أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - اشهر ابيات امريء القيس وهو يحتضر ج٢














المزيد.....

اشهر ابيات امريء القيس وهو يحتضر ج٢


كاظم حسن سعيد
اديب وصحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 22:12
المحور: الادب والفن
    


تتجلّى عبقرية الشاعر في اختيار تركيب (مِنْ بَعْدِ أَرْضِهِ)؛ حيث يتردد اللفظ ظاهرياً بين دلالة الزمان (عَقِبَ رحيله) ودلالة المكان (الأرض البَعْدَة النائية). غيرَ أنَّ الترجيح اللغوي والنقدي يميل إلى دلالة (الأرض الشاسعة النائية)؛ لاقتران اللفظ بـ «مِنْ» الابتداءية المضافة لمكان صريح («أَرْضِهِ»)، وهو ما يُعيّن المعنى لابتداء الغاية المكانية.

​ومما يُؤكّد هذا الترجيح ما نصّ عليه ابن منظور في لسان العرب والأزهري في تهذيب اللغة من أنَّ «البَعْدَة» و«البَعْد» تُطلق في كلام العرب على «الأرض المجهولة البعيدة الشقّة»، حتى قيل: «خرج القومُ في البَعْدِ» أي في الأرض النائية، و*«أرضٌ بَعْدَةٌ»* أي قفرٌ شاسعة. وبذلك يكون الشاعر قد أطلق الصفة وأراد الموصوف (الأرض البعيدة في عمقها ومداها). وهذا التوجيه يُثبت أن غريم امرئ القيس لم يمنعه بُعْدُ الشُّقّة ولا القفار الشاسعة عن ملاحقته، ليكون الحقد عابراً للمسافات والحدود.

​ سيمياء الصوت: زفير الحاء وتجليات الحقد في (طَمَحَ الطَّمَّاحُ)

​لم تكن مفردة (طَمَحَ الطَّمَّاحُ) مجرد اختيار لغوي، بل هي بنية صوتية تتنفس الألم؛ إذ ينحبس الهواء عند الطاء المستعلية ليفرغ في زفير الحاء الحلقية الرخوة. إن تكرار الحاء هنا يحاكي الصوت الفيزيولوجي لحشرجة الاحتضار وانسداد حنجرة الشاعر بالسم، وفي الوقت ذاته يُجسّد صدى الحقد المتردد بين أرجاء «الأرض البعيدة» التي قطعها الخصم ليصل داؤه إلى بدن الشاعر.

​وفي هذا البيت تحديدًا، توقّف اللغويون والبلاغيون طويلاً عند مفردة (تَلَبَّسَا)؛ إذ تحوّلت في المدونة النقدية القديمة إلى مساحة استقطاب وتحليل مكثف، أثبتت كيف تستطيع المفردة – بقدرتها البلاغية، وقوة استعارتها ومجازها، وبما تحمله من ظلالٍ تحفّز الذاكرة وتتكئ على ثقلٍ تاريخي – أن تخلق فضاءً من التخيل الساحر للمتلقي، متجاوزةً الإخبار السطحي إلى التجسيد النفسي والوجودي للمأساة.
فالشريف الرضي رأى أن امرأ القيس قد مارس عملية "تجسيم المعنويات" وابن رشيق قرر أن البيت يمثل ذروة "المشاكلة والمطابقة النفسية" .
​وعن التفسير اللغوي للبيت:

ركّز شرّاح الديوان (كالأعلم الشنتمري وابن الأنباري) على أن معنى «تلبّس»: المخالطة على وجه اللصوق والشمول، كما يخالط الثوب الجسد. وتتجلى قوة التعبير في المشاكلة والمجانسة الاشتقاقية بين الفعلين («لِيُلبِسَني» و«تَلَبَّسَا»)؛ فالأول لإلباس الثوب والسم، والثاني لتلبّس الطمّاح بالشر والغدر، فجاء البيت متماسكاً كأنه وحدة عضوية واحدة.

​وفي النقد المعاصر: رأى نقادٌ مثل د. إحسان عباس ود. طه حسين أن الصورة تعكس «لحظة الوعي التراجيدي» لدى الشاعر؛ إذ شعر امرؤ القيس في ساعاته الأخيرة وهو يتآكل بالسم أن خصمه (الطمّاح) قد حقق انتصاراً نكداً؛ إذ لم يقتله بالسيف في ميدان شريف، بل «أعداه بدائه».

​أما الأصمعي: فقد رأى أن قيمة البيت تُمثّل قمة الفصاحة الجاهلية؛ لأن امرأ القيس لم يقل «ليُلبسني من دائه ما أصابه» بل قال «ما تلبَّسا». وفي هذا إشارة لغوية ثاقبة إلى أن الداء لم يكن عارضاً على الطمّاح، بل كان مُشتَمِلاً عليه اشتمال الثوب على البدن، فتشرّب الغدر حتى فاض به وأعدى غيره.

​أما في مجال النقد السيكولوجي للأبيات، فقد اعتمد الناقدان محمد النويهي ومصطفى ناصف نظرية «التجسيد النفسي الجسدي وانقسام الذات» المقتبسة من علم التحليل النفسي لـ (فرويد) ومطوريه؛ لتطبيقها عملياً على الأبيات، ويمكن تلخيص الطرح النفسي :

​امتداد الحقد عبر الجغرافيا: تجسيد «خوف الافتراس النفسي»؛ حيث لم ينجُ الشاعر ببُعد المكان من ملاحقة حقد الخصم وتسلّطه على وعيه.

