أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - لغةُ -الأعلام-… وبلاغتُها














المزيد.....

لغةُ -الأعلام-… وبلاغتُها


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8760 - 2026 / 7 / 8 - 12:06
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقامُ السؤال
Facebook: @NaootOfficial
الوردةُ التي أضعُها على قبر جارٍ لا تجعلني من أهله، لكنها تجعلني من البشر. كذلك بعض الأعلام؛ حين تُرفع لا تُبدّل الانتماء، ولا تمحو الهُوية، بل تشهدُ أن الضمير مازال حيَّا. الأعلام ليست راياتٍ ملونةً تُرفرف في الهواء، بل لغةٌ صامتة، لها بلاغتُها. منها ما يُرفع إعلانًا للسيادة، ومنها ما يُرفع فرحًا بانتصار، أو حدادًا وتعزيزًا للوجدان في لحظات الهزيمة، ومنها ما يكفّن شهيدًا، ومنها ما يُرفع إعلانًا للتضامن. والخطأ يبدأ حين نتعثّر في قراءة لغة الأعلام وفهم دلالاتها في اللحظات المختلفة.
ولعل هذا هو الخطأ الذي وقع فيه كثيرون وهم يشاهدون الكابتن "حسام حسن"، بعد فوز منتخب مصر على أستراليا وتأهله للدور 16 في مباريات كأس العالم، وهو يضع عَلمَ فلسطين فوق كتفه، بعدما أهداه إياه أحد الحضور، ونسيوا أن علم مصر كان وظل على كتفيه طوال المباراة، بل طوال المباريات السابقة واللاحقة، مثلما رافق علمُ مصر المنتخبَ المصري منذ نشأته، ومثلما يرافق علمُنا قلبَ كل مصري منذ ميلاده وحتى رحيله. هي أشياء ثابتة عصية على التبدل. قرأ البعضُ المشهدَ بوصفه مفاضلة بين علمين، بينما كان في حقيقته جمعًا بين رمزين: راية الوطن الذي انتصر، وراية شعبٍ ما زال يبحث عن حقه في الحياة.
لم يخلع "حسام حسن" علمَ مصر ليرفع علمَ فلسطين، ولم يستبدل هويةً بهوية، ولا وطنًا بوطن. كان احتفاله مصريًّا خالصًا، ثم اتسع قلبُه، في لحظة الفرح، ليُهدي جزءًا من هذا الفرح إلى شعبٍ نسيه الفرحُ، ولا يراه العالمُ إلا في صور جثامين أطفال تحت الأنقاض، وثكالى ينتحبن، وبيوت مهدّمة تبكي الراحلين. لم يكن رفعُ العلم فعلًا سياسيًا بل إنسانيًّا. فالتعاطف لا يُصادر الانتماء، مثلما الرحمة لا تناقضُ الوطنية، بل تعزّزها. بل لعل الوطنية الحقيقية هي التي تُنتج إنسانًا لا يتوقف عن رؤية آلام الآخرين، لحظة فرحه بانتصار وطنه.
هذا التضامن المصري-الفلسطيني ليس وليد مباراة كرة قدم، ولا انفعالًا عابرًا فرضته لحظة إعلامية. فمنذ ما قبل قيام دولة إسرائيل، والقضية الفلسطينية حاضرة في الوجدان المصري، شعبيًا وثقافيًا وسياسيًا. لذلك لم يكن المشهدُ غريبًا عن ذاكرة المصريين، بل امتدادًا طبيعيًّا لها.
وما أثار دهشتي أن بعض المنتقدين لم يكتفوا بالاعتراض على رفع العلم، بل اعترضوا أيضًا على إهداء الفوز "رمزيًّا" إلى الشعب الفلسطيني المُعذَّب، بعدما أهداه "أولًا" إلى الشعب المصري! وكأن الفرحَ موردٌ شحيحٌ بخيلٌ، إذا اقتسمناه مع الآخرين نقُص منه نصيبُنا!
هذا الاعتراض يخلط بين الإهداء "الرمزي" والتنازل الحقيقي. فالإهداء المعنوي ليس نقلًا للملكية، وإنما إعلانٌ عن معنى ورسالة. كم من فائز بجائزة نوبل وقف على منصة التكريم ليقول: “أُهدي هذه الجائزة إلى شعبي”، أو “إلى ضحايا الحروب”، أو “إلى المضطهدين”. ولم يقل أحدٌ يومًا إن الجائزة خرجت من يده إلى أياديهم. فقد فهم العالمُ أن الإهداءات الرمزية لا تُنقل فيها القيمةُ، بل تُنقل فيها المشاعر.
حين فازت "ناديا مراد" بجائزة نوبل للسلام، قالت إن الجائزة لكل النساء الإيزيديات اللواتي عانين الاستعباد في أسواق النخاسة الداعشية. وحين وقف "مارتن لوثر كينج" على منصة نوبل، رأى الجائزة تكريمًا لجميع حركات الحقوق المدنية ضد العنصرية، لا لشخصه. كذلك اعتبر المناضلُ "نيلسون مانديلا"، جائزتَه تكريمًا لشعب جنوب أفريقيا الذي قاوم نظام الفصل العنصري، لا وسامًا شخصيًا يعلقه على صدره. وغيرهم كثيرون أهدوا جوائزهم وفرحهم إلى مستحقين يقفون في الظل نسيوا الأضواءَ ونسيتهم العدسات. مثل أطفال غزة الذين رفعوا الأعلام المصرية فرحًا بفوز مصر على أستراليا وتأهلها للدور 16.
هكذا فعل "حسام حسن”. لم ينزع الفوزَ من المصريين ليمنحه لغيرهم. بل أهدى جزءًا من "المعنى"، لا جزءًا من "الاستحقاق”. والفرق بين الاثنين هو الفارق بين اللغة والحساب. ليس المصريون وحدهم من يرون في العلم الفلسطيني رمزًا للتضامن الإنساني. ففي مدنٍ كثيرة حول العالم، رفع أناسٌ لا تربطهم بفلسطين لغة، ولا دين، ولا قومية، هذا العلم احتجاجًا على قتل المدنيين والأطفال، ورسالةً أخلاقية قبل أن تكون رسالةً سياسية. فبعضُ الأعلام تخرج من حدود الجغرافيا إلى فضاءِ الضمير. فهل أصبح التعاطف تهمة؟ وهل صار على الإنسان، كلما واسى مكلومًا، أن يثبت أولًا أنه لم يخن وطنه؟! الوطنية الواثقة لا تخشى لفتةً إنسانية، لأنها تعرف أن الانتماء لا يُنتزع من قلب صاحبه برفع علمٍ آخر. فقلب مصر يتسع لآلام غير المصريين، وإلا ما كانت "أم الدنيا". فعلم مصر يبقى عاليًا، مهما جاورته الأعلام.
مقام السؤال:
متى يتحول العَلمُ من رمزٍ للوطن، إلى جدارٍ يمنعنا من رؤية الإنسان؟

