أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - ماما… لم أعد بِحاجةٍ إليكِ!














المزيد.....

ماما… لم أعد بِحاجةٍ إليكِ!


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 12:07
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


Facebook: @NaootOfficial

“توقفتُ عن مهاتفة ابني. ولم يلحظ هذا. كنتُ أسمع الفتورَ في صوته كلما قال لي: "ماما، أنا مشغول!". فأجيبه: “لا بأس أنا أتفهم!”. لكن الأمَّ تفهم أكثر كثيرًا مما تعلن. لذا بدأتُ أدرّب نفسي على المحادثات الأقصر فالأقصر؛ لئلا أسرق وقته. وصرتُ أنا من يقول أولا: "مع السلامة"، حتى إن أردتُ مواصلة الحديث. تعلّمتُ أن أجعل نفسي أضألَ.. أصمَتَ… أقلَّ حضورًا. وذات يوم، نظرتُ إلى هاتفي الصامتَ، وأدركتُ شيئًا مخيفًا سحب الهواء من رئتي. أنا أنتظرُ شخصًا لم يعد ينتظرني! هنا قررتُ الصمت. لا لأعاقبه. بل لكي أحمي قلبي. وقتها تعلّمتُ شيئًا لن يخبرك به أحدٌ عن التقدّم في العمر: الأم تصمتُ، لا لأنها تحتاجُ إلى ابنها أقلَّ، بل لأنها تعبتْ من الشعور بأنها عبءٌ لا يحتمله الآخرون. هنا تدرِّبُ الأمُّ نفسَها على ابتسار المكالمات، وتقول "وداعًا"، قبل أن تسمعها. وتبدأ في الانكماش شيئًا فشيئًا حتى تفسح لابنها المكان. تفعلُ كل هذا في هدوء شديد؛ إلى درجة أنك لن تلاحظ أنها تختفي من المشهد. إذا صمتتْ أمُّكَ، لا تفترض أنها لا تحتاج إليك. اتصلْ أنت. لأن هذا الصمتَ الذي تسمعه منها، هي ما تدربت عليه وهي تتضاءل وتنكمش من مشهدك لكي تفسح لك المجال أكثر."
وجدتُ فيديو لأم إنجليزية قالت فيه ما سبق. شعرتُ بوجعها، وبكيتُ. فحين تصيرُ الفتاةُ أمًّا، لا تنجب طفلًا، بل تنجب دراما حاشدة بالتحولات. في سنوات طفلها الأولى تكون هي كلَّ العالم بالنسبة له. هي الحضن والطعام والدفء. هي الرائحةُ التي يستنشقها ليغفو آمنًا. هي الكلمةُ الأولى التي يسمعها ليتعلم النطق. هي اليدُ التي تمسكه ليتعلّم الخطو. هي الصوتُ الذي يُهدئ خوفه في الليل، والوجه الذي يبحث عنه بين عشرات الوجوه. كلُّ طفلٍ يظن أن أمه موجودة منذ بداية الكون، وأنها ستظل في مكانها تنتظره كلما التفتَ وراءه.
ثم يمارسُ الزمنُ عملَه الأزليَّ، بإتقان وهدوء. يدخل الطفل المدرسة فتشاركه الأمُّ أصدقاءه. ثم يدخلُ الجامعة فتشاركه أحلامَه. ثم العمل، فالحب، فالأسرة. وتتكاثرُ مسؤوليات الحياة حوله كما تشتجرُ الأغصانُ حول جذع شجرة نحيل. عالم بعد عالم، ودائرة وراء دائرة. ومع كل دائرة تتراجع الأمُّ خطوةً إلى الخلف، حتى تختفي تمامًا من المشهد، الذي كانت تحتلّه بكامله يومًا ما.
يحدث ذلك تدريجيًّا قبل اللحظة التي تسمعُ فيها الأمُّ صوتَ الإقصاء الكامل، صوتَ الاستغناء. مكالمات أقصر. تتباعد. أخبارٌ عن ابنها تعرفها من الغرباء. قرارات مصيرية لم تُستشَر فيها. وشيئًا فشيئًا تكتشف أن الطفل الذي كانت تمسك يدَه ليعبر الطريق، أفلتَ يدَها وعبر الحياة وحده، دون حتى أن يلتفت ليرى إن كان بوسعها السير.
هنا ينشأ صراع "المعادلة الصفرية”. الأمُّ تفرح وتتألم، في آن. تفرحُ لأن ابنها اشتدَّ عودُه وصار قادرًا على الوقوف وحده. وتتوجع لأن المكان الذي كانت تملؤه في حياته لم يعد هناك. هي ببساطة نجحت في مهمتها، إلى درجة أن وجودها صار غير ضروري!
هكذا الحياةُ منذ بداية التاريخ. الأبناءُ يبتعدون لينشئوا عوالمهم الخاصة، مثلما فعل آباؤهم وأمهاتهم من قبل مع آبائهم وأمهاتهم. لكن هناك أبناءً نبلاءَ يفوتون على الأمّ هذا الشعور المرير، فيظلون في حياة الأم ويشعرونها بالحاجة إليها، ولو تمثيلا، لئلا تشعرُ الأمُّ بأنها تنزاح ببطء من مركز الصورة إلى أطرافها، ولم يعد أمامها إلا انتظار لحظة سقوطها من الحافة. وفي المقابل، هناك أبناء لا ينتبهون إلى أن الأدوار تتبدل. فاليدُ التي حملته وهو طفل وسندته لئلا يسقط، صارت بحاجة لمن يسندها لئلا تقع. والصوتُ الذي كان يُطمئن كلّ أرجاء البيت، صمت وصار محتاجًا إلى كلمة تطمئنه.
"ماما، لم أعد بحاجة إليك!"، أكثرُ العبارات إيلامًا على وجه الأرض. لا تُقالُ صراحةً. بل تتخفّى في دثار الانشغال، والمكالمات المقتضبة، ونسيان عيد الأم، وتجاهل يوم اجتماع الأسرة.
ورغم هذا، فربما أكونُ من بين أمهات قليلات في هذا العالم يتمنين سماعَ هذه العبارة المؤلمة، من ابن لن يقدر أن يكمل الحياة وحده. أحلمُ بأن يقولها لي "عمر" يومًا. لا قولا، بل فعلا. أحلمُ باليوم الذي يكسر فيه شرنقة "التوحّد"، ويطير دون حاجة إلى أن أمسك يده. أتمنى أن يلوّح لي قائلا: "ماما… لم أعد أحتاج إليك! فامضي في سلام. ولا تخافي عليّ!"، ثم يعبر العالم دون أن يتعثر فيبحث عن يدي. عندها فقط، يكون بوسعي أن أغمض عيني مطمئنةً، وأمضي عن هذا العالم بسلام. مفارقة عجيبة، أن الجملة التي تذبحُ الأمهات، هي حُلمي الأوحد. فحين لا يحتاجني "عمر"، ستكون المعجزةُ قد اكتملت.

