أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - الوطنُ للجميع … بأمر الرئيس














المزيد.....

الوطنُ للجميع … بأمر الرئيس


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8647 - 2026 / 3 / 15 - 12:02
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


Facebook: @NaootOfficial
على مدار العام الذي اختطف فيه الإخوانُ عرشَ مصر، وطوال فترة "اعتصام المثقفين" التي أفضت إلى "ثورة ٢٠١٣" الخالدة، سمحتُ لنفسي بتعديل شعار "ثورة ١٩" لأختتمَ جميعَ مقالاتي بجريدة "المصري اليوم " بهذه العبارة: “الدينُ لله، والوطنُ لمَن يحبُّ الوطن". فالدولةُ، كما أفهمُها، بيتٌ كبير، سقفُه القانون، وأعمدتُه العدالة، وأرضيتُه الكرامة الإنسانية، وجدرانه المحبة والتحضر والعمل والتعاون على النهوض بالوطن. بيتٌ يدخلُه الجميع بأسمائهم لا بمللهم، بوطنيتهم وانتمائهم لا بطوائفهم، بإنسانيتهم وعلمهم وعطائهم لا بعقائدهم.
فحين نتأملُ فكرة "الدولة" في معناها العميق، نجدُها فكرةً أخلاقية قبل أن تكون فكرةً سياسية. الدولة ليست جماعةً دينية، ولا ناديًا عَقَديًّا، ولا حزبًا طائفيًّا. الدولةُ مساحةُ العيش المشترك، حيث يتجاور المختلفون كما تتجاور الأشجارُ في الغابة: لكل شجرةٍ شكلُها، ولكلٍّ جذورُها، لكن ظلال جميع الأشجار تتقاطع في النهاية؛ لتظلِّلَ الجميع، دون يمييز.
من هنا جاءت كلمات الرئيس "عبد الفتاح السيسي" في حفل إفطار "أكاديمية الشرطة" واضحةً وبسيطة في آن:
“الدولة فيها ناس مسلمة ومش مسلمة، وناس مؤمنة ومش مؤمنة. هل الدولة معمولة لحد لوحده؟ الدولة معمولة لكل الناس. عايز نعمل ممارسة دينية تقدم فهمك للدين بشكل كويس. الدولة مش معمولة للمسلمين بس، معمولة لكل الناس.”
هذه الفكرة الواعية، التي طبّقها الرئيسُ "السيسي"، قولا وعملا، منذ بداية حكمه، هي ذات الفكرة التي نقولُها منذ سنواتٍ وعقود، والتي يقولها كلُّ عقل نظيف، وما طالنا إلا السُّباب والتكفير والملاحقات القضائية.
لماذا نؤمن بفكرة "وطن دون تمييز"؟ لأننا ببساطة نحلم بالعيش في مجتمع عادل متحضر، لا يفتّش في صدور الناس، ولا يُصنِّفهم عَقَديًّا وفقَ الهوى، بل ينظرُ إلى مواهبهم وإنجازاتهم ووطنيتهم وغَيرتهم على دولتهم. وهو ما نسميه: “حقوق المواطنة"؛ التي تجعلُ المواطنَ شريكًا في بناء الوطن، ضامنًا لكامل كرامته وحقوقه، دون احتماءٍ بأكثرية تتجبّر، ولا خضوع أقليّة تتشرنق. فالأكثرية والأقلية مفهوم سياسي يُطلق على "الوافدين"، لا على أصحاب البلد، مهما اختلفت عقائدهم.
فالإيمانُ الحقيقي لا يخافُ الاختلافَ، بل يُدرك أنه أحدُ أسرار الخلق. فلو شاء الله لجعل البشرَ أمةً واحدة، لكنه ترك في الوجود فسحةً للاجتهاد، ومساحةً للتعدد، حتى يظلّ الإنسانُ كائنًا حرًّا، لا نُسخًا مكررة. الدولةُ، في معناها الإنساني والسياسي، ليست حارسةً للعقائد، بل حارسةٌ للحقوق. العقيدةُ شأنُ القلب، والعملُ شأنُ الوطن. وما إن تبدأ الدولة في تفتيش القلوب، فقدت معناها كدولة، وتحولت إلى سلطةٍ على الضمائر، لا إلى حارسةٍ للحريات.
في التجربة الصوفية، اللهُ تعالى أوسعُ من أن يُحاصَر في فهمٍ واحد: “ولا يحيطون به عِلمًا”. فللقلوب طرقٌ متعددة نحو الحقيقة. بعضها يسير بخطى الإيمان الواثق، وبعضها يجول في دروب السؤال، وبعضها يتعثّر بين الشك واليقين. لكن الجميع يعيشون تحت سماءٍ واحدة، يتنفسون هواءً واحدًا، ويستحقون حياةً كريمةً واحدة، في وطن يحترمُ الجميع دون تمييز.
ولهذا فإن الدولة، حين تكون عادلة، تشبه المظلّة الوارفة التي لا تسأل الُمستظلَّ بها عن عقيدته. بل تناقشُ حقوقَه وواجباتِه، وتحمي كرامته. وحين نقول إن الدولة للجميع دون تمييز عقدي، فإننا لا ننتقصُ من مكانة الدين؛ بل نعيده إلى مكانه الطبيعيّ الأجمل: مكان النور الداخلي الذي يسطعُ في القلب، لا العصا الخارجية التي تبرزُ لتضربَ المختلف. الدينُ الذي يحتاج إلى سُلطةٍ تحميه هو دينٌ واهنٌ مذعور. أما الدين القويُّ، فيسكن القلوب دون حراسة.
ويشهدُ التاريخُ أن المصريين عاشوا قرونًا طويلة تحت سماء واحدة، بنواقيس الكنائس وأذان المساجد، وكذلك صمت الذين يفتشون عن الله بطريقتهم الخاصة. ولم تكن مصر يومًا ضيقةً بأبنائها. كانت دائمًا أكبرَ من أن تُختزل في طائفة بعينها. فالدولة التي تحمي المؤمن تحمي أيضًا حقّ غير المؤمن في أن يعيش بسلام وكرامة. لأن الكرامة الإنسانية أوسع من التصنيفات. الكرامة لا تُقسَّم، والحقوق والواجبات لا توزّع وفق الهوى بل وفق الدستور وسيادة القانون.
الدولةُ ليست ساحةَ امتحانٍ للعقائد ولا تفتيش عن الإيمان، بل مساحةٌ للحياة والعمل والابتكار والتقدم واحترام القانون والأخلاق. لهذا يبدو المعنى الصوفي للدولة بسيطًا وعميقًا في آن: أن تتّسع الأرض للجميع مثلما تتّسع رحمةُ الله للجميع: “ورحمتي وسِعَتْ كلَّ شيء”. فالاختلافُ بين البشر ليس خللاً في منظومة الخلق، بل جزءٌ أصيلٌ من جماله.
الوطنُ الحقيقي يُبنى على العدالة والقانون وحقوق المواطنة والكرامة، ويختبئُ في صمت الأشياء الصغيرة: ابتسامة الجار، الكلمة الطيبة بين الناس، ضحكة طفل فقير تربتُ على كتفه يدٌ حانية، عالِمٌ يبتكر دواء يشفي من الوجع، معلّمٌ ذو ضمير يبني نشئًا صالحًا. رجلٌ يغرسُ شجرةً، في تلك التفاصيل، تتكوّن الدولُ القوية التي تقود العالم.

