أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - شهاداتٌ عُليا… على رفِّ الانتظار














المزيد.....

شهاداتٌ عُليا… على رفِّ الانتظار


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8699 - 2026 / 5 / 6 - 11:21
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لا أحد ينتبه إلى تلك اللحظة القاسية التي تتحوّل فيها الأحلامُ الوردية إلى عبء ثقيل. لحظة أن يكتشف الإنسانُ أن ما ظنّه سُلّمًا للصعود قد صار مقعدًا للانتظار. ترد إلى صندوق بريدي رسائلُ لا تُحصى من حَمَلة الماجستير والدكتوراه الذين واصلوا الليل بالنهار يحصّلون العلم، ليرسموا على وجوه آبائهم وأمهاتهم ابتسامة الرضا حين يُكلل تعبُهم بوظيفة تليق بكفاحهم ومكاناتهم العلمية. لكن لحظات الفرح تتوقّف عند زغرودة الأمهات في حفلات التخرج، لحظة تحويل عقدة كاب التخرّج بخيوطها من اليمين لليسار، ثم تعقبها شهورٌ وسنوات من الانتظار الثقيل لعمل يردُّ للعلم اعتبارَه، وللعمر بعضَ ما أنفقه في الطريق، إيمانًا بأن التفوق العلمي هو الطريق للحياة الكريمة.
لا يمكن إنكار أن الدولة اليوم تقفُ أمام معادلة صعبة. جهاز إداري مُتخَم، وموازنة مثقلة بالديون، ومسؤوليات مضطردة لا تحتمل مزيدًا من التضخم الوظيفي. فكرة التعيين الشامل لم تعد ممكنة؛ لأن الواقع الاقتصادي لا يسمح بها. لكن الاعتراف بهذه الحقائق لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للصمت، وتجاهل معاناة آلاف وجدوا أنفسهم عالقين بين استحقاقٍ معطّل وواقعٍ لا يجيب. أولئك المنتظرون طاقاتٌ علمية مُعطّلة، من المتفوقين الذين اختاروا طريق البحث والدراسة والابتكار. والخلل يكمن في فجوةٍ تشاسعت بين مُخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. فجوة جعلت بعض التخصصات، خاصة النظرية والإنسانية، أكثر عرضة للبطالة، بينما بقيت مسارات أخرى أكثر مرونة أو ارتباطًا بالسوق.
حين ننظر إلى تجارب دخلت مثلنا في مشكلة الانفجار السكّاني، مثل الصين، لا نجد الحلّ في التوظيف الحكومي، بل في بناء اقتصاد قادر على امتصاص المعرفة وتحويلها إلى إنتاج. منذ إصلاحات "دنغ شياو بينغ"، مهندس النهضة الصينية الحديثة، الذي نقلها من حالة الركود الاقتصادي إلى قوة اقتصادية كبرى، اتجهت السياساتُ إلى خلق فرص عمل في الصناعة والتصدير، وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد، لا العكس. لم يكن الطريق سهلًا ولا خاليًا من الكُلفة، لكنه كان طريقًا واضح الهدف: تشغيل الناس عبر الإنتاج، لا عبر المكاتب. والتجربة ليست بالطبع قابلة للاستنساخ، فلكل بلد سياقه المجتمعي الخاص. لكن السؤال: هل نريد دولة توظّف الشهادات، أم دولة تُشغّل العقول؟
لكن العدل يستوجب الجمع بين: إنصاف الحاضر، وبناء المستقبل. إنصاف الحاضر يقتضي معالجة استثنائية مرهونة بزمن محدد، تفتح بابَ التعيين وفق معايير شفافة تراعي الأقدمية والسن، لا كسياسة دائمة، بل كجسر عبور ينصفُ جيلَ الأحلام المؤجلة الذي انتظر طويلًا. أما بناء المستقبل، فيتطلب إعادة نظر جذريًّا في العلاقة بين التعليم وسوق العمل: توجيه التخصصات، دعم التعليم التطبيقي، تشجيع القطاع الخاص على استيعاب الكفاءات العلمية، وخلق مسارات عمل خارج الإطار الحكومي التقليدي.
الأهم من كل ذلك هو وضوح الرؤية. لأن الغموض وضبابية المستقبل يرهقان المواطن بحقّ، ويُشعره بأنه غيرُ مرئي. من حق المواطن أن يعرف، مبكرًا، أين يقف، وما الذي ينتظره، وما الخيارات المتاحة أمامه في الغد. ذلك كفيلٌ بأن يجعله قادرًا على اتخاذ قرار، بدل أن يظل معلقًا في المنطقة الرمادية بين الأمل المؤجل واليأس غير المكتمل. المسألة ليست صراعًا بين قدرات الدولة وحق الأفراد، بل اختبارٌ لقدرتنا على تحقيق توازن عادل بينهما. فلا الدولة تستطيع أن تتحمل ما يفوق طاقتها، ولا المواطن ينبغي أن يُترك وحده مثقلا بدفع ثمن تحولات لم يكن طرفًا في صنعها.
حَملة الماجستير والدكتوراه يكتبون رسائلهم، لي ولغيري من الكتّاب وعلى صفحاتهم الاجتماعية، لا بحبرٍ أكاديميّ أنيق كما دأبوا، بل بحبرٍ مُرّ مُستقى من محبرة كسر الخاطر وانهيار الحلم، تختلط فيها سنواتُ الجهد الطويل بإحساسٍ موجع بأن الطريق الطويل الذي سلكوه بإيمانٍ وصبر ومثابرة، قد انتهى إلى بابٍ موصد. سنوات من السهر، والبحث، والاقتطاع من العمر لصالح المعرفة، ثم يجدون أنفسهم في مساحة رمادية بين الاستحقاق المؤكد والتأجيل المُبهم. بين ما قيل لهم يومًا عن "قيمة العلم"، والشهادة بوصفها سلاحًا في اليد، وبين ما يواجهونه اليوم على أرض الواقع من تجاهل وتعطيلٍ يفتقر حتى لوعدٍ في غدٍ قريبٍ أو بعيد. إنه سؤال عن قيمة العلم في مجتمعٍ يرفعُ شعار العلم طريقًا للغد. وسؤال عن كيف تدير الدولة طاقاتها العلمية. وسؤال عن العدالة بين أجيال سارت على القاعدة نفسها، ثم فوجئت بأن القاعدة تغيّرت في منتصف الطريق.
احترامُ العلم لا يكون بالشعارات، بل بكيفية التعامل مع أصحابه بما يليق بهم. أولئك المتفوقون الذين يرفعون أصواتهم رفضًا للكسل، لا يطلبون امتيازًا استثنائيًا، بل يطلبون أن يجد علمُهم مكانًا في هذا الوطن. لا أن يبقى معلّقًا على جدار الانتظار، مثلما تُعلَّق شهاداتُهم الرفيعة على جُدُر في الصالونات.