***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- علمانيون… حين تموتُ الثقافةُ كمدًا!
- الأضحى… أكبرُ من الخوف
- قشور … سيدة البحار
- -طبلة الستّ-… حلويات مصر… صانعاتُ الفرح
- -توفيق الدقن-… الشريرُ الظريف
- عبدُ الرحمن أبو زهرة
- السَدَنَة!
- كرامةُ الفنّ… وداعًا -هاني شاكر-
- شهاداتٌ عُليا… على رفِّ الانتظار
- “رادار- CIC يرصدُ جرائمَ بلا وجوه
- ابني الصموتُ… ثلاثُ طُرقٍ للعشق
- نخلةٌ … وجَرّةُ ماء
- هل للذكاء الصناعي مشاعرُ؟!
- -اللون الأزرق-… في بيتي زُرقةٌ أخرى!
- تصنيفُ البشر: صُنّاعُ فرح - صُنَّاعُ ويل
- في مكتبة الأسكندرية… -طيف التوحد- يتكلم
- سعفةٌ ذهبية… لقلبِ مصرَ الأخضر
- إعدامُ أسير … ثقبٌ في ضمير العالم
- “دوريس خوري- … عصفورةُ المنفى
- فاجعةُ كرموز… الانتحارُ الممتد


المزيد.....




- بابا الفاتيكان يصف الحرب الصهيوأميركية ضد إيران بأنها -غير ع ...
- من الأسر إلى المنفى: الأسرى المبعدون بين حرية الجسد وغربة ال ...
- حارة المسيحيين في صور.. تاريخ يرفض الإنذار الإسرائيلي ويتمسك ...
- لبنان: المقاومة الإسلامية تعلن شن 25 عملية يوم السبت ضد قوات ...
- بابا الفاتيكان في إسبانيا.. مهاجرون واستقطاب وفضائح مسكوت عن ...
- نزيف الكنيسة مستمر.. لماذا يفقد الألمان إيمانهم؟
- مستشار قائد الثورة والجمهورية الإسلامية علي أكبر ولايتي: مخا ...
- المقاومة الإسلامية: استهدفنا تجمّعاً لآليات وجنود -جيش- الع ...
- كاتدرائية ساغرادا فاميليا، مهاجرون... ما هو برنامج البابا خل ...
- مشروع ثقافي جديد بطنجة.. حركة التوحيد والإصلاح تعيد الاعتبار ...


المزيد.....

- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - ماما… لم أعد بِحاجةٍ إليكِ!