احمد موكرياني
الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 18:50
المحور:
الارهاب, الحرب والسلام
نعم، تستطيع الحكومة العراقية دستوريا وقانونياً نزع سلاح الفصائل، لكن تنفيذ ذلك عملياً وبالقوة العسكرية سيكون من الصعب جداً.
تأسس الحشد الشعبي استنادا الى:
1. فتوى الجهاد الكفائي التي أعلنها المرجع الأعلى السيد علي السيستاني في 13 يونيو/حزيران 2014، بعد سقوط الموصل بيد تنظيم داعش. دعت الفتوى المواطنين القادرين إلى التطوع في القوات الأمنية للدفاع عن العراق، ولم تدعُ إلى تأسيس ميليشيات مستقلة.
2. تولت حكومة نوري المالكي تنظيم المتطوعين والفصائل المسلحة الموجودة آنذاك ضمن إطار رسمي عُرف أولاً بهيئة أو لجنة الحشد الشعبي. ولذلك يُنسب التأسيس الإداري والتنظيمي إلى الحكومة العراقية برئاسة المالكي في يونيو/حزيران 2014.
• الفصائل المسلحة السابقة مثل منظمة بدر، وعصائب أهل الحق، وكتائب حزب الله وغيرها، كانت موجودة قبل فتوى السيستاني، ثم دخلت تحت مظلة الحشد إلى جانب المتطوعين الجدد وفصائل أخرى سنية ومسيحية وإيزيدية وتركمانية.
3. وفي 14 ديسمبر/كانون الأول2017 : طالب السيد السيستاني بإدماج الحشد ضمن الأطر الدستورية والقانونية، وأن يكون السلاح حصراً بيد الدولة. وذلك في خطبة النصر بتاريخ 14 ديسمبر/كانون الأول 2017، حيث دعا إلى الاستفادة من طاقات المقاتلين ضمن أطر قانونية وتحصر السلاح بيد الدولة.
4. وفي توضيح صادر عن مكتبه سنة 2019، كان الموقف أكثر تحديداً؛ إذ أكد السيد السيستاني:
• فك ارتباط منتسبي الحشد بالأحزاب والجهات السياسية.
• منع العمل السياسي داخل التشكيلات العسكرية.
• عدم السماح لأي حزب أو جماعة أو عشيرة بامتلاك السلاح المتوسط أو الثقيل خارج القوات المسلحة الرسمية.
رئيس مجلس الوزراء العراق، دستوريا هو القائد العام للقوات المسلحة، والحشد الشعبي. لذلك لا يحق لأي فصيل أن يحتفظ بقيادة عسكرية مستقلة، أو ينفذ عمليات داخل العراق أو خارجه من دون أمر حكومي.
ولكن الحشد الشعبي والفصائل المسلحة لم تقبل فتوى السيد السيستاني بحصر السلاح بيد الدولة، بل حولت نفسها الى حرس ثوري عراقي، ولكن بقيادات متعددة، أسست شركات ومصالح تجارية واقتصادية تكسب منها حوالي 4 مليارات دولارات سنويا من المصادر التالية:
• النفوذ في المنافذ الحدودية والجمارك والتهريب :2 مليار دولار
• العقود والمقاولات والعمولات الحكومية: 1 مليار دولار
• النفط والمشتقات والنقل والتخزين: 700 مليون دولار
• العقارات والأراضي والزراعة والخدمات: 500 مليون دولار
• الصرافة والتحويلات والمضاربة بالدولار: 600 مليون دولار
• الجبايات والحماية والحواجز والأنشطة المحلية: 300 مليون دولار
وتمويل الحكومة الحشد الشعبي: تبلغ المخصصات السنوية لهيئة الحشد الشعبي من الموازنة العراقية حالياً نحو 3.5 مليارات دولار أمريكي، تشمل الموازنة:
1. رواتب ومخصصات نحو 230 ألف منتسب.
2. الإعاشة والتجهيزات العسكرية.
3. صيانة الآليات والأسلحة.
4. النفقات الإدارية والتشغيلية.
5. التدريب والخدمات اللوجستية.
أي ان دخل الحشد الشعبي السنوي يبلغ حوالي 7.5 مليار دولار وهو أكثر من دخل القومي لكثير من الدول الأفريقية.