​العدوى النفسية المادية: تحول داء الخصم من معنى مجرد إلى «رداء ملوث» يخالط جسد الشاعر، ليتلاشى الفاصل بين شر الغريم وبدن الضحية.

​تفتت الذات: ذروة المأساة في الشعور بموت متجزئ تنخلع فيه النفس قطعةً قطعة بدلاً من الموت دفعة واحدة تحت وطأة صدمة الغدر.
ظهر لدينا جيل من القراء والكتاب انسلخوا عن تاريخهم وهجروا جهود العلماء العرب القدامى والمعاصرين , وادعى بعضهم انهم بلا اساتذة وكأن الحقائق تكتشف بمعجزة سحرية لا عبر تراكم معرفي.
في ابيات امريء القيس تتجلى ظاهرتا الحقد والثأر البدوي وتقبل الانسان مصيره بفروسية وكبرياء .

تحول الرؤية: من انكسار الذات إلى صلابة الإرادة الوجودية

​وتكتمل اللوحة التراجيدية في تجربة الشاعر حين ينتقل من تجسيد ألم الغدر إلى مواجهة المصير، كما في قوله:

​بَكَى صَاحِبِي لَمَّا رَأَى الدَّرْبَ دُونَنَا ... وَأَيْقَنَ أَنَّا لاَحِقَانِ بِقَيْصَرَا

فَقُلْتُ لَهُ لاَ تَبْكِ عَيْنُكَ إِنَّمَا ... نُحَاوِلُ مُلْكاً أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرَا

​ففي الوقت الذي يُجسّد فيه بكاءُ الصاحب الانكسارَ النفسي أمام بُعد الشُّقّة وهيبة المجهول، يُقدّم امرؤ القيس الموقف الوجودي للبطل التراجيدي؛ إذ يُحيل الموت المحتوم من فناءٍ عبثي بالغدر إلى غايةٍ شريفة تُكسبه «العُذر». لقد اختصرت «إنّما» الحصريةُ فلسفةَ المواجهة لديه: فإما استعادة الملك المُستَلَب، وإما الموت في سبيل الطلب، لتتحول المحاولة في حد ذاتها إلى انتصار معنوي يُسقط الملامة ويمنح المأساة شرفها الخالد.



#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أشهَرُ أَبيَاتِ امْرِئِ القَيْسِ وَهُوَ يَحْتَضِرُ ج١
- مجهر سيكولوجي على قصيدة بم التعلل للمتنبي ج٢
- مجهر سيكولوجي على قصيدة بم التعلل للمتنبي.. موقفه من العشق ( ...
- مجلة بصرياثا تستأنف اصدارها بعد توقف قسري
- على حافة الغرق: بين مهاجري سبتة وموجات اللجوء العراقي
- اضاءة على الحي العشوائي
- تبرعات ب 58 مليون ين لقرد ياباني أصبح نجماً عالمياً
- بعد تناسٍ طويل.. رواية -لم أعد إنساناً- للياباني أوسامو دازا ...
- الإخفاق الفني في إزميل الجواهري
- سيكولوجية العزلة في رواية «المدمن» لليابانية أساكو
- رحيل الكاتبة والفنانة ساترابي: سادنة الذاكرة البصرية والشهاد ...
- عامل التوصيل وانغ ينال أرفع جائزة صينية
- رواية يوميات تايوان تحصد بوكر الدولية
- مراد بطرس: الهندسة الجمالية للحرف العربي وشاشة -العربية
- محاولة تقطير شعر المتنبي
- لوحة الرسالة في مسابقة صف الصورة
- الشيخ المدرسي يقذف ثورة تشرين.. المنبر الحسيني من ترسيخ القي ...
- إضاءة سيكولوجية على المجتمعات الأمريكية والبريطانية والفرنسي ...
- خلل في الشبكة
- سينمائية التشكيل في لوحة -صراط العراقيين- للفنان سلام جبار


المزيد.....




- مصر.. إلغاء العرض الخاص لفيلم -الجواهرجي- بعد وفاة شقيق محمد ...
- فيلم -الأوديسة- ينعش سياحة صقلية بنصف مليار دولار
- -فخٌّ أطاح بالشاه ويهدد ترمب-.. هكذا جددت الحرب الأمريكية ال ...
- فيلم -سبايدر مان- الجديد يحقق إيرادات 927 مليون دولار عالميً ...
- نوع من الحبوب يحسن التمثيل الغذائي ويحارب تراكم الدهون في ال ...
- في قلب جبال سوتشي.. -روزا خوتور- يعرّف السياح العرب على ثقاف ...
- فنانة تركية تقطع وعدا على نفسها في حال نجاح طرابزون سبور في ...
- حين أصبح رسم تحضيري أغلى من تحفة فنية.. قصة عمل إيفانوف النا ...
- الفنان الروسي فانيا دميتريينكو يدخل التاريخ بحفل استثنائي في ...
- متحف بوشكين يستعد لافتتاح معرض -عربة الماس: الفن البوذي الرو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - اشهر ابيات امريء القيس وهو يحتضر ج٢