|
|
طرقات على الجلد الميت
الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي
الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 19:03
المحور:
الادب والفن
تنام القيسارية القديمة على جانب العتيق من المدينة، كعجوز تتوسد تاريخها المنسي. تتداخل أزقتها الضيقة الملتوية كخيوط صمغية قديمة، تفوح من جنباتها روائح التوابل العتيقة، والجلد المدبوغ، وعطر النعناع البري الفواح مع كل مغيب. هناك، حيث تلتصق الجدران الطينية ببعضها كأنها تتبادل أسرار السنين، كان الجميع يعيشون على إيقاع واحد يشبه نبض القلب المنتظم، يتبادلون التحايا الدافئة على عتبات الدكاكين المتهالكة، ويتقاسمون كسرة الخبز وهموم العيش بيقين هادئ لا تهزه الريح. ومع إشراقة كل مساء، وقبل أن تلملم شمس الأصيل أذيالها، كان الحرفيون والباعة والجيران يتجمعون في حلقة حميمة حول صينية شاي مزخرفة، ترتفع منها أبخرة النعناع المنعش لتغسل أتعاب نهار طويل من الكد. يرتشفون كؤوس الشاي ببطء، مستردين في جلساتهم ذكريات مدينة كانت في الأمس البعيد واحة للسكينة والهدوء، لا تشق سكونها سوى خطوات خفيفة ودعوات صادقة. لكن الوئام العتيق لم يدم طويلا، فشيئا فشيئا بدأت رياح التغيير العاصفة تزحف نحو الأسوار، ليتحول الهدوء الأبدي إلى طوفان من الضجيج الأعمى والفوضى المستعرة التي باتت تحاصر المكان وأهله، وتنذر بانهيار العالم بأسره على رؤوس ساكنيه. يقترب عمي حدو الكردان من عتبة العقد السابع بخطوات تحتفظ بنبض الحيوية، ووجه لا يستسلم للذبول. على ظهره المتعب، ترتكز حقيبة جلدية متربة يفوح منها عطر الزمن الماضي ورائحة الصمغ والجلد المدبوغ، وتضم عتاده الوحيد: مطرقته وسندانه ومقص وعلبة غراء ومسامير وقطع من الجلد مختلف الألوان وبكرة خيط قوي، وبدونهم، تظل الأقدام الحافية مائلة للكسر بلا هوادة. يأخذ طريقه إلى زاوية القيسارية القديمة، فيفرد بساطه على التراب بصمت، ليجلس على دكانه الواطئ مستلا حذاء أضناه المسير، حين قام بترقيع حذاء مطاطي بقطعة جلد سوداء لتبدو وكأنها شامة أنيقة على وجه الزمن، ورص دزينة من المسامير في فمه ليحيا ما افترق من أثر الخطوات. ومن مواقفه التي لا تنسى في ذروة حرفته، ذلك اليوم الأغر حين قام بإصلاح كسر كعب عالي لسيدة عابرة بدت وكأن الأرض لا تسع غرورها، فرممه لها بمهارة وابتسامة خبيثة جعلتها تغادر ،تتمايل بامتنان غريب. ولم يكن عمي حدو بارعا في إصلاح الأحذية فحسب، كان طبيب القلوب في السوق، فحين يجلس ليحكي قفشاته ونكاته الساخرة والقابضة للانتباه، يظل السامعون يضحكون حتى تدمع عيناهم، ناسين هموم المعيشة وثقل الأيام. تلك الأيام الجميلة و الطيبة ولت، فمنذ أن أعلنت دراجته الهوائية الصدئة عصيانها النهائي وعجز جيبه عن إصلاحها، انكمش عالمه الواسع. ومع اجتياح الأحذية المطاطية البلاستيكية الرخيصة للأسواق، تراجع دخله إلى قطرات شحيحة. وقبل أربعين سنة، كانت الحرفة تعيش أوجها حين كان الحرفيون يضجون بالحياة والدراهم الرنانة، قبل أن تهب عواصف التغيير مع عودة المهاجرين المحملين بالأحذية المستعملة رخيصة الثمن، ليجد الحرفيون أنفسهم يراقبون تقاليد أجيال كاملة تندثر. وصل العوز بعمي حدو إلى أقصى مداه، فصار يتردد على مقاهي السوق ومحلات الوجبات السريعة عله يظفر بلقمة تسد أمعاءه الخاوية، ويقابله أصحاب المحلات بحنو واحترام حفاظا على وقاره، فيما يمتزج الطعام بغصة رجل قضى عمره معتمدا على كد يمينه. تراكمت الديون حتى أثقلت كاهله، وبات شبح الطرد من المحل يلوح في الأفق، ليتهافت أحد التجار