فكيف يظن العاقل بأن تتخلى قيادات الحشد الشعبي والفصائل المسلحة عن هذه الرفاهية المالية بقرار حكومي وكانوا قبل 2003 لا يملكون أجرة سيارة تكسي للعودة الى العراق من سوريا ومن إيران ولا يملكون منزلا يأويهم وعائلاتهم بعد عودتهم بعد 2003.
فلو استُثمرت هذه الأموال في بناء المساكن ومدارس وتطوير البنى التحتية والصناعة والزراعة، لأمكن تشغيل معظم المنتمين إلى الحشد الشعبي والفصائل المسلحة في مشاريع تنموية وإنتاجية لفائدة الشعب العراقي، بدلاً من تعريض حياتهم للمخاطر في صراعات تخدم مصالح قياداتها أكثر مما تخدم المصلحة الوطنية.
ستواجه الحكومة عدة عقبات:
• بعض الفصائل لا تمتلك السلاح فقط، بل لها أحزاب ونواب ومصالح اقتصادية ونفوذ داخل مؤسسات الدولة.
• هناك تداخل بين المنتسب الرسمي للحشد وبين العضو الحزبي أو المسلح العامل خارج سلسلة القيادة.
• بعض القيادات ترتبط سياسياً وعقائدياً بإيران، وقد لا تستجيب كلياً لأوامر بغداد.
• المواجهة العسكرية المباشرة قد تؤدي إلى اقتتال داخلي، وانقسام داخل الأجهزة الأمنية، وتعريض المدنيين والبنية التحتية للخطر.
• لا يوجد موقف موحد داخل القوى السياسية الشيعية بشأن حل الفصائل أو دمجها.
ومع ذلك، ظهرت خلال عام 2026 خطوات باتجاه حصر السلاح، منها دعم السيد مقتدى الصدر وهو قائد سرايا السلام التي تعد من أكبر الفصائل الشيعية المسلحة، إذا نُفِّذ قرار السيد مقتدى الصدر تنفيذاً كاملاً وشفافاً، فسيكون له تأثير سياسي وأمني مهم على حملة الحكومة العراقية لحصر السلاح بيد الدولة، وكذلك إعلان بعض الفصائل استعدادها لتسليم جزء من أسلحتها أو تنظيم اندماجها في الدولة، بينما ظلت فصائل أخرى، مثل كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء يرفضون تسليم أسلحتهم.
الطريق العملي والممكن لنزع سلاح الحشد الشعبي والفصائل المسلحة، فلن يكون النجاح بمجرد إصدار أمر «تسليم السلاح»، بل عبر برنامج متدرج يتضمن:
1. تسجيل الأسلحة والمعسكرات والمخازن، ووضعها تحت رقابة القائد العام.
2. سحب الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة أولاً، لأن وجودها خارج الجيش يمثل الخطر الأكبر.
3. إلغاء الأجنحة العسكرية المرتبطة بالأحزاب ومنع الجمع بين المنصب السياسي والقيادة المسلحة.
4. فحص قوائم الرواتب وإزالة الأسماء الوهمية ("الفضائيون" كما سماهم رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي) ومن لا يلتزم بالخدمة الرسمية.
5. دمج الأفراد المؤهلين بصورة فردية في الجيش أو الشرطة، وليس دمج الفصيل بكامل بنيته وولاءاته.
6. إغلاق المكاتب الاقتصادية والمنافذ غير القانونية التي تمول الفصائل.
7. تطبيق القضاء على المخالفين والفاسدين بصرف النظر عن انتمائهم السياسي.
8. الحصول على اتفاق سياسي ومرجعي وشعبي واسع حتى لا يظهر الإجراء باعتباره استهدافاً لطائفة أو لمقاتلي الحرب ضد داعش.
أما محاولة نزع جميع الأسلحة بالقوة وفي وقت قصير فقد تؤدي إلى حرب داخلية؛ ولذلك فإن النموذج الأنسب هو تفكيك تدريجي، تسليم السلاح الثقيل، إنهاء الاستقلال المالي والسياسي، ودمج الأفراد لا الفصائل.