***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مَن علّمَ الفتى أن يكره؟!
- الحرب!
- عيد ميلاد -عمر-
- الكرامة الشعرية
- كانت لابسة إيه؟!
- نصومُ معًا… ونُفطرُ معًا
- شهر رمضان
- التوحُّد… جوقةُ تراتيلَ حول عصفور
- التهمة: مُزعجٌ مثل -ذبابة الخيل-
- “سنووايت-… سنتيمتراتُ تسبقُ ظِلَّها
- ليتكَ شقيقي يا -إبراهيم”!
- في معرض الكتاب… الروايةُ تفتحُ لي بابَها
- ليتنا نكونُ صادقين وشرفاءَ!
- العقلُ …. والثوب!
- “بسمة موسى-… المقاتلةُ بابتسامة
- في سيكولوجيا عقلٍ … يرى الموتَ عقابًا!
- -الفيلسوفة الطفلة- … بقلم الدكتور -مراد وهبة-
- عزاءٌ أسطوريّ ل -سيدة المحبة-
- “ميري كريسماس-… بأمر الحب!
- الأمهاتُ…. ساكباتُ الطِيْب


المزيد.....




- خلال قداس.. مسيحيون بجنوب لبنان يجددون رفضهم مغادرة قراهم
- حرس الثورة الاسلامية: أطلقنا الموجة 54 من عملية -وعد صادق 4- ...
- حرس الثورة الاسلامية: سنقتل نتنياهو إذا كان لا يزال حياً
- المقاومة الاسلامية في العراق: سرايا اولياء الدم استهدفت مواق ...
- حرس الثورة الاسلامية: لا علاقة لايران بالهجوم بطائرات مسيرة ...
- حرس الثورة الإسلامية: ايران لا علاقة لها بالمسيرات التي استه ...
- حرس الثورة الاسلامية: استهدفنا في الموجة 52 مواقع في الأراضي ...
- حرس الثورة الإسلامية : تم تدمير مراكز تجمع القوات الأميركية ...
- المقاومة الاسلامية في لبنان: قصفنا بدفعة صاروخية كبيرة تجمعا ...
- زعيم في الظل.. تحليل: المرشد الأعلى الجديد لإيران لم يظهر لل ...


المزيد.....

- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي
- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - الوطنُ للجميع … بأمر الرئيس