مساوما إياه على شراء خلو المحل لتحويله إلى مطعم عصري بمبلغ ضخم. لم تكن القيسارية القديمة مجرد مساحة متربة تفرش فيها البضائع، كانت كائنا حيا يتنفس، تعج بصراع يومي صامت على البقاء. كان عمي حدو رغم وقاره المحفور في تجاعيد وجهه يخوض معركة شرسة كل صباح ليحفظ شبرا واصلا بين دكانه الواطئ وممر المارة المكتظ. فحين تشرق شمس السوق، يبدأ الصراع الأبدي بين أصالة الحرفة وزحف البضائع البلاستيكية المستوردة التي غزت جنبات القيسارية كأسراب الجراد. كان التجار الجدد، ممن لا يملكون سوى لغة الربح السريع، ينظرون إلى دكانه المتهالك كعقبة عرقلة في وجه التطور البصري للمكان. يأتيه أحيانا "المقدم" أو مراقبو السوق بطلبات تعسفية لتقليص بساطه، متذعرين بتهيئة الممرات وعرقلة السير، فيقابلهم بابتسامة ساخرة يواري خلفها قهر السنين، مستلا مقصه ليقطع قطعة من الجلد كمن يقتطع من لحمه. وعلى دكانه الواطئ، كانت حكايات الزبناء تتناسل بلا توقف. لم يكن يقصد إسكافي القيسارية لإصلاح حذاء ممزق فحسب، للاحتماء من قسوة الأيام. يتذكر ذلك العاطل البسيط الذي يأتي كل جمعة بحذاء تآكل نعله من كثرة الركض خلف لقمة العيش، فيأخذ "عمي حدو" الحذاء، وينفخ فيه، ثم يرفض تقاضي أجره قائلا بلهجته الحنونة: • الأحذية التي تمشي نحو الشقاء لا تأخذ ضريبة مرور يا سيدي. وفي زاوية أخرى من السوق، كان الدلالون والعتالون يلتفون حول دكانه وقت الظهيرة، يفترشون علب الكارتون ، يتبادلون أطراف الحديث عن أسعار القمح المشتعلة، وقصص الهجرة السرية التي خطفت أبناء الجيران، وعن السوق الذي يضيق شيئا فشيئا على أهله الأصليين. يستمع عمي حدو بإنصات عميق، مسندا ذقنه إلى كفه الملطخة بالصمغ، كأنه يخيط جراح السوق بخيط متين، غير مدرك أن العاصفة التي ستقتلع مكانه نهائيا كانت توقد نيرانها بهدوء خلف ظهره. لم تكن شيخوخة عمي حدو وحدها التي تحفر الندوب في وجهه، كانت العواصف الاقتصادية العاتية تهب بلا رادع من أطراف المدينة المنسية. فقبل سنوات قليلة، بدأت أرصفة القيسارية وباحاتها الخلفية تمتلئ بأكوام غريبة من البضائع التي تقذفها شاحنات قادمة من الموانئ الشمالية، أحذية أوروبية مستعملة، بالية المظهر لكنها براقة اللمعان، رخيصة الثمن لدرجة مذهلة جعلت المتسوق البسيط يلتفت لها بلا تردد نحو الوهم الاستهلاكي الجديد. تدفق المهاجرون العائدون والمضاربون الجدد، وافترشوا جنبات السوق بصناديق مليئة بتلك الأزياء والأحذية المستهلكة، لتتحول تجارة "الصنادل البلاستيكية" و"الجلود الصناعية المهربة" والاحذية الرياضية إلى طوفان جارف يبتلع في طريقه دكاكين الحرفيين التقليدية. كان عمي حدو يقف كل صباح أمام دكانه القديم التي تفوح منه رائحة مواد البرنقة، يراقب بدموع خفية كيف انفض الزبائن عن سندانه، فالمواطن البسيط المنهك بلقمة عيشه لم يعد يملك رفاهية دفع ثمن إصلاح حذاء جلدي أصيل، بينما وجد في تلك السلع المستعملة رخيصة الثمن حلا مؤقتا لخطواته المنهكة. ومع الركود الطاحن، بدأت الأرقام تحاصر الشيخ من كل جانب. تراكمت عليه "السومة الكرائية" شهرا بعد شهر حتى صار صاحب المحل يطأطأ رأسه خجلا كلما مر به، ملوحا بإنذارات الإفراغ النهائية تحت ضغط التجار الجدد الذين يسعون لتحويل الممرات التاريخية إلى مخازن ومطاعم عصرية. أصبح شبح الطرد يطارد جفنيه في كل ليلة، فالمكان الذي قضى فيه عقودا من عمره حافظا أسرار الجلود وناقشا بملامحه تاريخ القيسارية، بات مهدا للخراب الوشيك، وكأن السوق بأسره يلفظ أصحابه الأصليين ليدشن عصرا بلا ذاكرة ولا قلوب.
