أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - “بسمة موسى-… المقاتلةُ بابتسامة














المزيد.....

“بسمة موسى-… المقاتلةُ بابتسامة


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8594 - 2026 / 1 / 21 - 11:58
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مشَتْ على زجاجِ الوطن حافيةً
فجرحتها شظايا الفُرقةِ والإقصاء.
طبيبةُ الفَمِ التي علّمتنا
أن الفمَ المغلقَ شريكٌ في الجريمة.
أصلحتْ عظامَ الوجوه المُهشّمة
لكن يدَ الظلام كسّرتْ ملامحَها في الدفاتر
ومَن يُطبِّبُ وجهَ العدالة؟
رحلتْ
لكن ظِلّها ما زال يمشي في ممرّاتِ الحقِّ الضيّقة
يدقُّ الأبوابَ ويقرعُ النواقيسَ
حتى يتعلّمَ الصخرُ أن يتنفس بحُريّة ودون وصاية.
***
بالأمس حضرنا حفل تأبين الدكتورة "بسمة موسى"، أستاذ جراحة الفم والوجه والفكين بكلية طب الأسنان، جامعة القاهرة. طبيبة لامعة، وناشطة مدنية قسطت حياتَها بين العيادة وقاعة الدرس، وبين الدفاع الهادئ عن حرية الاعتقاد وحقوق المواطنة المتساوية، قبل أن تودّعنا في نوفمبر ٢٠٢٥ بعد رحلة طويلة من التحديات المريرة، والانتصارات الصغيرة في وجه التمييز العَقَدي. لم تمُت الدكتورة "بسمة" رحمها الله بسبب المرض فقط، ولا بسبب سنوات العزلة التي قضتها اختيارًا بعيدًا عن الناس في أواخر حياتها، بل كذلك لأنها عاشت تحت ضغط أعراف إقصائية تُرهق المختلفَ حدَّ الإنهاك. رغم أن كتابَ الله واضحٌ حين يقول: “ولو شاءَ ربُّكَ لجعلَ النَّاسَ أُمَّةً واحدةً ولا يزالونَ مختلفين" هود ١١٨.
كانت طبيبة مميزة نذرت عِلمها وعُمرها لتخفيف آلام المرضى، ومعالجة وتقويم الوجوه، بينما ظلّت يدُ التطرف تحاول كسر وجهها كل يوم لأنها "بهائية”. لم أية امتيازات، بل طلبت أبسط حقوق الإنسان التي يكفلها الدستورُ: أن تُكتب في دولتها كما هي دون نفاق ولا تقيّة. أن تُحيا بما تؤمن، وتُعامل كمواطنة لا كاستثناء، وأن تجد مقبرةً تضم جسدها بعد الرحيل.
بعد تخرجها بتفوق من كلية طب الأسنان بجامعة القاهرة، واجهتْ مصاعبَ وعراقيلَ أكاديمية غير مبررة في مسار الماجستير والدكتوراه. شهد زملاؤها بمحاولات عرقلة مسيرتها الأكاديمية، لولا تدخل إدارة الجامعة لإنصافها. ورغم تلك الحياة الحافلة بالنضال ضد التهميش والظلم، لم تفقد عذوبة حضورها ولا ابتسامتَها الشهيرة التي يعرفها مرضاها وتلاميذُها وجميعُ من اقترب من عالمها. كانت تحاربُ "الظلم" بسلاح "الابتسامة"، لا بالهتاف والصراخ والشكوى، تمامًا مثلما عاش الفنان المصري العالمي "حسين بيكار" يحارب الإقصاءَ بالريشة والعود.
"بيكار" الذي تربَّينا، نحن أبناءَ السبعينيات والثمانينيات، على ريشته وألوانه قبل أن نتعرّف على اسمه أو اسم الوطن. سكنت رسوماتُه الجميلة صفحات كتب المدرسة كطيورٍ ملونة تكاد تصدحُ من قلب الورق، تُعلّمُنا الرقّة والخيال والرحمة. بفضل ريشته تعلّمنا أن الوجه الإنساني يمكن أن يكون حكاية، وأن الخط البسيط قادر على حمل قيمة الأخلاق. كبرنا على رسوماته وأدركنا أن الفنَّ ليس زينةً، بل تربيةٌ للضمير. “بيكار": رسم الوجوه لنتعرف على وجه الإنسانية، و"بسمة": رمّمت العظامَ لتصون وجه الإنسانية. كلاهما صنع معجزته تحت ضغط الإقصاء وعذاب رفض الاختلاف الذي هو سُنّة الله في خلقه. وهي الدوامة نفسها التي يعيشها كل بهائي يحاول استخراج شهادة ميلاد أو بطاقة أو وثيقة زواج. منهم أستاذة جامعية، رفيعة المقام، عالية الثقافة، تجاوزت السبعين من عمرها، وصارت جدّة، ومع هذا مازالت تحمل لقب "آنسة!" في بطاقتها الشخصية: الدكتورة "سوسن حسني".
ووفق تقارير حقوقية موثقة، عاش البهائيون كوابيسَ مرعبة عام ٢٠٠٩ في قرية "الشارونية"من إحراق بيوتهم وتهجيرهم قسرًا، ومازالوا يعانون كابوسًا مخيفًا حين لا يعرفون أين سيدفنون موتاهم لأن المقبرة الوحيدة المخصصة لهم في القاهرة، وقد امتلأت، وغير مصرح لهم تشييدُ مقابرَ أخرى في المحافظات؛ ما يضطرهم لنقل الجثامين مئات الكيلومترات لدفنها. هذه الجملة التي تُكتب في ثوانٍ في مقال كهذا، هي في واقعها عذابٌ مقيم وضغطٌ نفسي يعيشه أشقاءٌ لنا في الوطن، لهم، بنصِّ الدستور، كاملُ حقوق المواطنة، لكن الأعرافَ الإقصائية وأبواقَ التطرف تضنُّ عليهم بحقوقهم البسيطة. هذا الإقصاء لا ينسجم مع دولة تتبنى مفهوم المواطنة والمدنية. فالدينُ شأنٌ خاصٌّ بين الإنسان وربّه، أمّا المواطنة فهي الشأنُ العام والمظلة التي ينبغي أن تتسع لجميع أبناء الوطن.
نخطئ أخلاقيًّا حين نعتبر معاناة أشقائنا البهائيين "قضية أقلية". فالمواطنون ليسوا "أقليةً" مهما قلَّ عددهم. إنما هي قضية مصر مع نفسها. قضية ترفع إصبع الاتهام في وجوهنا وتتساءل: هل نحن وطن للمواطنين، أم نادٍ للمتشابهين؟ المجتمعاتُ التي لا تحترمُ التعددية وحقَّ الاختلاف، محكومٌ عليه بالشقاق والتفسّخ. ومصرُ في "الجمهورية الجديدة" ودّعَتْ تلك الآفات المريضة التي عفا عليها الزمنُ.
رحم الله الدكتورة "بسمة موسى" التي لم تمُتْ، بل ماتت الورقةُ التي أرادت محوها.