مواعيد نهائية وتحديات مستقبلية
• موعد 30 أيلول/سبتمبر 2026: أن هذا التاريخ محورياً في العملية، حيث يرتبط بانتهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في العراق. وقد حددته الحكومة كموعد نهائي لتكون كل الأسلحة بيد الدولة.
o ولتكتمل مصداقية الحكومة العراقية، عليها أن تُخرج قوات الاحتلال التركي من شمال العراق أيضاً بحلول 30 أيلول/سبتمبر 2026، لأن وجودها يُشكّل انتهاكاً لسيادة العراق. ويجب على الحكومة العراقية ألا تبدأ العمل في مشروع طريق التنمية إلا بعد خروج آخر جندي تركي من الأراضي العراقية.
o إن إشارة الرئيس رجب طيب أردوغان، وإبداءه فرحته بوجود عضو تركماني ضمن الوفد العراقي الزائر لتركيا، خلال لقائه برئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، قد تُفهم على أنها تحمل دلالة قومية، وأنها رسالة مفادها أن تركيا تولي اهتماماً خاصاً بالتركمان العراقيين، وتسعى إلى إظهار دعمها لهم.
o وقد سبق لأردوغان أن تدخّل في شأن التركمان في العراق؛ ففي 26 مارس/آذار 2021، قرر أردوغان، من خلال اتصال هاتفي، استبدال رئيس الجبهة التركمانية العراقية، وإسناد الرئاسة إلى حسن توران خلفاً لأرشد الصالحي، الذي استقال بناءً على طلب أردوغان، معلناً تفرغه للعمل السياسي والتفاوضي. وتم تعيين حسن توران رئيساً للجبهة في اجتماع الهيئة التنفيذية للجبهة في كركوك يوم 28 مارس/آذار 2021 أي دون انتخابات لمنتسبي الجبهة التركمانية لرئيس لهم.
o إن طموحات أردوغان لإعادة احتلال العراق وسوريا والمستعمرات العثمانية ليست خافية على أحد؛ فالقواعد التركية منتشرة في أكثر من دولة عربية.
o كيف يمكن التعاون التجاري والاقتصادي مع أردوغان وهو الذي قطع المياه الدجلة والفرات وتسبب في جفاف الأهوار وتهجير الفلاحين لأراضيهم الزراعية.
كلمة أخيرة:
• قد عانى العراق على مدى عقود من آثار الانقلابات العسكرية، والمقاومة الشعبية، والحرس القومي، وفدائي صدام، وغيرها من التشكيلات المسلحة، التي لم تُسهم في بناء كوخٍ أو منزلٍ واحدٍ لعائلةٍ عراقية، بينما كلفت الدولة أموالا وتسليحا وأعاقت مسيرة التنمية والاستقرار.
• لقد آن الأوان لنبذ ثقافة العنف والسلاح، وترسيخ مبدأ التداول السلمي للسلطة، ورفض تغيير الحكومات بالمؤامرات أو بالقوة أو بتحريض من أطراف خارجية لا يخدم استقرار العراق ووحدته. ولنتطلع إلى وطنٍ يسابق الزمن للحاق بركب حضارة القرن الحادي والعشرين، ويعتمد على الصناعة الوطنية لتلبية جانبٍ كبيرٍ من احتياجاته، بدلاً من الاعتماد المفرط على الاستيراد، ويؤسس لاقتصادٍ منتج، وحياةٍ كريمة، ورعايةٍ صحيةٍ متكاملة لجميع المواطنين، بعد عقودٍ طويلة من الصراعات وعدم الاستقرار منذ سنة 1958.
o هل تعلمون؟ بلغ إجمالي واردات العراق من السلع في سنة 2025 نحو 65.74 مليار دولار أمريكي، أكثر من الدخل القومي الإجمالي للمملكة الأردنية الهاشمية = 60.7 مليار دولار أمريكي لسنة 2025، يمكن لجزءا كبير من هذه السلع إنتاجها محلياً إذا توفرت البيئة الاستثمارية المناسبة، واستقرار سياسي، والبنية التحتية، والدعم للصناعة الوطنية.
• أمام حكومة دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ علي الزيدي فرصة تاريخية لإطلاق مرحلة جديدة من الإصلاح والتنمية، مستفيدةً من الزخم الدعم السياسي الداخلي، ومن فرص تعزيز التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما في ذلك الولايات المتحدة ودول الخليج، التي يمكن أن تسهم استثماراتها وخبراتها في تطوير قطاعات الزراعة، والإسكان، والطاقة، والصناعة، والبنية التحتية، وتساهم في تشغيل منتسبي الحشد والفصائل المسلحة والعاطلين من الشعب العراقي بما يحقق التنمية المستدامة ويعزز ازدهار العراق.
#احمد_موكرياني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