بينما كان شبح الطرد يضغط على صدره، وتحديدا حين مد يده ليتلمس رقعة جلد بالية في كيسه الممزق، انبعثت رائحة الصمغ العتيقة لتوقظ في ذاكرته أصوات القيسارية القديمة التي لم تكن بالنسبة له مجرد مكان للرزق، مسرحا لحكايات تنبض بالحياة، ومتاهة جميلة تفيض بعطر التوابل وأنفاس البشر. وفي تلك الأجواء المفعمة بالحركة، استعاد ذكريات أيامه الخوالي حين كان عتاده يفيض بالحياة. كم تذكر من مواقف طبعت روحه؛ كذلك الصباح الذي هبط فيه طفل صغير يرتجف بردا، وقد مزقت الأمطار حذاءه المهترئ حتى كادت قدمه تلامس الطين، واقترب منه بدموع خجولة يسأله بصوت متهدج: • عمي حدو، هل تستطيع إصلاحه بسرعة لكي لا يفوتني درس اليوم...؟
هاجس المسؤولية الإنسانية دفع الشيخ آنذاك للعمل بمهارة خاطفة، فأنقذ حذاء الصبي وأعاد النور إلى عينيه ليتمكن من اللحاق بمدرسته، ملوحا له بابتسامة دافئة. لم تكن صلاته بالناس محصورة في حدود بيع الخدمة وإصلاح النعل، انما تجاوزتها إلى ود خالص ومواقف دافئة، لا سيما علاقاته الطريفة والمحترمة مع نساء السوق اللاتي كن يقصدن دكانه لإصلاح أحذيتهن أو لتبادل أطراف الحديث، ناظرات إليه كأخ وشاب محترم يفشين له بأسرار تعبهن اليومي، فيخفف عنهن ثقل الأيام بظرفه المعهود.
وفي خضم تلك الذكريات المضيئة، تجلت أمامه أثمن محطة في عمره، قصة الحب الأعمق مع سيدة كانت تتاجر في الخضراوات، جميلة وخفيفة الظل والروح. ما زال يتذكر ذلك اليوم جيدا، حين رمقها لأول مرة عندما هم بالدخول إلى السوق، وأحس أنه أحبها من أول نظرة. كانت تقف وسط خضرواتها الطازجة كبستان زهر وسط غبار المكان، تضحك لعموم المارة بملء فيها، وتوزع بهجتها مع كل حبة طماطم أو خيار. منذ تلك اللحظة، تغير إيقاع أيامه القديمة، فأصبح يترك دكانه الصغير لفترات قصيرة، ويلقي عليها نظرات خلسة محمولة بالشوق، يترصد الوقت الذي تلتفت فيه نحوه ليبادلها ابتسامة مرتبكة تشبه ابتسامات المراهقين. ومع مرور الأيام، تحولت تلك النظرات العابرة إلى أحاديث قصيرة على أطراف السوق، ثم إلى إعجاب متبادل أثمر عن جرأة لم يعتدها الإسكافي الهادئ. وفي صبيحة يوم ربيعي دافئ، اقترب من طاولتها العامرة بالخضار الطازجة، وبصوت خاشع يرتجف خلفه رصيد عقود من الكبرياء والعمل، صارحها بما يجيش في صدره من مشاعر صادقة. وحين صارحها بالموضوع، احمرت وجنتاها كتفاحات البساتين القريبة من السوق، لكنها