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- “رادار- CIC يرصدُ جرائمَ بلا وجوه
- ابني الصموتُ… ثلاثُ طُرقٍ للعشق
- نخلةٌ … وجَرّةُ ماء
- هل للذكاء الصناعي مشاعرُ؟!
- -اللون الأزرق-… في بيتي زُرقةٌ أخرى!
- تصنيفُ البشر: صُنّاعُ فرح - صُنَّاعُ ويل
- في مكتبة الأسكندرية… -طيف التوحد- يتكلم
- سعفةٌ ذهبية… لقلبِ مصرَ الأخضر
- إعدامُ أسير … ثقبٌ في ضمير العالم
- “دوريس خوري- … عصفورةُ المنفى
- فاجعةُ كرموز… الانتحارُ الممتد
- ماذا يُعذِّبُ المُسنّين؟ دارُ الخصومِ الأربعة
- العيدُ… ونوافذُ مفتوحةٌ على القصف!
- إفطارُ رمضانَ على مائدة -منير غبور-
- الوطنُ للجميع … بأمر الرئيس
- مَن علّمَ الفتى أن يكره؟!
- الحرب!
- عيد ميلاد -عمر-
- الكرامة الشعرية
- كانت لابسة إيه؟!


المزيد.....




- رئيس المؤتمر اليهودي العالمي: أنفقنا 600 مليون دولار ولم ننج ...
- وفد الجمهورية الإسلامية الإيرانية يبحث مع الأمين العام للمنظ ...
- إزاحة الستار عن النسخة العربية من كتاب ذكريات قائد الثورة ال ...
- حرس الثورة الاسلامية ينفذ مناورات -لبيك يا خامنئي- في طهران ...
- أزمة دبلوماسية: سفير الاحتلال بواشنطن يهاجم منظمات يهودية بس ...
- قائد حرس الثورة الإسلامية في طهران الكبرى العميد -حسن حسن ز ...
- فرنسا: الحبس الاحتياطي لتونسي خطط لهجمات تستهدف متحف اللوفر ...
- حرس الثورة الاسلامية يراقب بدقة وحزم كافة التحركات في المنطق ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا بمحلّقة انقضاضيّة آليّ ...
- الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان: أرفع أسمى آيات الشكر للدعم ال ...


المزيد.....

- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - شهاداتٌ عُليا… على رفِّ الانتظار