيقود حتماً إلى تغيير وجه الاقتصاد القومي والأهم رضا المواطن . لقد تجاوز الزمن عصر الورش التقليدية المتناثرة ؛ تلك الورش التي تعتمد على طرق بدائية لا تفي بمتطلبات العصر البصرية ، وتكافح للبقاء في ظل قفزات أسعار الخشب الطبيعي ، فضلاً عن كون الكثير منها يسبح في فلك الاقتصاد غير الرسمي المتهرب من الضرائب والالتزامات القياسية وهدر طاقات وكرامة العمال والموظفين واستغلالهم بلا حقوق مادية تتناسب مع الأرباح التي يساهمون فيها لجيب أصحاب الورش والمصانع وبلا حماية صحية أو تأمينية حقيقية مجزية.
إن التحول نحو الصناعات الكثيفة وخطوط الإنتاج العملاقة ذات الإنتاج الضخم والمبرمج هو التوجه العالمي الذي فرض نفسه تاريخياً في أوروبا وإسبانيا وإيطاليا لصالح خطوط الإنتاج الكبرى ، وبناء هذه المصانع في مصر يحقق منظومة اقتصادية وطنية مستقرة توفر فرص عمل حقيقية تستوعب الآلاف من العمال والفنيين في بيئة عمل آمنة ومنظمة .
بدلاً من بيئة الورش الخطرة ، وتضمن عدالة ضريبية عبر تأسيس كيانات واضحة تدعم موازنة الدولة وتُعاد في صورة خدمات للمواطنين ، فضلاً عن القدرة على فتح أسواق التصدير وجلب العملة الصعبة بمنتجات ذات مواصفات موحدة ، وجودة فائقة، وأسعار منافسة عالمياً ، مع تقليل الواردات من الخامات والمصنعات .
إن رفع مستوى معيشة الشعب ليس هبة تمنح ، بل هو هندسة للمستقبل ، عندما تتدخل الدولة لرفع المعايير القياسية للمنتجات كالملابس ، وتستثمر في زراعة غابات البامبو الصحراوية ، وتدعم الصناعات الكثيفة .. فإنها تخلق مجتمعاً يرتدي فيه المواطن المتوسط أقمشة تضاهي الحرير والصوف الطبيعي ، ويؤثث بيته بشكل يرضيه ويُسعده ، دون أن يثقل كاهله المالي ، أو ضميره البيئي ، ودون أن تقطع شجرة واحدة من رئة الأرض لأجل إرضاء أغنياء أو كفالة الكفاف للبقية .
إنها معادلة الكرامة والاستدامة ، حيث تلتقي العدالة الاجتماعية بالعبقرية الصناعية ... إن وَجدت عقلية حكومية راقية وبضمير يأبى النوم في العسل .
#أحمد_حمدي_سبح (هاشتاغ)
Ahmad_Hamdy_Sabbah#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