أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - على موائد المصالح... حيث يُولد التملق ويموت الضمير















المزيد.....

على موائد المصالح... حيث يُولد التملق ويموت الضمير


جورج منصور

الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 04:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست الأمم في خطرٍ يقتصر على أعدائها الظاهرين، أولئك الذين ترصُدُ لهم الجيوش والحدود، بل إن الخطر الأعمق والأفتك هو ذاك الذي يتسلل من بواباتها الداخلية، كالسوسِ الذي ينخرُ الخشبَ من جوفه؛ حين تتحول المبادئُ إلى أثوابٍ احتفاليةٍ تُرتدى في المحافل وتُطوى في غياب الرقباء، وحين يصبح التملقُ عملةَ العصر الرائجة، والتزلفُ الطريقَ المختصرَ إلى كراسي النفوذ والسلطة. ففي فضاءات كهذه، لا تُقاس قيمةُ الإنسان بما يبذله من جهدٍ لوطنه، ولا بعمقِ فكره، وإنما بقدرته الفائقة على تغيير قناعاته كما تُبدّلُ الحرباءُ ألوانَها، والانحناء أمام كل موجةٍ جديدة، حتى يغدو الثباتُ على المبدأ تهمةً، والانقلابُ على الرأي فضيلةً.
وفي بلاد الرافدين، حيث تشابكت خيوط السياسة مع عُرى المصالح، لم تعد الموائد العامرة - تلك التي كانت رمزًا للكرم والضيافة الأصيلة - إلا واجهةً لمراكز القوى الخفية، وموسماً لتوزيع الغنائم، ومنصةً تُعقد عليها الولاءات وتُبرمُ الصفقات. وحول هذه الموائد يحتشدُ مَنْ لا يحمل في جعبته مشروعاً وطنياً، ولا يؤمن بإصلاحٍ حقيقي، بل هو أستاذٌ في فن الاصطفاف إلى جانب المنتصر، يُغيّر بوصلته مع كل هزةٍ سياسية، كأنما الولاءُ لديه سوقٌ متقلبة، لا يرتبط بثابتٍ من قيمٍ أو عقيدة.
ويتكرر المشهدُ مع كل حكومةٍ جديدة، كفيلمٍ مملّ تتكرر مشاهدته؛ فما أن يُكلف رئيسٌ جديدٌ بتشكيل الحكومة، حتى تنطلق حملةُ تمجيدٍ تكاد تبلغُ حدّ التقديس، قبل أن تظهر نتائجُ سياساته أو أن يختبرَ الناسُ صدقَ وعوده. فتُغدق عليه صفاتُ الحكمة والبطولة، ويذهب بعضُ المتملقين إلى غلوٍّ غير مسؤولٍ، فيشبهونه بأئمة العدل وأصحاب الخلق الرفيع، متجاوزين كلّ حدود اللياقة، في مسلكٍ لا يسيء إلى السياسةَ وحدها، بل يمس القيم الدينية والتاريخية للأمة.
غير أن هؤلاء المهللين أنفسهم سرعان ما ينقلبون على مواقفهم مع انتهاء ولاية الحكومة، فيحمّلونها مسؤولية كل فشلٍ وإخفاق، وكأنهم لم يكونوا بالأمس من أشد المدافعين عنها، والمروّجين لإنجازاتها المزعومة التي لم ترَ النور على أرض الواقع.
ولا يبدو أن النجاح أو الفشل، أو النزاهة أو الفساد، يُشكّل أي معيارٍ لدى هذه الفئة؛ فالموقف لا تحدده المصلحة العامة، ولا ترشده رؤية وطنية، بل يبقى رهناً بالمصلحة الشخصية. فهو يمدح ما دام المدحُ يفتح له الأبواب، ويدافع ما دام الدفاعُ يدرُّ عليه المكاسب، فإذا تبدّلت السلطة تبدّلت اللغة، وانقلب الولاء إلى صاحب النفوذ الجديد، كأنما الضمير بندٌ في دستورٍ قابل للتعديل وفق مقتضيات اللحظة، أو مرآة لا تعكس إلا ما يراد لها أن تعكس.
المتملق لا يؤمن بفكرة، وإنما يؤمن بالمصلحة؛ ولا ينظر إلى المنصب بوصفه مسؤولية، بل يراه فرصةً للاستثمار الشخصي. فهو يزين الخطأ، ويجمّل الفشل، ويصنع من الإخفاق بطولةً إعلامية، حتى تغدو الحقيقة تابعةً لما يرضي أصحاب القرار، لا لما يجري على أرض الواقع. أما المتزلف، فلا يكتفي بالصمت عن الخطأ، بل يشارك في تجميله، ويكرر ما يشتهي المسؤولُ سماعه، حتى يذوب استقلالُه الفكري، ويصبح مجرد صدىً باهتٍ لغيره، لا صوتاً له ولا هويةً تميزه.
غير أن المصيبة لا تتوقف عند حدود هؤلاء الأفراد، بل تمتد إلى البيئة الخصبة التي أنبتتهم وسمحت لهذا السلوك بالازدهار. فحين تُكافأ المجاملةُ، ويُنظر إلى الصراحةُ على أنها تهديدٌ، وتُقدّم الولاءات الشخصية على الكفاءة والتخصص، تصبح المؤسساتُ مشلولةً، عاجزةً عن أداء رسالتها في البناء والتنمية. وتتحول المناصبُ إلى غنائمَ للموالين، لا إلى تكاليفَ يتحملها الأكفاء، فتضعف الإدارة، وتتراجع الإنتاجية، وتفقد الدولة قدرتها على التصحيح، وتغدو أسيرةً لدوامة الفشل.
