أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - العقلُ …. والثوب!














المزيد.....

العقلُ …. والثوب!


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 12:05
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


Facebook: @NaootOfficial

حين تستعيرُ جاكيت صديقك، أو تستعيرين فستانَ صديقتك لحضور مناسبة، لن يبرحَكَِ القلقُ من انكشاف الأمر؛ رغم أن الموضوع بسيط ولطيف ولا غضاضة فيه. فالصديقُ لوقت الضيق. السؤال: لماذا لا ينتابُنا قلقٌ حين نستعيرُ عقولَ الغير لتفكِّرَ لنا؟! رغم أن لا مقارنةَ بين العقل والثوب! الثوبُ زينةٌ، بينما العقلُ هو أغلى وأسمى هدايا الله لنا. جوهرةُ الترقي التي ميزنا بها تعالى عن سائر مخلوقاته. الأداةُ الذهبيةُ التي بها يُختبَر الإنسانُ، ويختارُ، ويتحمّل مسؤولية اختياره. الثوبُ يُقاس على الجسد، لكن العقل يُقاس على الضمير. والرأيُ الذي لا يقوم على معرفةٍ ووعي، يشبه ثوبًا حسيرًا لا يسترُ ولا يُدفئ. العقلُ الأصيلُ يَقلقُ ويُقلِقُ، ينصهرُ في بوتقه التفكير ويُبحرُ في بحار المعرفة، حتى يصفو من ترهّلات التقليد، ليصل إلى مرافئ الحقِّ، رشيقًا.
تاريخُ الفكر الإنساني لم يعرف الوثبات المعرفية الكبرى، بلا قلق. لهذا لم يكن "سقراط" فيلسوفَ "إجابات"، بل رجلَ "أسئلة”. كان يقف في ساحات أثينا ليُربك البديهي، ويُزعج محاوريه بالأسئلة، لا لأنه يجهل؛ بل لرفضه أن يطمئن إلى ما لم يُفحَص. وحين تجرّع السُّمَّ لحظةَ إعدامه، لم يُعاقَب لخطأ، بل لأنه فكّر بصوت عالٍ. فالمجتمع المُقلِّد لا يغفر لمن يرفع المرآةَ ليكشف هشاشته. كذلك كان تلميذُه "أفلاطون". ورث القلقَ المعرفيّ، فلم يكتب تعاليمَ ووعظًا، بل محاوراتٍ تتصادمُ فيها الآراءُ وتتعارك. فالحقيقةُ لا تُسلِّمُ نفسَها لمن ينشدُ الراحة، بل لمن يحتمل القلق. والحقُّ ليس ملكًا لمن يصل أولًا، بل لمن يحتمل وعثاءَ الطريق. في أسطورة "الكهف"، جعل المُصفّدين وجوهُهم إلى الحائط لا يرون الحقيقة، بل ظلالَها، ثم يتوارثُ الأبناءُ تلك الظلالَ باعتبارها الحقيقةَ المطلقة، دون تأمل. فإذا ما كسّر أحدُهم أصفادَه وخرج من الكهف إلى حيث الشمس والشجر والنهر، وعاد ليخبرهم بما رأى، سخروا منه ثم قتلوه. الظلال الزائفة على حائط الكهف كانت رمزًا للعقل المُعار، والنورُ خارج الكهف لم يره إلا العقلُ المغامر. كذلك جعل "أرسطو" الدهشة بدايةَ المعرفة. لكن العقل الكسول يريد الإجابات السهلة، لا مسارات الانصهار والتأمل. يريد "استعارة" الثوب الجاهز، لا غزله خيطًا خيطًا ونسجه وتفصيله.
وفي تراثنا الإسلامي، كان العقلُ هو الطريق إلى الله. لهذا تساءل القرآنُ في عديد المواضع: “أفلا تعقلون؟"، "أفلا يتفكرون؟"، وهذا تحميلٌ أخلاقي لمسؤولية التفكير. ولنا في حكاية أشهر خصمين في التاريخ الإسلامي أنصعُ دليل على حتمية القلق والتأمل طمعًا في الوصول إلى الحقيقة. الإمام "أبو حامد الغزالي"، الذي شكَّ في الحواس والعقل والموروث، خاض رحلة البحث ولم يصل إلى مرفئ اليقين إلا بعد فقدِه. فالدين دون تأمُل محضُ عادةٍ، لا إيمان. وخصمه الفكري: الفيلسوف "ابن رشد" الذي رأي أن تعطيل العقل خيانةٌ للنص، فدافع عن الفلسفة وقدرتها على استكشاف الحقائق ونسْج التوافق بين العقل والدين. ورغم خلافهما التاريخي، اتفقا على أن العقلَ أداةُ التأمل والتفكُّر لا التقليد الأعمى، وأن الوصول إلى اليقين حتمًا يمرّ عبر بوابة التأمل والنقد، والتثبت الشخصي. وكانت مباراةً لا "تهافُتَ" فيها، بين عقول حرّة ترفض التقليد والتدجين. ودفع "ابن رشد" فاتورة التفرّد فكُفِّر ونُفِيَ؛ لأن السؤال الصعبَ لا تحتمله العقولُ الكسولة.
اليوم، لم نعد نُكفّر الفلاسفةَ وحسب، بل صِرنا نزدريهم قبل أن نسمعهم. نجهلهم ونتجاهلهم ونُطلق سهامَنا صوب صدورهم. نُقصي السؤالَ، ونكافئ الترديد. نستسهل الرأي الجاهز لأنه يريحنا من عناء التفكير، ويأسرنا داخل سرب محميّ بالإجماع، على عكس ما أوصانا اللهُ. ويفسِّر علمُ النفس هذا الميلَ للتقليد والببغائية وكراهة التفكير. فالعقل البشري يبحث عن الأمان، والفكرة الجاهزة تمنحه الشعور بالأمان والانتماء. بينما التفكير الحرّ يضعه في عزلة. لكن هذه العزلة هي ثمن النضج. في هذا يقول "كانط": "القصورُ العقلي هو عجزُ الإنسان عن استخدام عقله دون توجيه من الآخرين.”
مخيفٌ ما نرى على وسائل التواصل الاجتماعي من سخرية وازدراء للمفكرين والفلاسفة، بدل احترامهم وتأمل فكرهم علّ به ما يضيء العقل! ترى شخصًا يخطئ في الإملاء، يسخر من فيلسوف عملاق احترمه العالمُ وأجلّه! هل قرأ له حرفًا؟! كيف نُدين دون أن نسمع ونقرأ؟! كيف سمحنا للرأي الُمعلّب أن ينتشر، والفكرة المتأنية أن تُستبعد؟! لماذا صار العقلُ عبئًا، والتقليدُ المستعارُ مريحًا؟! التاريخُ لم يتقدّم بالعقول المريحة المطمئنة، بل بالعقول القلقة. والتفكيرُ ليس ترفًا ثقافيًا، بل مسؤولية أخلاقية. لأن من لا يفكر بنفسه، يُفكَّر له، فيلبسُ ثوبًا لا يسترُ عواره. متى ندرك أننا لسنا بحاجة إلى إجابات، بل إلى جسارة السؤال؟ إلى عقول تحتمل القلق، ولا تهرب منه؟ فالعقل الذي يحتمل التفكير، هو وحده القادر على أن يحتمل الحرية.


