أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - هاني شنودة…الذي غنّى للحياة














المزيد.....

هاني شنودة…الذي غنّى للحياة


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 12:07
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقامُ السؤال
Facebook: @NaootOfficial
اثنان من عظماء مصر علّماني أن الفن، حين يبلغُ قمتَه، لا يهدمُ الفوارق، ولا يلغيها، بل يسمو فوقها. عظيمان علّماني أن القلبَ العامرَ بالإيمان، والعقلَ العامر بالثقافة، لا يعرفان التعصّب ولا البغضاء. أحدُهما مسلمٌ، أنشد بصوته الجميل "الصلاة الربّانية"، والثاني مسيحي قرأ بصوته الطيب "فاتحة الكتاب". الأول كان بمثابة أبي الروحي، رحل عنّا منذ ست سنوات: العظيم "سمير الإسكندراني"، والثاني رحل اليومَ ليلحق بصديقه في فردوس الله الأعلى: العظيم "هاني شنودة".
وبرغم عشرات الذكريات الجميلة، والمواقف الماسّة التي جمعتني بكلٍّ منهما، إلا أن هذا المشهد، هو الأكثر غرسًا في ذاكرتي. كان ذلك قبل 15 عامًا في حفل إطلاق مجلة شاركتُ في تحريرها. دعوتهما إلى الحفل، ضمن نخبة رفيعة من الشخصيات العامة في المجتمع المصري والعربي. صعد "سمير الإسكندراني" إلى المنصّة ليغنّي. ورغم وجود فرقة موسيقية مكتملة، فوجئنا بالجميل "هاني شنودة" يسارع ويصعد المنصّة ليعزف وراء "سمير". مشهد عجيب جعلنا لا نتوقف عن التصفيق دقائقَ طوالا. هذا المؤلف الموسيقيّ الأشهر وصاحب المدرسة الموسيقية المبتكرة يعزف؟! تعلّمت يومها أن التواضع سمة العظماء، وفقط. ولكي يردّ "سمير" الجميلَ بالجميل، غنّى "الصلاة الربانية" بصوته الآسر تحيةً لصديقه، وانفجرت القاعة تصفيقًا. فما كان من "هاني" إلا أن خطف الميكروفونَ من صديقه، وقرأ "الفاتحة"؛ ليختتم سلسالَ التحضر. كان المشهد سيمفونية من الجمال، لا يصدقها عقل. في هذه اللحظة، أدركت أنني لا أشاهد فنانَين عظيمين من فرائد مصر، بل أشاهد "مصر" بذاتها.
ليس مصر الجغرافيا، ولا مصر السياسة، ولا مصر نشرات الأخبار. بل مصر التي عشناها وعشقناها دون أن نسميها. مصر التي لا تسأل الإنسان: إلى أي كتاب سماوي تنتمي؟ بل تسأله: ماذا يحمل قلبك من محبة وعطاء للوطن وللإنسان وللحياة؟
تذكرت المشهد الآسر وأنا أودع "هاني شنودة"، ففهمت لماذا بدا رحيله موجعًا إلى هذا الحد. لأننا لم نفقد موسيقارًا عظيمًا وحسب، بل فقدنا شاهدًا حيًّا على زمن طيب كان أكثر رحابة. كان جيل "هاني شنودة" ينتمي إلى مدرسة تؤمن بأن الفن الحقيقي هو أحد أهم وأخطر وأجمل جسور التواصل. وأن الموسيقى لا تحتاج إلى بطاقة هوية، ولا إلى شهادة ميلاد دينية. فالسلم الموسيقي لا يعرف كلمة “أنا”، بل يعرف كلمة “نحن”. لهذا خرجت موسيقاه وخوالد أغنياته خالية من الكراهية، حاثّة على المحبة. كان يغنّي للحياة، فأحببنا معه الحياة.
حتى أغنياته الخفيفة التي كانت تطفر بالبهجة والطفولة والشقاوة، كانت تحترمُ الجمهور، وتقول له: أمنحكم البهجة، ولكنني لا أستخف بعقولكم. وذلك مقامٌ رفيع من الموهبة. لأن الضحك سهل، أما فن "صناعة البهجة" فصناعة عصيّة معقدة. الأغنية سهلة، أما الروائعُ الموسيقية التي تعيش نصف قرن، وسوف تعيش أبدًا، فلا يصنعها إلا من يعرف كيف يحاور الزمن.