لم ترفض، أطرقت بابتسامة خجولة، وطلبت منه الحديث مع والدتها صاحبة محل الأواني في السوق لتكون الخطوة في النور طبقا لأصول العرف والرجال. حمل الإسكافي قلبه على كفه وذهب إلى والدتها، فباركته العجوز الطيبة التي كانت تعرف أمانة "عمي حدو" وسمعته الطيبة بين الباعة، ليتم الزواج ويبدأ فصل جميل من الدفء والسكينة وسط قسوة السوق وصخبه. وحين رحلت عن الدنيا في سنواته المتأخرة، تركت في روحه فراغا هائلا، وظل طيفها يلوح له في أركان القيسارية، يواسيه في وحدته ويذكره بأن قلبه عرف الحب الحقيقي يوما قبل أن تشتد عليه عواصف الخذلان. لم يكن زواج عمي حدو من بائعة الخضراوات الجميلة عبورا سهلا نحو الجنة، فحين ألقى بقلبه على كف أمها العجوز مباركا خطوته، ظلت عيون أشقاء الزوجة وأقاربها يرمقونه بنظرات تشوبها الريبة والتعالي. ففي نظر عائلة كانت تملك دكاكين واسعة للأواني والعطور في قلب القيسارية الكبرى، ظل الإسكافي الواقف على أطراف التراب بمطرقته البالية وقميصه الملطخ بالصمغ، مجرد عابر سبيل لا يليق بمقام ابنتهم التي كان بإمكانها أن تظفر بتاجر يملك عقارا ورصيدا. كانت حماته الطيبة وحدها الحصن الذي يقيه سياط ألسنتهم، فكلما تجرأ أحدهم بالتلميح إلى ضيق عيشه أو عجز يده عن توفير رفاهية تليق بنسبهم، كانت العجوز تقطع عليهم القول بوقارها وحكمتها، مذكرة إياهم بأن أمانة "عمي حدو" تزن ذهبا، وأن كرامته أثمن من دراهمهم الملوثة بالمن. بعد رحيل الزوجة الطيبة، ثم رحيل أمها العجوز التي كانت تشكل سياج الحماية الأخير، انكسر السد المانع. وجد عمي حدو نفسه وحيدا في مواجهة نظراتهم الحارقة. فصار أصهارها يتعمدون تجاهله في ممرات السوق، أو يمرون قرب دكانه الواطئ بخطى متكبرة متغطرسة، كأنهم يعاقبونه على فقر مآله بعد أن خبت شمس ابنتهم. ووصل الأمر بأحدهم ذات مرة، حين تراكمت ديون الشيخ ووضعت حيلته، أن عرض عليه مساعدة مذلة مشروعة بترك الحرفة والعمل أجيرا ذليلا في مستودعاتهم، فرفض الشيخ بقمة كبريائه الصامت، مرددا عبارته الشهيرة لنفسه: • الإسكافي يموت ومطرقته في كفه، ولا يباع عظم خدمة الزمن
الصراع الخفي مع عائلة زوجته، الذي كان يتقاسمه بصمت مع وحدته، أضاف طعما آخر للمرارة، إذ لم يكن يصارع قسوة السوق وزحف البلاستيك فحسب، كان يصارع إرثا من الاحتقار الطبقي الذي لم يغفر له يوما أنه أحب ابنتهم بصدق، وعاش كريما ومات فقيرا.