***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- “بسمة موسى-… المقاتلةُ بابتسامة
- في سيكولوجيا عقلٍ … يرى الموتَ عقابًا!
- -الفيلسوفة الطفلة- … بقلم الدكتور -مراد وهبة-
- عزاءٌ أسطوريّ ل -سيدة المحبة-
- “ميري كريسماس-… بأمر الحب!
- الأمهاتُ…. ساكباتُ الطِيْب
- وأخيرًا… -الملحدُ- يواجه الجمهور
- الظهير الشعبي للعظماء
- “الشيخ والفيلسوف-… حوارٌ على الحافّة
- -يسرا اللوزي-… درسٌ هادئٌ في الحضارة
- -محمد صبحي-… والمُخرِصون!
- المعلّمة الجميلة!
- على هامش -الدهشة-!
- -صبحي-… المايسترو يشرقُ في -الأمم المتحدة-
- -أم كلثوم-… المسرحُ في أَوجِه
- أندهشُ … حين لا أندهشُ
- “فيروز-… ما نجا منّا
- الجميلة -حور محمد-… وجهُ الشمس
- سلفيون … ولاهون… وبينهما متحف!
- الفارسةُ … -يسرا-


المزيد.....




- نائب قائد حرس الثورة الاسلامية: إنشاء -القبة الذهبية- هي عسك ...
- كوبا: سندافع عن سيادتها بنفس الروح التي دافع بها الفلسطينيون ...
- الحكومة السورية تمدد وقف إطلاق النار مع -قسد- 15 يوماً دعماً ...
- -الهلال الأسود-.. كيف قاد المسلمون الأفارقة ملاحم الصمود وال ...
- السيسي: لم أستهدف دماء أحد.. و-الإخوان هم من بدأوا العنف- في ...
- ديوان السودان.. مكانة الخلاوي الدينية والاجتماعية في السودان ...
- القدس في الوعي العربي من الرمز الجامع إلى الاستهلاك الخطابي ...
- كيف سيتعامل لبنان مع إدراج الجماعة الإسلامية على لائحة الإره ...
- نقل عناصر تنظيم -الدولة الإسلامية- من سوريا إلى العراق: ما ا ...
- قرار فرنسا بشأن الإخوان يفتح النقاش بشأن -الكيانات الغامضة- ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - العقلُ …. والثوب!