وليس أخطرُ ما يصنعه المتملقُ أنه يخدع المسؤول، بل إنه يؤدي الدور الذي اختاره له المسؤولُ ابتداءً. فالمشكلة لا تبدأ عند المادح، وإنما عند من لا يريد أن يسمع إلا ما يوافق هواه، ويحيط نفسه بمن يجيدون ترديد ما يعرفه وما يرغب في سماعه، لا بما ينبغي أن يسمعه. وقد لا يكون المسؤول جاهلاً بما يجري حوله كما يُصوّر أحياناً، بل يكون في كثير من الأحيان أعلم من غيره بحقائق الواقع، إلا أنه يختار التغاضى عنها، ويحيط نفسه بمن يؤكدون خياراته ويمنحونها غطاءً من المديح، لا بمن يراجعونها أو يصححونها؛ لأن الاعتراف بها يحمّله مسؤولية الإصلاح، بينما يريحه أن تبقى مغطاةً بطبقة كثيفة من المديح والتبرير.
وحينئذٍ لا يعود التصفيق خداعاً للمسؤول، بل يصبح غطاءً يمنحه شرعيةً زائفةً للاستمرار في النهج نفسه، فتُقدَّم الأخطاء على أنها خياراتٌ حكيمة، والإخفاقات على أنها نجاحاتٌ تستحق الاحتفاء، ويغدو الوهم سياسةً مقصودة لا وهماً مفروضاً، بينما تتراكم الأزمات بصمتٍ رهيب حتى تستعصي على العلاج، وتصبح كالأورام الخبيثة التي لا تُكتشف إلا بعد فوات الأوان.
ومن رحم هذه الثقافة المريضة تُقصى الكفاءات، ويُهمَّش أصحاب الخبرات والاختصاصات، لا لأن المتملقين انتصروا عليهم وحدهم، بل لأن وجود أصحاب الرأي المستقل يزعج من اعتاد أن يحيط نفسه بمن يشبهونه في التفكير والطاعة. وكم من عالمٍ نزيهٍ أُبعد لأنه قال كلمة حقٍّ لم يرغب المسؤول في سماعها، وكم من محدود الكفاءة ارتقى سلّم المجد لأنه كان أكثر انسجاماً مع رغبة السلطة في الولاء المطلق، لا مع مقتضيات الكفاءة والاستحقاق. وهكذا، لا يكون التملق سبباً مستقلاً للفساد، بل أحد مظاهره وأدواته؛ فلا يصنع قادةً حقيقيين، بل يرسخ سلطةً تفضّل الطاعة على الصراحة، ولا يبني مؤسساتٍ راسخة، بل يكرّس الرداءة ويمنحها شرعيةً مصطنعةً، حتى تغدو ثقافةً راسخةً تتوارثها الأجيال.
والأخطر من ذلك أن هذه الثقافة المسمومة تُورَّث للأجيال الصاعدة؛ فعندما يرى الشبابُ أن الطريق إلى النجاح لا يمر عبر الاجتهاد والإبداع، بل عبر العلاقات الشخصية والمحسوبية والتزلف، تتزعزع منظومةُ القيم في أعماقهم، ويضعف إيمانُهم بالعدالة والجدارة، ويغدو الإخلاص للوطن خياراً خاسراً في نظر الكثيرين. وعندها لا تخسر الدولة حاضرها المتردي فحسب، بل ترهن مستقبلها للضياع، وتحكم على نفسها بالتخلف وهي تظنُّ أنها تحسن إدارة شؤونها.
إن الأوطان لا تنهار بضربة واحدة كالزلزال، بل تستنزفها جيوش المنتفعين والطفيليين قبل أن يهزمها خصومُها على الحدود. فكل مسؤولٍ يُحاط بالمصفقين بدل الناصحين، وكل مؤسسةٍ تُدار بالولاءات بدل الكفاءات، وكل قرارٍ يُتخذ لإرضاء الأشخاص لا لتحقيق المصلحة العامة، إنما يضيف لبنةً جديدةً في صرح الفشل الوطني المتراكم.
ويبقى التاريخُ أكثرَ إنصافاً من موائد السياسة الزائلة؛ فهو لا يُخلد من عاشوا على فتات النفوذ، ولا من بدّلوا مواقفهم مع كل تغيير وزاري، وإنما يحتفظ بمكانته الخالدة لأولئك الذين ثبتوا على مبادئهم، وقالوا كلمة الحق عندما كان ثمنُها باهظاً، وآثروا احترام ضمائرهم على إرضاء السلطات. أما المتملقون، فإن أسماءهم تتوارى بانتهاء من كانوا يدورون في فلكهم، لأن حضورهم لم يكن مستمداً من قيمة جوهرية، بل من ظلِّ سلطةٍ زائلة، سرعان ما تنجلي.
إن العراق، في منعطفه الحرج هذا، أحوجُ ما يكون إلى رجال دولةٍ لا رجال موائد، وإلى أصحاب رؤيةٍ ثاقبة لا أصحاب مصالح آنية، وإلى قياداتٍ تؤمن بأن المنصب تكليفٌ وابتلاءٌ ومسؤوليةٌ عظمى، لا امتيازٌ وغنيمةٌ تُتداول. وهو بأمس الحاجة إلى ثقافةٍ تُعيد الاعتبار للكفاءة والشفافية، وتحمي حرية الرأي، وتجعل الصراحة فضيلةً وطنيّةً لا تهمةً، والنقدَ المخلصَ واجباً دينياً ووطنياً لا فعلاً عدائياً يُعاقب عليه.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يؤرق كل صاحب ضمير: كم من فرصةٍ أُهدرت، وكم من مشروعٍ تعثر، وكم من كفاءةٍ هُمشت لأن صوت التملق علا على صوت الحقيقة؟ إنه سؤال لا يخص العراق وحده، بل كل أمةٍ قدّمت الولاء للأشخاص على الولاء للمبادئ. فالأمم التي تكرم الكفاءة تبني مستقبلها، أما التي تكافئ المتملقين فلا تؤجل ثمن أخطائها إلا إلى حين، ثم تدفعه أجيالٌ لم ترتكب الخطيئة.



