أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - الحرب!














المزيد.....

الحرب!


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8640 - 2026 / 3 / 8 - 11:24
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



امرأة تُخرج مفتاحَ البيت من جيب معطفها بعد القصف، ثم تعيده؛ لأن البيت صار طللا. رجلٌ يقف في طابور الخبز منذ الفجر، لأنه وعد أطفاله أن طقوس الصباح مازالت كما كانت. عجوزٌ تزحف لتجمع شظايا الزجاج من الطريق، لئلا تجرح أقدام العائدين. صبيٌّ يضع على أذنيه سماعات بلا موسيقى، ليخفّف صوتَ القصف. ممرضة تمسح جبين مريضٍ لا تعرف اسمه، وتناديه باسم شقيقها، لئلا يموت غريبًا. شابٌّ يسندُ بظهره جدارًا آيلاً للسقوط ليصمدَ دقائقَ إضافيةً، حتى يمرَّ الأطفالُ، ثم يبتسمُ حين ينجو آخرُهم قبلما يتهاوى فوق رأسه. أمٌّ تغسل الثيابَ ليلًا وهي تغنّي، لتوهمَ أطفالَها أن كلَّ شيء على ما يُرام، وأن ضوء الصباح وشيكٌ. صبيٌّ يعيدُ ترتيبَ الحجارة أمام باب البيت، حجرًا فوق حجر، لأن النظام يمنحه شعورًا بالأمان. وعصافيرُ تطيرُ مذعورةً تبحث عن أعشاشها وصغارها في ركام الأشجار المحترقة. هذي مشاهدُ لن تسجّلها الكاميرات. فالكاميراتُ مشغولةٌ بالتقاط أهداف الحرب. والحربُ لا تبدأ حين تُطلق القاذفةُ الأولى، بل حين يفشل الخيال. حين يعجز إنسانٌ عن تخيّل ألم إنسانٍ آخر، فيقرّر اختصاره في "هدف”. في تلك اللحظة تحديدًا، تتحوّل الأرضُ إلى مسرح، والبشرُ إلى ديكور مؤقت قابل للكسر، ويغدو الدمُ تفصيلا جانبيًّا في نشرة أخبار.
العالمُ اليوم لا يعيشُ الحرب، بل يؤدي مشاهدَ "البغضاء" التي تدرّب عليها خلال آلاف البروفات. خرائطُ ملوّنةٌ بدمٍ طازج، أطفالٌ يتعلّمون أسماءَ الأسلحة قبل أسماء الطيور، وعدالةٌ لا تسيرُ بميزان الحقّ بل بميزان المصالح، وتبتسمُ لقانون القوة لا لقانون الضمير. كل حرب تُعلن عن نفسها باعتبارها ضرورة، وكلُّ مجزرة تُقدَّم في ثوب الدفاع عن النفس، وتُعامَل الجثاميُن كأرقام زائدة عن الحاجة يمكن شطبها دون اعتذار. وفي خلفية المشهد، دولٌ كبرى تعيدُ رسمَ الخريطة ثم تتصنّع الدهشة! دولٌ لا تبحث عن السلام، بل تخطّط لوحة التوازن الفوضوي. فالسلامُ يعني: نهاية "سوق السلاح"، وموت أوراق الضغط، واختفاء الحاجة إلى وكلاء يخوضون الحروب نيابة عن القوى الكبرى. لذا نرى إدانة لفظية هنا، وصمتًا محسوبًا هناك، ومساعدات تُقدَّم بيد، وتُفرَّغ من معناها باليد الأخرى. الدمُ لا يُستنكر بل يُستثمر؛ فما أرخصَه مادام دمَ المستضعفين العُزّل. الأفدحُ من سقوط القنابل، هو سقوط اللغة. فالكلماتُ التي خُلقت لتشرح وتُداوي، صارت أدوات تبرير وتخدير. يُقال "أضرار جانبية" بدلا من "أجساد محترقة"، يُقال: “ضربة استباقية" بدلا من: “بيت كان فيه عشاء دافئ احترق بمن فيه”. في الحروب، تُغسَل اللغةُ من معناها، كما تُغسَل الأيدي من الدماء، ويبقى الذنبُ معلّقًا في الهواء بلا صاحب.
ما أقسى أن تتحول الأرضُ، التي شيّدها اللهُ لتكون مهدًا للجمال والحياة، إلى مختبرٍ واسعٍ للخراب والطلل! نحن لا نشهد اليوم حروبًا تقليدية، بل نشهد تهاويًا مروّعًا للقيم الإنسانية تحت سنابك آلة عسكرية عمياء لا تعرف إلا لغة الفناء.
ما ارتكبته إسرائيلُ في فلسطيَن منذ عقود، وفي قطاع غزة منذ سنوات، تجاوز حدود "الصراع السياسي" ليدخل في دائرة الإبادة الممنهجة. جرائمُ مكتملة الأركان ارتكبت بحق الطفولة، وحق التاريخ، وحق الأرض. وكالعادة أغمض العالمُ عيونه الناعسة، بينما يُهدم المعمار الإنساني فوق رؤوس ساكنيه. فإجرام الآلة العسكرية الإسرائيلية لم يكتف بحصد الأرواح، بل سعى إلى محو الهوية وتجريف الذاكرة الفلسطينية، لأنهم يخشون صمودَ الحجر واخضرار الزيتون. جرائمُ إسرائيلَ اختبارٌ مفتوح لفلسفة "الإفلات من العقاب”. وما تفعله إيرانُ اليوم وهي تقصف دول الخليج، لا يخرج عن ذات المنطق الأحمق، الذي يُعيد إنتاج نفسه بأسماء مختلفة. حيث تُدار السياسة بجثث المدنيين، وتُختبر الهيمنة فوق رؤوس الأبرياء. الحربُ ليست صراعًا على حقٍّ ولا ردعًا لطاغية ظلوم، بل إعلانٌ صريح بأن الإنسان بات تفصيلاً فائضًا في معادلات القوة، وأن الدمَ، ما دام دمَ الضعفاء، قابل للتداول، والتبرير، ثم النسيان.
وأنا، بوصفي أُمًّا تتمنى ألا تترك أطفالَها في عالم مشتعل، ومعماريةً تدركُ قيمة البناء وقيمة الأثر، وشاعرةً تؤمنُ بقدسية الحياة، أرى في هذا الصمت الدولي تواطؤًا مخجلاً. فالحربُ ليست قدرًا مقدورًا، بل هي "قبحٌ" مُتعمدٌ يصنعه من فقدوا البوصلة الأخلاقية واستسلموا لهوس السلطة والمال. فدماء الأبرياء التي تروي الترابَ الآن ستظلُّ صرخات لا تهدأ في وجه الضمير العالمي الذي شاخ وتيبس، وبرهانًا ساطعًا على أن القوة الغاشمة، مهما بلغت من جبروتٍ، تظل عاجزةً عن هزيمة إرادة البقاء. سيظل القلمُ الذي ينهل من مداد الضمير، هو سلاحنا الأخير، ينحتُ في صخرِ الذاكرة الإنسانية حقيقةً لا تقبل التزييف: أن الحقَّ لا يموت بطلقة، وأن الجمال سينتصرُ على قبحِ المجازر.

