أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - الكرامة الشعرية














المزيد.....

الكرامة الشعرية


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8633 - 2026 / 3 / 1 - 11:45
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


Facebook: @NaootOfficial
الكلمة ليست موجة شفافة تخرج من أفواهنا، بل كائنٌ حيّ له قدرات سحرية. بوسعها أن تكون يدًا حانية تربتُ على كتفٍ مُنهك، أو عينًا حمراء تُطلقُ الحممَ فتحرق. بوسع اللغة أن تترك أثرًا بلمسة، أو تترك كدمة تحوّل الحملَ إلى ذئب مسعور. في أحد لقاءاتي التليفزيونية، وردت على لساني عبارة "الكرامة الشعرية" في معرض كلامي عن الحدود الأخلاقية للنقد. وطلبت مني المذيعة شرح المصطلح، فوعدتها بتفنيده في مقال. أؤمن أن للكلمة "كرامة"، وليس فقط "معنى ودلالة". والشعرية تعني: القدرة على الشعور بالأثر قبل حدوثه. أي أن يضع المتكلمُ نفسَه مكان الآخر لحظة النطق بالكلمة. وهذا لا يحتاج ثقافة أو بلاغة شعرية، بل ضميرًا حيًّا.
فاللغة ليست محايدة، والاختلاف لا يبرر الإهانة، والنقد لا يمنح صك السحق. وهنا يتجلى الفارقُ بين النبيل والحوشيّ. النبيلُ يرتقي بالكلمة، والحوشيُّ يهبط بها. النبيلُ ينتقد الفكرة دون اغتيال صاحبها، أما السوقيُّ فيروم محوَ الإنسانَ وفكرته. وهنا يطلُّ سؤال: ما الحدُّ الذي إن تجاوزته اللغةُ فقدت أخلاقها؛ وإن ربحت حجتُها؟ هل هناك ميزان يقيس "أثر الكلمات"، على نهج الميزان الفراهيدي الذي يزن "تفعيلات السطر الشعري"؟ ربما، لكن ميزان الأثر أصعب من الميزان الشعري وأشد تعقيدًا. وحدة القياس ليست الحركة والسكون، بل الضمير. القدرة على أن تترك مقعدك وتجلس على مقعد الشخص الآخر، لتشعر بأثر كلماتك على نفسه وروحه.
أتذكرُ أنني سألتُ ابني في طفولته في بداية عام دراسي عن أصدقائه الجدد. فقال: (أحمد، عمر، عبد الرحمن...) فسألته: (معندكش أصحاب مسيحيين؟)، فقال بحماس طفولي: (بالعكس يا ماما، صاحبي الأنتيم مسيحي، بس طيب أوي.) صُعقت من العبارة، فسألته: (لماذا تقول: “بس"؟!) ولم يفهم الصغيرُ مقصدي. فشرحتُ له المعنى اللغوي لـ "لكن" الاستدراكية في اللغة العربية، وفي جميع اللغات. وهي أداة لغوية تُفيد استدراكَ المعنى الأول بمعنىً نقيضٍ له. فما يلي: "لكنْ"، يناقضُ ما قبلها. نقول: عجوزٌ، لكنْ جميلة. نحيفٌ، لكنْ قويّ. فقير، لكنْ سخيّ. فالجمالُ والهِرَم، النحافةُ والقوة، الفقرُ والسخاء، ثنائيات متناقضة، لا يجتمعان في شخص إلا وفصلت بينهما "لكنْ" الاستدراكية. وفي الدارجة المصرية تعادلها كلمة: (بَس). اندهش صغيري وهتف: (كل ده في "بس"؟) وأعلم أنه لم يقصد إساءة، فقد تربّى في مناخ صوفي نبيل لا يعرف التطرف. بل قالها بحكم ما يسمع من الثقافة الشعبوية. كم مرةً قبضنا على أنفسنا نقول بحسن نيّة: (جاري مسيحي، بس طيب!) أو: (طبيبي مسيحي، بس عنده ضمير!) وربما يقول المسيحيون عنّا نفس العبارات، وأيضًا دون قصد سيء. فهي جزءٌ من موروثنا الشعبويّ المترسّب، وعلينا مراجعته. أذكر مقالا كتبه د. "زغلول النجار"، رحمه الله، في جريدة "الأهرام"، قال فيه (إن الإسلام هو الدين "الوحيد" الذي حرّم الربا!)، ولم ينتبه أنه يجرح ملايين المسيحيين بكلمة. فرددتُ عليه بمقال عنوانه: "الفتنةُ في مصر، مَن يوقظها؟"، ساردةً آياتٍ من الإنجيل تساوي المُرابي بالمشرك. لعلّه لم يقرأ إلا القرآن! وهو بذلك مسلمُ "وراثة" مثل مليارات البشر الذين ورثوا عقائدهم عن آبائهم دون فضل لهم ولا اختيار، ثم ينقلبون شرسين عُتاةً يدافعون عن إرثهم، ناهشين لحوم ورثة الإرث المخالف!