#جورج_منصور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما يصبح الإعلام ضحية المحاصصة قراءة نقدية في آليات الاختي ...
- عندما يفسد الرأس… يمرض الجسد: لماذا يختلف الفساد في العراق ع ...
- الوعي الجمعي وصناعة الدولة: لماذا تبدأ معركة الإصلاح في العر ...
- الفساد في العراق... المشكلة ليست في اللصوص وحدهم، بل في جمهو ...
- كيف تحولت مكاتب رؤساء الوزراء في العراق إلى ملاذ للمناصب الف ...
- ماذا يعني أن تكون الدولة غير محترمة؟ العراق أنموذجاً
- هل سيرى العراق انفراجاً بعد توقيع اتفاقية سلام بين إيران وال ...
- سيفو بعد مئة وإحدى عشرة سنة: ذاكرة الدم التي لم تمت
- القشلة: صرح بغداد التاريخي بين ذاكرة المكان ومخاطر التسليع
- العراق بين تبديل الأمكنة وعجز التغيير الداخلي
- الحكومة الجديدة بين شرعية البرلمان وامتحان الشارع
- الطريق إلى لولان.. حين صار الضحك مقاومة
- ليس مجرد غياب: كيف أعاد المنفى تشكيل المثقف العراقي؟
- يوميات شاعر خلف طاولة العرائض
- الديمقراطية في العراق: الإله الذي فشل
- حين ينحني المنصب: في سيكولوجيا التملق الإداري
- كركوك الستينيات: فسيفساء في العيش المشترك
- گلستان… مرثية الذاكرة في ذكرى حلبچة
- بطاقة لا تُمنح… وشهادة تُصنَع في الظل
- أين هي منظمات المجتمع المدني اليوم من أزمات العراق والمنطقة؟


المزيد.....




- تدوينة وزير خارجية إيران عن مصر بعد مسيرة دمياط تلقى رواجا
- لماذا قد تكون الحرب المحدودة مع الولايات المتحدة خياراً أكثر ...
- تقنية ليزر تكشف حضارة مفقودة في قلب غابات الأمازون
- هل تختفي بياناتنا حقا عندما نحذفها؟
- الأرجنتين.. ميلي يصدر مرسوما استثنائيا لمكافحة الهجرة
- اكتشاف معدن لا مثيل له في حطام قنبلة هيروشيما الذرية
- مواصفات الهاتف المنافس الجديد من Xiaomi
- روسيا.. إصابة 5 أشخاص بهجوم أوكراني بالمسيرات
- 34 قتيلا إثر انفجار في منجم فحم غرب باكستان (فيديو)
- جبهة سرية: لماذا تقوم أوكرانيا بعمليات تخريبية في العراق؟


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - على موائد المصالح... حيث يُولد التملق ويموت الضمير