***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عيد ميلاد -عمر-
- الكرامة الشعرية
- كانت لابسة إيه؟!
- نصومُ معًا… ونُفطرُ معًا
- شهر رمضان
- التوحُّد… جوقةُ تراتيلَ حول عصفور
- التهمة: مُزعجٌ مثل -ذبابة الخيل-
- “سنووايت-… سنتيمتراتُ تسبقُ ظِلَّها
- ليتكَ شقيقي يا -إبراهيم”!
- في معرض الكتاب… الروايةُ تفتحُ لي بابَها
- ليتنا نكونُ صادقين وشرفاءَ!
- العقلُ …. والثوب!
- “بسمة موسى-… المقاتلةُ بابتسامة
- في سيكولوجيا عقلٍ … يرى الموتَ عقابًا!
- -الفيلسوفة الطفلة- … بقلم الدكتور -مراد وهبة-
- عزاءٌ أسطوريّ ل -سيدة المحبة-
- “ميري كريسماس-… بأمر الحب!
- الأمهاتُ…. ساكباتُ الطِيْب
- وأخيرًا… -الملحدُ- يواجه الجمهور
- الظهير الشعبي للعظماء


المزيد.....




- انفجار يلحق أضرارا بكنيس يهودي في بلجيكا
- أمريكا تصنف -الإخوان المسلمين- في السودان -منظمة إرهابية-
- إيران والمنطقة العربية: قراءة في تعقيدات المواقف بين المذهبي ...
- بلجيكا: رئيس بلدية لييج يندد بـ-عمل معاد للسامية- بعد انفجار ...
- حزب الله: انتخاب قائد جديد للثورة الاسلامية يصيب الأعداء بال ...
- إيران: من هو مجتبى خامنئي القائد الثالث للجمهورية الإسلامية ...
- وعيد إسرائيلي باغتيال مجتبى خامنئي المرشد الأعلى الجديد لإير ...
- آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي قائد الثورة الاسلامية ...
- آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي قائد الثورة الاسلامية ...
- حزب الله لبنان يبارك للجمهورية الإسلامية في إيران قيادةً وشع ...


المزيد.....

- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي
- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - الحرب!