أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - العيدُ… ونوافذُ مفتوحةٌ على القصف!














المزيد.....

العيدُ… ونوافذُ مفتوحةٌ على القصف!


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 12:04
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


Facebook: @NaootOfficial

هذا عيدُ الفطر المبارك، أعاده اللهُ على مصرَ والدنيا، بالسلام والأمان، ونُصرة المظلوم وكفّ الظالم وشفاء المريض، وتطييب قلوب الثكالى والأرامل والأيتام. يزورنا العيدُ والعالم يتأجج حروبًا ومكائدَ وويلاتٍ. فلله الأمرُ من قبل ومن بعد. عيدُ الفطر هذا العام لا يطرقُ أبوابَنا بالصخب الجميل الذي عهدناه، بل يأتي خفيضَ الصوت، كأنما يعتذرُ عن بهجته، أو كأنما يختبر قدرتنا على الفرح به أمام أوجاع المأزومين. نمدّ أيادينا لنستقبله، وفي داخلنا سؤالٌ يمور: هل يجوز للفرح أن يكتملَ في عالمٍ يتكسّر على هذا النحو المخيف؟
يقول "الحلاج"، شهيدُ العشق الإلهي: “إذا بلغ العبدُ حقيقةَ الصوم، صار بلا ذات”، أي تذوبُ ذاتُه وتفنَى، ويعودُ الإنسانُ إلى أصله الروحاني النقيّ. فالصومُ عند أهل التصوّف ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل انقطاعٌ عن كل ما يشغل القلبَ عن الحبّ المطلق والمحبوب الأزليّ. الصومُ هو تحرّرنا من ثِقل أجسادنا وعلوّنا وتسامينا وفناؤنا في عشق الله، ومحبة خلق الله. والفناء الذي تحدّث عنه ليس انمحاءً، بل تحرّرٌ من الأثقال التي تُكبّل الروح، حتى تصير شفافةً قادرةً على رؤية العالم بعين الرحمة لا بعين المصالح والامتلاك والاستقواء. الصوم، في جوهره العميق، ليس جوعًا للجسد، بل ارتواءٌ للروح من نبع النقاء، وتخفّفٌ من ضجيج الأنا، حتى إذا بلغنا العيدَ، لم نبلغه بوصفه طقسًا دينيًّا فحسب، بل بوصفه لحظة امتحان: ماذا تبقّى فينا من إنسانيتنا بعد رحلة التجريد تلك؟
يأتي العيدُ هذا العام، والعالمُ من حولنا مثخنٌ بالجراح. مدنٌ تُطفأ أنوارُها على أصوات القصف، وبيوتٌ تُهدم فوق أحلام ساكنيها، وأطفالٌ يفتحون أعينهم على الفقد قبل أن يتعلّموا نُطق الكلمات. في مثل هذا العالم، لا يعود الفرحُ بريئًا كما كان، بل يصبح سؤالًا أخلاقيًا حادًّا: كيف نفرحُ وهناك مَن لا يجد ما يُفطر عليه، بل لا يجد بيتًا يعود إليه.
ومع هذا، فالعيد في جوهره، لم يكن يومًا احتفالًا ساذجًا معزولًا عن الألم، بل كان وسوف يظل فعلَ مقاومةٍ إنسانية ضد القسوة والبطش. فأن نُشعل شمعةً في عتمة العالم ليس تجاهلًا للظلام، بل اعترافٌ به، ومحاولةٌ عنيدة ألا نسمح له بابتلاع كل شيء. الفرحُ هنا لا يكون نقيضَ الحزن، بل رفيقه الذي يُخفّف وطأته.
في البيوت، ما زالت الأمهات يعجنّ ويخبزن كعك العيد، لكن عجينهن هذا العام مرشوشٌ بطبقة من القلق. رائحةُ السمن والسكر تختلط في الهواء بأسئلةٍ حبيسة القلوب. الأطفالُ يفرحون بثيابهم الجديدة، يركضون بين الغرف، يختبرون العالم بخفّةٍ لم تعرف بعدُ معنى الخراب. ونحن، الكبار، نقف على حافة المشهد، نحاول أن نحمي تلك الفقاعة الصغيرة من الفرح، ولو لساعاتٍ، كأننا نُخبّئ قطعةً من الضوء في جيب الزمن المعتم.
