أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - في سيكولوجيا عقلٍ … يرى الموتَ عقابًا!














المزيد.....

في سيكولوجيا عقلٍ … يرى الموتَ عقابًا!


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8591 - 2026 / 1 / 18 - 12:02
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


Facebook: @NaootOfficial

أكتبُ هذا المقال بعد هوجة الهرج والمرج الساذجة التي أطلقها المتشددون مع شائعة موت المفكر والكاتب التنويري "إبراهيم عيسى" في حادث سير. وأن موته عقابٌ له على فيلم "الملحد"، الذي هو بالحقّ دعوةٌ ناصعةٌ للإيمان بالله دون وصاية ولا جبر. وحسنًا قال إنه سوف يُفلِسُهم في الآخرة، مثلما أفلَسَهم في الدنيا.
مُنتهى التدنّي الأخلاقي والضحالة الفكرية أن نتمنى الغيابَ لمن يختلفُ معنا، بدلا من تأمُّل الاختلافِ في الرأي بوصفه ثراءً معرفيًّا، وسِعةً إنسانية، وسُنّة من سُنن الخلق: ولو شاء اللهُ لجعلنا فكرًا واحدًا، وشكلا واحدًا، وطبقة واحدة. منتهى الضعف والصِغَر أن نرتاح لفكرة أن "الآخرَ" يجب أن يُمحى كي نشعرَ بالأمان. ولهذا، حين يموتُ مَن نختلفُ معه، نسارعُ، بمنتهى المراهقة الأخلاقية الفاضحة، إلى تفسير موته بوصفه "عقابًا"؛ لأننا نحتاج أن نطمئن أن النظام الكوني يعمل لصالحنا!
العقلُ الغافلُ وحده يرى الموتَ انتقامًا، لأنه لا يعرف من الله إلا "المُعذِّب"، ولا يرى من الوجود إلا دفترَ جزاءات. أما القلبُ "العارفُ"، فيرى الموتَ لقاءً بالجمال المطلق، لا محكمةَ عذاب؛ خروجًا من الضيق إلى السِّعَة، لا سقوطًا من حالق؛ نداءً حانيًا من الرفيق الأعلى، لا صفعةَ تنكيلٍ ووعيد. فالإله الذي تحدَّث عنه العارفون، ليس جلادًا، بل حِضنٌ وأمانٌ وسكَن. ليس جلادًا قاسيًا ينتظر زِلّة، بل معنًى رحيمًا ينتظرُ رجوعَ الأوّابين. أما صغارُ النفوس ضِحالُ الفكر فيرسمون لله، حاشاه، صورةً تشبههم: سريعَ الغضب، انتقاميًا، ضيّقَ الصدر.
الذين يشمتون في موت المختلف معهم لا يعاقبونه في الواقع، بل يكشفون فزعهم الداخلي ويفضحون جهلهم بفكرة الخلق. يرون الموتَ شُرطيًّا كونيًّا يصفعُ خصومَهم نيابةً عنهم، وبهذا يشوّهون منطق الوجود، ومنظومة الحياة كما أرادها اللهُ تعالى بحكمته وسعته.
وكتابُ التاريخ في جميع صفحاته يُكذِّب تلك الخرافةَ الساذجة. الأنبياءُ ماتوا، والقديسون ماتوا، العلماءُ والجهلاءُ ماتوا، المُعمّرون والأطفالُ ماتوا، الطيبون والطغاةُ ماتوا، والقتلةُ ماتوا مثلما أماتوا قتلاهم، بعضُهم فجأةً، وبعضهم ببطء، بعضهم على فراشه الوثير، وبعضهم في حفرة. الموتُ لا يفرّق بين طيب وخبيث، لأنه ليس أداةَ فرزٍ أخلاقي، بل قانونٌ وجودي وحكمةٌ إلهية لا يدري أسرارَها إلا صانعُها. الفرزُ في الضمائر، لا في المقابر.
الخوفُ من الموت ليس رعبًا من الفناء. بل خوفٌ من سقوط السيطرة. الإنسانُ بطبيعته يريد أن يُمسك بكل شيء: تفسيره ومعناه، سببه ونهايته. يريد أن يحوّل الغموضَ إلى معادلة مفهومة، والقدرَ إلى دفتر حساب. والأخطرُ أنه يختزل صورة الإله في آلية ثواب وعقاب، كأنه تعالى منظومةٌ جزائية لا معنى رحيم حكيم يعلم ما استعصى علينا علمُه. وحين يعجز الإنسانُ عن الإمساك بالموت، يؤدلجه، يربطه بسلوك، يجعله مفهومًا عقابيًّا لاشرطًا وجوديًّا. هكذا يتحوّل الموتُ، في الوعي الكسول، إلى عصا تُرفع في وجه المختلف، بدل أن يكون مرآة تُرفع في وجه الذات.