لم يعد شبح الطرد المحدق بعمي حدو وليد اختناق السوق وحدها، بدأ التصدع عبر جدران البيت الداخلية. فالأبناء، وقد أسلموا أطرافهم للاهثات العيش في مدينة تقايض الأنفاس بالدراهم، باتوا يرون في دكان أبيهم البالي رقبة معطلة تحجب عنهم طوق النجاة الموعود. تسللت الخيبة إلى المجالس عارية، تلميحات بالحمولة الثقيلة التي يمثلها الشيخ، ومقارنات جارحة بين كرامة عتيقة ومبلغ فلكي عرضه تاجر الظل لتحويل دكان القيسارية إلى مطعم عصري يبتلع الماضي بجرة قلم. كان عمي حدو يواجه إلحاحهم بصمت مطبق يرتكز على حافة سندانه، متمسكا بآخر خيط يربطه بصوت زوجته الراحلة، إلى أن تكالبت الديون واصطف صاحب البيت على الباب ملوحا بالعراء. تحت وطأة حبل يلتف حول العنق، انكسر جدار المقاومة في عيني الشيخ. تنازل عن دكانه تحت ضغط أنفاسهم المتسارعة، مسلما مفتاح روحه لأيدي لن ترحم خيبته ولن ترحم انكساراته. وحين انفرط عقد الثمن في أيديهم، تراجعوا تدريجيا نحو أفق وهمي من الصفقات الخاسرة، تاركين الأب يواجه برد الأرصفة وحده. في تلك الليلة، افترش الابن الأصغر غرفته العارية من كل صخب الذاكرة. فتح جيبه ليعد نصيبه من الغنيمة، طارت الأوراق بين أصابعه الخشنة، لكن رائحة الصمغ والجلد المدبوغ ،رائحة كف أبيه المجبولة بالعرق، انبعثت فجأة من خبايا النقود، تحرق جلده من الداخل كأنها وشم ذنب لا يمحى. تذكر طيف الشيخ يطوي خيمته الصفراء على أطراف السوق، نظرة خالية من العتاب، لكن ثقلها كان يكفي ليهدم جبالا من الصمت. تسلل خارج البيت بعد منتصف الليل، هاربا من جدران تحولت إلى زنزانة ضيقة. مشى في أزقة المدينة المظلمة، حيث تصطدم قدماه بحجارة الرصيف المبللة. توقف أمام واجهة مغلقة، وشعر بغثيان مفاجئ ينهش جوفه، ليس من جوع، انما من طعم المال الذي استمد من بقايا عمر أبيه. في تلك اللحظة، تحطم شيء قاسي في صدره، لم يعد ذلك الشاب الذي يساق خلف وهم النجاة. لقد مات ذلك الجزء تماما على رصيف بارد. عقد العزم بدموع محتقنة، لن يعيد الدكان، ولن يمحو قسوة الإخوة، لكنه سيبدأ من النقطة التي انكسر فيها الأب.. استعادة المطرقة القديمة، ومسح لوثة الخطيئة. على حافة الايام القاسية هبت عاصفة شتوية هوجاء في منتصف الليل، فاقتلعت أوتاد الخيمة الصفراء كأنها تنتزع الأنفاس الأخيرة لعمي حدو، وبعثرت أدواته في طين الشارع. وفي صباح اليوم التالي، كان الصقيع يغطي وجه العالم حين اكتشف الشيخ أن حقيبته الجلدية قد سرقت بكل ما تحتويه من مطرقة وسندان ومسامير ومقص كبير، كأنما سرقت روحه المعلقة بين جنبيه. بلغ الخبر الابن الأصغر، فاشتعلت في صدره جمرة الضمير الحارق. انطلق بخطى مهووسة نحو سوق "التماسيح" للخردة، حيث تتقاطع روائح الصدأ بدموع الندم. بين أكوام الحديد الميت، هداه بصره إلى مطرقة أبيه وسندانه العتيق، راقدين على طاولة بائع تشق وجهه ندوب التجبر والجمود. تقدم الابن ببطء، ومد يدا ترتجف لتحسس مقبض المطرقة المألوف بحفر أصابع أبيه. نهرها البائع بخشونة كاسرة: • إلى أين يا فتى؟ السلع بأثمانها، وليست لمتباكين بلا دراهم! لم يجرؤ الشاب على الدخول في مساومة مالية تبدو كأنها بيع ثانٍ لروح أبيه. أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما على عتمة مطلقة؛ عتمة رجل أدرك أنه لم يعد يملك ما يخشى خسارته. لم يصرخ، ولم يهدد بالشرطة تقليديا، اقترب حتى التزقت أنفاسه بوجه البائع، وهمس بصوت منخفض، حاد كشفرة سكين، يقطر بمرارة الموت: • إنها ليست سلعة تشترى يا هذا.. إنها عظم أبي الذي أكلتموه حيا. أقسم إن لم تتركها الآن، لأنثرن دمك في السوق مادة لكل لسان، ولأجعل أزقة الخرائط كلها تحفر تحت متجرك حتى تخرج سرقاتك للضوء عارية. تفرس البائع في بؤبؤي الشاب، فرأى جنونا مقدسا ونظرة رجل عبر للتو الجحيم ولا يكترث بالحرق. تراجع البائع إلى الوراء بوجوم مباغت، ودفع بالحقيبة والمطرقة والسندان بعنف على الطاولة، متمطيا بسخرية صفراء: • خذ خردتك المجنونة واغرب عن وجهي.. لعلها تكون آخر عهد لي بهذا الوجه المشؤوم! ضم الابن الحقيبة إلى صدره كمن يضم جثة أبيه الدافئة للتو، وعدا بخطى محمومة نحو خيمة الشيخ، ملوحا بالغنيمة المرتجعة ليمسح شيئا من وزر الخطيئة. لكن قسوة الأيام كانت أسرع، فقد تسلل سم الرطوبة والخذلان إلى مفاصل الشيخ البائس، ليسقط مقبض المطرقة المستعادة على عتبة صمت أبدي لا رجعة فيه.. لقد رحل عمي حدو قبل أن تمس كفه دفء الغنيمة. بعد أن توارى صخب السوق وبقي الصمت سيد المكان، وقف الابن الأصغر وحده على حافة القبر الترابي الطازج. بيده حقيبة أبيه المهترئة التي استردها متأخرا بعد أن غادر صاحبها، وبداخلها المطرقة القديمة والسندان الصغير الملطخ بندى الرحيل. انسابت دمعة حارقة، لا تطهر ذنبا، بانما تحفر في الكف وعودا قاطعة. لم يكن بناء الدكان الجديد مجرد ضربة مطرقة تبدأ بها الحياة، كان محاكمة يومية للضمير. في تلك الأسابيع الأولى، كان الابن الأصغر ينام في ركن الورشة المظلم، غارقا في هلاوس سمعية لا تنقطع، يسمع طرقة أبيه الخافتة على الحذاء المطاطي، وتلك التنهيدة الطويلة التي أطلقها ليلة التنازل عن المفتاح. لم يكن يخافه، يخاف صوته الداخلي. حين يحاول الإمساك بالمطرقة المستعادة، كفاه ترتجفان كمن يمسك جمرا، أكانت هذه المطرقة أداة رزق، أم أداة جريمة...؟ في صباح اليوم التالي لاكتمال جدران الحلم، وفي زاوية منسية قريبة من أنقاض السوق العتيق، أزاح الستار عن دكان متواضع استأجره بمال عرقه الخالص، وعلق فوق عتبته لوحة خشبية خطها بيده: "ورشة عمي حدو لإصلاح الأحذية". أعاد نصب السندان، وأقفل الباب على المطرقة التي اشتراها بدموعه، رافضا أن يستعملها قبل أن يغسل يديه من وزر التخاذل. وحين أقبل أول زائر إلى الدكان الجديد، ممددا حذاء مزقه الغبار، نظر الشاب إلى أثر أصابع أبيه المحفورة على مقبض الحديد، وأدرك أن عليه أن يعبر جحيما كاملا من الندم لكي يستحق حق الدق على السندان. لم يفتح الورشة ليتربح، فتحها ككنيسة صغيرة للتوبة، كل ضربة مطرقة كانت صلاة استغفار، وكل غرزة خيط كانت ترقيعا لجلده لا لحذاء الزبون.. معلنا أن الإسكافي العجوز لم يرحل، انما ارتدى ثوب ابنه ليعاود الكرة مع الزمن. لم يعد دكان الابن مجرد نسخة باهتة من ماضي أبيه. أدرك الشاب أن روح "عمي حدو" لا تقيم في الاجترار انما في التطوير الخلاق. ومن أتعاب أيامه الأولى، جمع درهما إلى درهم، مستبدلا بالحقيبة الجلدية المتربة ورشة صغيرة مجهزة بآلات خياطة حديثة وماكينات متخصصة لقص الجلود. صار يبتكر أحذية جلدية متينة وأنيقة تحمل بصمة والده العريقة. وفي يوم الافتتاح المطور، علق فوق المدخل لوحة نحاسية كتب عليها: "أحذية عمي حدو - عراقة تتجدد". ومع مرور الأشهر، لم يعد الشاب يعمل وحيدا، فقد ضاقت الورشة الصغيرة بأصوات الحياة الجديدة حين انضم إليه شباب من أبناء الحرفيين المتضررين وقرويون أتعستهم البطالة وخنقت انفاسهم، جاؤوا يبحثون عن موطئ قدم في مهنة كادت تندثر لولا البعث