حين أسس “فريق المصريين”، لم يكن يؤسس فرقة غنائية شبابية، بل كان يفتح نافذة دخل منها أكسجين جديدٌ نقيّ ملأ رئتي الأغنية المصرية وذاكرتها الجمعية. إيقاعٌ مختلف، لغة مختلفةٌ، شبابٌ يشبهوننا ويشبهون زمنهم، دون أن يقطعوا الحبل السري الذي يربطهم بعراقة تراب هذا البلد. لهذا عاشت أغنياته، ليس لأنها جميلة وحسب، بل لأنها صادقة. وحده الصدق عصيٌّ على الشيخوخة، عصيٌّ على الموات.
أتذكر أيضًا موقفه حين حاول البعض أن يصنع من تكريمه في السعودية مناسبة لتقريع مصر، فرفض الرجلُ أن يكون سلعة في سوق المزايدات. قال ببساطة إن مصر كرّمته طوال ستين عامًا. وكان محقًا. فليس أعظم تكريمًا من عشق الناس له وتسكينه في قلوبهم. التكريم الأعظم، هو أن تتحول موسيقاه إلى جزء من الذاكرة الجمعية، فليس بوسع أحد، مصريًّا كان أو عربيًّا، أن يتذكر شبابه إلا وتمر ألحان "هاني شنودة" في الخلفية. هذا نوع من التكريم لا تمنحه وزارة، ولا تنزعه وزارة. يمنحه الزمن.
لهذا لم يكن مشهد "الصلاة الربانية" و"الفاتحة" عجيبًا؛ فالذين عاشوا أعمارهم يصنعون الجمال، لا بد أن ينتهوا إلى هذه البساطة الإنسانية المدهشة. الفنان الحقيقي يعرف أن الله أكبرُ من خلافات البشر، والمحبة أوسع من حدود العقائد، والفن، في جوهره، صلاة طويلة في محراب الجمال، وتمجيد خالق الجمال سبحانه. علّمنا أولئك العظماءُ أن مصر خالدة لأنها تعرف سرًّا بسيطًا علينا ألا ننساه. أن الاختلاف لا يحتاج إلى متاريس، بل إلى جسور. والهوية لا يحرسها التعصب، بل المحبة. والوطن لا يكبر حين يتشابه أبناؤه، بل حين يتسع لاختلافهم. مصر تعزف لحنها الأجمل، دون أوركسترا، ودون قائد، ودون تصفيق. اللحن الذي لا يُعزف إلا على أوتار القلوب.
مقامُ المحبة: وداعًا "هاني شنودة"، الآسر النبيل الذي عاش حياته يغنّي للحياة، وعلّمنا أن نغني لها معه.
***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنا أعلمُ كلَّ شيء يا أبي… ربما!
- المونودراما
- انتصرت مصرُ… وغادرتْ
- لغةُ -الأعلام-… وبلاغتُها
- شجرةُ الأقدارِ البديلة… الغصنُ الأعوج
- مقامُ السؤال … أثرُ الفراشة
- 90 دقيقة من الأمل… والهدف الرابع
- الذي أورثني قلبًا عاطلا عن البغضاء
- الاختلافُ… وفنُّ بناء الجسور (3)
- الاختلافُ… وفن بناء الجسور (2)
- الاختلافُ… وفن بناء الجسور (1)
- في مقام : -علي الحجار-
- ماما… لم أعد بِحاجةٍ إليكِ!
- علمانيون… حين تموتُ الثقافةُ كمدًا!
- الأضحى… أكبرُ من الخوف
- قشور … سيدة البحار
- -طبلة الستّ-… حلويات مصر… صانعاتُ الفرح
- -توفيق الدقن-… الشريرُ الظريف
- عبدُ الرحمن أبو زهرة
- السَدَنَة!


المزيد.....




- المرشد الأعلى الإيراني يرد على حزب الله اللبناني
- تصعيد استيطاني واسع في الضفة: إقامة بؤر جديدة واعتداءات تطال ...
- الإفتاء الفلسطيني: إحراق المساجد بالضفة سياسة إسرائيلية ممنه ...
- -الإرهاب اليهودي-.. هكذا سيطرت مليشيات بن غفير على مليون دون ...
- موجة -الرفاهية الروحية- تجتاح الصين والعلامات التجارية أمام ...
- منظمات وشخصيات مسيحية تتخوف من تغيير ديموغرافي في مناطقهم بس ...
- فرنسا.. اعتقال 6 أشخاص للاشتباه بتخطيطهم لاستهداف كنيس يهودي ...
- شيخ الأزهر يفاجئ طلابه باتصالات تهنئة ويواجه أسئلة مفاجئة (ف ...
- اكتشف الجنة الغامضة المخفية في قلب أكبر بحيرة بإفريقيا
- الإسلامية المسيحية: مجزرة -تل- تفضح عجز المجتمع الدولي وتجعل ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - هاني شنودة…الذي غنّى للحياة