ربطُ الموتِ بالعقاب ليس موقفًا دينيًا، بل استجابةٌ نفسية عميقة للخوف. الإنسانُ، حين يعجز عن احتمال فكرة أن الوجود أعقدُ من منطقه، وأوسع من فكرته المُبسّطة عن العدالة، يحاول إعادة تشكيل العالم في صورة بسيطة يمكنه فهمها والسيطرة عليها. فيحوّلُ الكونَ إلى قصة "كارتونية" واضحة: خيرٌ يُكافأ، شرٌّ يُعاقَب، وأحداثٌ لا تقع إلا "لسبب مباشر فوري" بوسعنا استيعابه وتسميته وتداوله وتحويلة إلى حكايا سمر.
هذا الجوعُ للطمأنة النفسية يحتاج إلى رسم عالم مُسطَّح تُحسَمُ فيه القضايا الخلافية وتُغلق الأسئلةُ المفتوحة فور طرحها. لأن احتمال أن تظل الحقيقةُ مراوِغةً أصعب من قدرة هذا العقل على الاحتمال. هذا العقلُ الكسولُ يرسمُ سيناريوهاتٍ مريحةً يمكن روايتُها في جملة عقابية توهمه أن الوجودَ يأتمر بأمره. وهذا يتناقضُ مع لغة الإيمان الديني، والطرح الفلسفي كذلك. فالحديثُ الشريف يقول إن الأنبياءَ هم "أشدُّ الناس ابتلاءً ثم الأمثل فالأمثل"، أي أن الصلاح لا يُكافأ بالراحة، بل بالثِقَل والهَّمّ وعسر الحياة. كذلك مبدأ "الكارما" لم يتحدث عن عقاب مرئي وصفعة فورية، بل عن توازن أخلاقي قد يتحقق في أزمنة مختلفة وسياقات لا نراها. توازنٌ يعمل ببطء الكون لا بسرعة الغضب.
أمّا الموت في التصوف فليس خسارةً، بل استعادةٌ. ليس عقوبةً، بل استردادٌ للوديعة. ليس مَحوًا، بل خروجٌ من ضيق الشكل إلى سعة الحقيقة. نحن لا نخسرُ مَن يموت، نحن نتركه يسبقنا إلى حيث لا خصومة، ولا جدل، ولا شتم، ولا شماتة؛ بل وضوحٌ كامل وإشراقٌ مُتمَّم. أما العقلُ الكسول فيخافُ الموتَ لأنه لا يعرف ماذا يكون بعد الأسماء. يخافُ اللحظة التي يسقط فيها من لقبه، من صورته، من سيرته الذاتية ومكانته الاجتماعية، ليقف عاريًا أمام المعنى وحده.
***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -الفيلسوفة الطفلة- … بقلم الدكتور -مراد وهبة-
- عزاءٌ أسطوريّ ل -سيدة المحبة-
- “ميري كريسماس-… بأمر الحب!
- الأمهاتُ…. ساكباتُ الطِيْب
- وأخيرًا… -الملحدُ- يواجه الجمهور
- الظهير الشعبي للعظماء
- “الشيخ والفيلسوف-… حوارٌ على الحافّة
- -يسرا اللوزي-… درسٌ هادئٌ في الحضارة
- -محمد صبحي-… والمُخرِصون!
- المعلّمة الجميلة!
- على هامش -الدهشة-!
- -صبحي-… المايسترو يشرقُ في -الأمم المتحدة-
- -أم كلثوم-… المسرحُ في أَوجِه
- أندهشُ … حين لا أندهشُ
- “فيروز-… ما نجا منّا
- الجميلة -حور محمد-… وجهُ الشمس
- سلفيون … ولاهون… وبينهما متحف!
- الفارسةُ … -يسرا-
- على أبواب المتحف… كلُّنا مصر
- مصرُ… التي من أجلها تُشرقُ الشمسُ


المزيد.....




- توسع استيطاني في الضفة.. الكشف عن مشروع جديد لقطع التواصل بي ...
- قائد الثورة الإسلامية يعرب عن تعازيه بوفاة آية الله السيد ها ...
- كنائس القدس ترفض التدخلات الخارجية وتحذر من الصهيونية المسيح ...
- حقوق المسيحيين في إيران
- بالصور.. قبة الصخرة بالمسجد الأقصى من الداخل
- المرشد الأعلى الإيراني يقر بمقتل الآلاف في المظاهرات
- قائد الثورة الإسلامية الإمام الخامنئي يستقبل جمعا غفيرا من ...
- قائد الثورة الإسلامية: نعتبر الرئيس الأمريكي مجرما بسبب الاف ...
- قائد الثورة الإسلامية: نعتبر ترامب مجرما بسبب الأضرار التي أ ...
- اعتراف مرشح يهودي للكونغرس بوقوع الإبادة الجماعية في غزّة 


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - في سيكولوجيا عقلٍ … يرى الموتَ عقابًا!