المفاجئ. صار الصانع الجديد يعلمهم كيف يمزجون متانة الجلد الأصلي بدقة الماكينات الحديثة، فترددت أصوات المطارق المبتكرة والماكينات المتسارعة في أرجاء المكان، ليتحول الدكان إلى خلية نحل تنبض بالعمل الجماعي. اكتسبت علامة "عمي حدو" شهرة واسعة تخطت حدود القيسارية القديمة، لتصل إلى أسواق المدينة الكبرى وقرى الجوار المجاورة. وفد التجار من كل فج يطلبون بضاعة تحمل ذلك الوسم العريق الذي يجمع بين أرصفة الماضي وعصرنة الحاضر، متسائلين عن سر تلك المتانة التي ترفض الموت. وكلما انحنى الشاب فوق طاولة العمل لتوجيه خيوط الماكينة، وحولها الوجوه الجديدة لرفاقه تتأمل أصول الصنعة، تذكر طرقات أبيه الأولى في العراء، مدركا أن أروع طريقة لمصالحة روحه لم تكن في البكاء على الأطلال، انما في إحياء الحرفة بمعايير العصر وجعلها إرثا حيا يتوارثه الجيل الجديد. تتوارى شمس العصر خلف واجهات المعمل الزجاجية، وتتسلل خيوطها الذهبية لترسم على الجدران ظلالا متراقصة. هناك، حيث تتقاطع رائحة الصمغ العتيق مع هدير المكائن، يستند الحفيد الصغير بكفيه الغضتين إلى حافة السندان. على الطاولة المجاورة، ترقد مطرقة الجد "عمي حدو" بصمت وقور، تلك المطرقة التي فقدها يوما واستردها الابن سرا ليعيدها إلى أصلها، مجاورة لأحدث ما أنتجته خطوط المصنع من أحذية تحمل علامته التجارية. لا تبدو المطرقة كقطعة حديد مهملة، بل كقلب نابض يستمد دفعه من تتابع الأجيال. يرفع الصغير بصره نحو صورة جده المعلقة، فيبتسم ابتسامة خفيفة، ويضرب بيديه الصغيرتين ضربة أولى على قطعة الجلد، فيرتد صداها في أرجاء المكان دندنة حية لا تموت. فالبأس يزول، والأسواق تتغير، لكن الأرواح التي تطرز بالحب والعمل الصادق تظل عصية على الفناء، تطرق أبواب الأبدية مع كل نبضة حياة جديدة.
#الحسان_عشاق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أمير الدبابير وراعي الدودة
-
دبيب النمل ووهج الصيف الحارق
-
أنفاس الياسمين المتمردة
-
حين تشترى الأصوات وتفقد الأوطان
-
من وهج الشاشة الى مداد القلم
-
عَبرات فوق قبر أمي
-
المكي بولهموز يطارد السراب
-
زوجة على وشك السقوط
-
حارسة المرمى وحارسة الذاكرة
-
سمفونية الفناء: ترنيمة السقوط الأخير
-
ابن تاشفين تراتيل الذاكرة ومقبرة الحنين
-
ارتجاف المطرقة في فراغ الروح
-
ضفائر الطين وكحل الغياب
-
الدكتور ضريسة: ارشيف الدموع المكتومة
-
سكاكين في ميزان الضمير
-
خوارزمية الجشع في سيرة معلم
-
البغلماني طيف غريب في معبد السلطة
-
مجنون طائر الحسون
-
عرش من زجاج تحت أقدام الظل
-
أرواح في مهب الحياد
المزيد.....
-
عندما يسقط السلاح.. تسقط الرواية موافقة حماس على نزع سلاحها
...
-
المسرح السوري يتألق في جرش... زيناتي قدسية يحصد جائزتين وعبد
...
-
الأخوان ملص يفتحان النار على المثقف السوري: بين التطبيل والط
...
-
-من يرمي الحجر الأول؟-.. مسرحية سورية تحاكم العنف وتترك السؤ
...
-
مؤرخ روسي يدعو لترجمة الأدب القديم إلى الروسية الحديثة لإنقا
...
-
مستشهدا بآيات قرآنية وبالسنّة.. متحدث خارجية إيران: لا يحق ل
...
-
لقطات مرعبة وأشبه بالأفلام من أمريكا.. مسلحان يفتحان النار ق
...
-
وفاة نجم مسلسل -The Sopranos- عن عمر ناهز 80 عاما
-
-قاعة مسجد وهوى عثماني-.. كيف حوّل روائي فرنسي منزله إلى -إس
...
-
اتهامات ودعوى قضائية.. هل سربت نتفليكس فيلم -فورتيتيود-؟
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|