***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في سيكولوجيا عقلٍ … يرى الموتَ عقابًا!
- -الفيلسوفة الطفلة- … بقلم الدكتور -مراد وهبة-
- عزاءٌ أسطوريّ ل -سيدة المحبة-
- “ميري كريسماس-… بأمر الحب!
- الأمهاتُ…. ساكباتُ الطِيْب
- وأخيرًا… -الملحدُ- يواجه الجمهور
- الظهير الشعبي للعظماء
- “الشيخ والفيلسوف-… حوارٌ على الحافّة
- -يسرا اللوزي-… درسٌ هادئٌ في الحضارة
- -محمد صبحي-… والمُخرِصون!
- المعلّمة الجميلة!
- على هامش -الدهشة-!
- -صبحي-… المايسترو يشرقُ في -الأمم المتحدة-
- -أم كلثوم-… المسرحُ في أَوجِه
- أندهشُ … حين لا أندهشُ
- “فيروز-… ما نجا منّا
- الجميلة -حور محمد-… وجهُ الشمس
- سلفيون … ولاهون… وبينهما متحف!
- الفارسةُ … -يسرا-
- على أبواب المتحف… كلُّنا مصر


المزيد.....




- عاجل | مراسل الجزيرة: مستوطنون يقتحمون المسجد الأقصى بحماية ...
- العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد
- مدفوعة بتسهيلات ضريبية.. تزايد ملحوظ في هجرة يهود بريطانيا إ ...
- دراسة أميركية تربط حل أزمة السودان بكسر قبضة -الإخوان-
- مدير الحرم الإبراهيمي يروي تفاصيل إبعاده عن المسجد
- مدير الحرم الإبراهيمي يروي تفاصيل إبعاده عن المسجد
- سوريا: فشل جديد للمفاوضات بين دمشق و-قسد- وقلق حول مصير سجنا ...
- حرس الثورة الاسلامية يعلن اعتقال اعضاء خليتين ارهابيتين بمحا ...
- مجسّم المسجد الأقصى في طرابزون.. رسالة تضامن تركية مع القضية ...
- سوريا: فرار العشرات من عناصر تنظيم -الدولة الإسلامية- من سجن ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - “بسمة موسى-… المقاتلةُ بابتسامة