أتذكّر، كما في كل عيد، بيت جدتي، ذلك المسرح الدافئ الذي كانت تُدار عليه طقوس الفرح ببساطةٍ ورهافة. هدايا العيد، العيديات من الأوراق النقدية الجديدة، ضحكاتنا التي تسبق خُطانا، وحيلنا الطفولية لتبديل الهدايا بعيدًا عن صرامة قرارات الكبار. لكن الذكرى هذا العام لا تأتي وحدها، بل تصحبها ظلالُ قلقٍ، ومسافةٌ أوسع بين ما كنّا عليه وما صرنا إليه. وكأن الزمن لا يسرق أعمارنا فقط، بل يُعيد تشكيل معنى الأشياء في داخلنا، ويغرسُ فينا بذرة الخوف على صغارنا من الغد الغامض.
لهذا، يصبحُ العيدُ الآن دعوةً لاستعادة المعنى لا المظهر. أن نُعيد ترتيبَ قلوبنا قبل أن نُرتّب العيديات في أظرفها. أن نتذكّر أن للفرح حقًا علينا كما أن للحزن مكانًا في العالم. أن نُدرّب أنفسَنا على اتساعٍ إنسانيّ يجعلنا قادرين على أن نحتفل ونواسي في اللحظة نفسها.
علّمني أبي المتصوّفُ، رحمه الله، أن للفقير نصيبًا في كل ما نملك، بوصفه حقًّا أصيلا، لا فضلًا ولا كرمًا. وأظن أن هذا الدرس قادرٌ أن يتّسع اليومَ ليشمل العالمَ كله: أن للمتألمين نصيبًا في أفراحنا، ليس لأننا نُشركهم فيها، بل لأننا نُهذّبها بهم، فنُعيدها إلى إنسانيتها الأولى. العيدُ ليس ضحكةً عالية تُغلق آذانها عن أنين الآخرين، بل ابتسامةٌ تعرفُ ما وراء الأبواب من وجع. العيدُ ليس زينةً نعلّقها على جدران الأيام، بل معنىً نحمله في قلوبنا، فنصير به أقدر على أن نكون بشرًا طيبين.
هكذا يأتي عيد الفطر هذا العام: أقلَّ صخبًا، وأكثر عمقًا. أقلَّ بهرجةً، وأكثر صدقًا. كأنه يهمس لنا: ليس المطلوب أن تفرحوا كما كنتم، بل أن تفهموا الفرح من جديد. كل عامٍ ونحن أوسعُ قلبًا، وأكثرُ رحمةً، وأشدُّ تمسّكًا بإنسانيتنا، في عالمٍ يختبرُ كلَّ يوم سعةَ قلوبنا ورهافتها.
***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إفطارُ رمضانَ على مائدة -منير غبور-
- الوطنُ للجميع … بأمر الرئيس
- مَن علّمَ الفتى أن يكره؟!
- الحرب!
- عيد ميلاد -عمر-
- الكرامة الشعرية
- كانت لابسة إيه؟!
- نصومُ معًا… ونُفطرُ معًا
- شهر رمضان
- التوحُّد… جوقةُ تراتيلَ حول عصفور
- التهمة: مُزعجٌ مثل -ذبابة الخيل-
- “سنووايت-… سنتيمتراتُ تسبقُ ظِلَّها
- ليتكَ شقيقي يا -إبراهيم”!
- في معرض الكتاب… الروايةُ تفتحُ لي بابَها
- ليتنا نكونُ صادقين وشرفاءَ!
- العقلُ …. والثوب!
- “بسمة موسى-… المقاتلةُ بابتسامة
- في سيكولوجيا عقلٍ … يرى الموتَ عقابًا!
- -الفيلسوفة الطفلة- … بقلم الدكتور -مراد وهبة-
- عزاءٌ أسطوريّ ل -سيدة المحبة-


المزيد.....




- في اليابان.. أصبحت الأمور خارجة عن السيطرة في هذه الجنة الثل ...
- لبنان.. المقاومة الإسلامية تستهدف قاعدة الدفاع الجوي في حيفا ...
- تحذيرات من تقييد شعائر المسيحيين في القدس بعد إغلاق كنيسة ال ...
- حرس الثورة الاسلامية: في عملية خاطفة ومستمرة، وتلت مباشرة مو ...
- حرس الثورة الإسلامية: دمرنا نقاطاً أخرى في قواعد الجيش الأم ...
- المسلمون يحتفلون بعيد الفطر وسط استمرار حرب الشرق الأوسط
- المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء: لقد تحوّلت شجرة الثورة الإس ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا تجمعاً لجنود وآليات - ...
- الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان للدول الإسلامية والجارة: أنتم ...
- الرئيس بزشكيان للدول الإسلامية والجارة: المستفيد الوحيد من ...


المزيد.....

- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي
- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - العيدُ… ونوافذُ مفتوحةٌ على القصف!