***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شجرةُ الأقدارِ البديلة… الغصنُ الأعوج
- مقامُ السؤال … أثرُ الفراشة
- 90 دقيقة من الأمل… والهدف الرابع
- الذي أورثني قلبًا عاطلا عن البغضاء
- الاختلافُ… وفنُّ بناء الجسور (3)
- الاختلافُ… وفن بناء الجسور (2)
- الاختلافُ… وفن بناء الجسور (1)
- في مقام : -علي الحجار-
- ماما… لم أعد بِحاجةٍ إليكِ!
- علمانيون… حين تموتُ الثقافةُ كمدًا!
- الأضحى… أكبرُ من الخوف
- قشور … سيدة البحار
- -طبلة الستّ-… حلويات مصر… صانعاتُ الفرح
- -توفيق الدقن-… الشريرُ الظريف
- عبدُ الرحمن أبو زهرة
- السَدَنَة!
- كرامةُ الفنّ… وداعًا -هاني شاكر-
- شهاداتٌ عُليا… على رفِّ الانتظار
- “رادار- CIC يرصدُ جرائمَ بلا وجوه
- ابني الصموتُ… ثلاثُ طُرقٍ للعشق


المزيد.....




- اليهودية دين العبرانيين وملة موسى عليه السلام
- تقرير حقوقي يوثق تصاعد اعتداءات المتطرفين اليهود على المسيحي ...
- بحرية حرس الثورة الإسلامية: استشهاد أحد منتسبينا صباح اليوم ...
- حرس الثورة الاسلامية: دمرنا بالصواريخ والمسيرات 85 منشأة عسك ...
- حرس الثورة الإسلامية: الجيش الأمريكي انتهك مذكرة التفاهم عب ...
- حرس الثورة الإسلامية: ردنا على الهجمات الأمريكية كان أوليا ...
- رئيس مجلس الشورى الاسلامي محمدباقر قاليباف: من أبرز انتهاكات ...
- حرس الثورة الإسلامية يرد على العدوان الأمريكي باستهداف 85 ه ...
- المتحدث باسم حرس الثورة الاسلامية حسين محبي: إسقاط طائرة مسي ...
- العميد محبي: عقب العدوان الجوي الذي شنه الجيش الأمريكي الإر ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - لغةُ -الأعلام-… وبلاغتُها