الكرامةُ ليست فكرةً أخلاقيةً، ولا شعارًا على لافتة، بل هي فعلٌ لغويّ، ونبرةُ صوتٍ، وطريقةُ نظرٍ إلى الآخر. هنا تصير اللغة امتحانًا للأخلاق. "الكرامة الشعرية" هي أن تختار الدقّة والرقّة بدل الفوضى والقسوة، والاختلافَ بدل الاغتيال. هي أن تكتب أو تتكلم دون أن تُسفك روحًا على الورق. هي الوعي المثقف بأن اللغة، كالسكين: يمكن أن تُعدّ الطعام أو تجرح الجسد.
في ضجيج السوشيال ميديا، صار الصوت الأعلى شجاعةً، والتجريحُ نقدًا. هنا تحديدًا تُصبح "الكرامة الشعرية" فعلَ مقاومة. مقاومةُ لابتذال اللغة، وتحويل البشر إلى ناشنكان نصوّبُ نحوه رصاصَنا بالتراشق اللفظي. الكرامة الشعرية لا تعني تلطيف الحقيقة، بل قولها دون نزع رداء الإنسانية. الكرامة الشعرية هي الفصل بين الفعل وصاحبه. أن تُدين الخطأ ولا تسحق المخطئ. أن تُسمّي القبح قبحًا، بشرط ألا تتورط في القبح. هي القدرة على أن تكون حادًّا لا سوقيًا، غاضبًا لا همجيًا، ناقدًا لا جلادًا. فحين نحترم المختلف، نكون قد منحنا اللغة شرفَها وكففنا عن استخدام اللغة كعقوبة. الكرامة الشعرية تظهر في حديثنا عن المرأة، عن الطفل، عن الآخر العقدي، عن المتوحّد، عن المهزوم، وعن المخطئ أيضًا. ليست الكرامة الشعرية ترفًا ثقافيًا، بل هي أخلاق الحديث والكتابة والحياة. أن تترك للآخر مساحة ليتنفس، وأنت تختلف معه، لأنه لحم وروح، لا جماد.
"الكرامة الشعرية" هي حماية الحوار من الإذلال، واللغة من الابتذال، والإنسان من السحق، والذات من التورط في الوحل. ولهذا فهي أصعب أشكال الكرامة.
***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كانت لابسة إيه؟!
- نصومُ معًا… ونُفطرُ معًا
- شهر رمضان
- التوحُّد… جوقةُ تراتيلَ حول عصفور
- التهمة: مُزعجٌ مثل -ذبابة الخيل-
- “سنووايت-… سنتيمتراتُ تسبقُ ظِلَّها
- ليتكَ شقيقي يا -إبراهيم”!
- في معرض الكتاب… الروايةُ تفتحُ لي بابَها
- ليتنا نكونُ صادقين وشرفاءَ!
- العقلُ …. والثوب!
- “بسمة موسى-… المقاتلةُ بابتسامة
- في سيكولوجيا عقلٍ … يرى الموتَ عقابًا!
- -الفيلسوفة الطفلة- … بقلم الدكتور -مراد وهبة-
- عزاءٌ أسطوريّ ل -سيدة المحبة-
- “ميري كريسماس-… بأمر الحب!
- الأمهاتُ…. ساكباتُ الطِيْب
- وأخيرًا… -الملحدُ- يواجه الجمهور
- الظهير الشعبي للعظماء
- “الشيخ والفيلسوف-… حوارٌ على الحافّة
- -يسرا اللوزي-… درسٌ هادئٌ في الحضارة


المزيد.....




- ما هي أبرز ركائز النظام الإيراني القائم منذ تأسيس الجمهورية ...
- حتى الرمق الاخير.. الجيش الإيراني سيواصل درب قائد الثورة الا ...
- الاحتلال يمنع أداء صلاتي العشاء والتراويح في المسجد الأقصى
- الحكومة الإيرانية تعلن 40 يوماً من الحداد العام بمناسبة استش ...
- إيران تعلن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وتتوعد برد قاسم
- استشهد قائد الثورة الإسلامية في إيران آية الله العظمى الإمام ...
- مقتل علي خامنئي المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران ب ...
- استشهاد قائد الثورة الإسلامية في إيران
- حكم إيران بقبضة حديدية.. من يكون المرشد الأعلى علي خامنئي؟
- وسائل إعلام إيرانية رسمية تؤكد مقتل المرشد الأعلى خامنئي


المزيد.....

- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي
- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - الكرامة الشعرية