أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - ماذا يُعذِّبُ المُسنّين؟ دارُ الخصومِ الأربعة














المزيد.....

ماذا يُعذِّبُ المُسنّين؟ دارُ الخصومِ الأربعة


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8657 - 2026 / 3 / 25 - 11:21
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


Facebook: @NaootOfficial
في "عيد الأم"، كل عام، أصطحبُ ابني "عمر"، لنذهب إلى حيث لا يذهبُ أحد. إلى بشرٍ ضرب الوهنُ أجسادَهم وأرواحهم بعيدًا عن بيوتهم. ينتظرون طارقًا لا يأتي أبدًا. أختارُ دارًا للمسنين من ذوات "الخصوم الأربعة"، كما أطلق عليها.
فالمُسنُّ، في رحلته الأخيرة، يواجه خصومًا تقليديين. ١ الشيخوخة. وهو قدرٌ بيولوجيٌّ لا مهرب منه، حين يبدأ الجسدُ في الانسحاب من معركة الحياة. وهو قَدرُ لكل من كتب الله له أن يُعمِّر. ٢ المرض. وهو الابنُ الشرعيّ للشيخوخة، يتسلّل إلى الأعضاء المُنهكة، فيُضاعف الوهنَ والهُزال. وهو أيضًا خصمٌ قدريٌّ لا مهرب منه لكل معمّر. ٣ الفقر. وهو خصمٌ مُحتمَل. قد لا يُصيب الجميع، لكنه إن حضر، وتحالف بجبروته مع الخصمين السابقين، اكتملت ثالثةُ الأثافي واشتعلت النار. لأن حضورَ ذلك الخصم يجرّد الإنسان من خياراته، ويتركه عاريًا أمام العواصف. الخصومُ الثلاثة، عل قسوتها، جميعها من القدريات المفهومة. أما الخصمُ الرابع، فلا محلَّ له من الوجود أو المنطق أو القدر. بل جريمةٌ مكتملة الأركان. وهو: “العقوق". هذا الخصم الرابع، إن حضر وتحالف مع الخصوم الثلاثة، لم يترك للمسنّ ما يتوكأ عليه ليحيا. ينكسرُ الظهرُ وتنطفئ الرغبة في الحياة.
بالأمس، ذهبتُ مع "عمر"، وقضينا يومًا كاملًا في "دار الخصوم الأربعة" بين أكثر من مئة نزيلٍ ونزيلة. حاولنا، بقدر ما نستطيع، أن نكون أبناءً "مؤقتين" لقلوبٍ مهجورة. نضحك، نغنّي، نرقص، نُصغي، نُقبّل الأيادي المرتجفة، نطفئ شمعة الكعكة، نوزع الهدايا، نمسح الدموع، نملأ الفراغ، ونصنع من ساعاتٍ قليلة "وهمَ العائلة”. ولكن الوهمَ، مهما أُجيد رسمُه، لا يرسمُ الحقيقة. والحقيقةُ قاسيةٌ ومُرَّة: لم يأت أحد!
تخيّلوا دارًا تضمّ أكثر من مئة أُمٍّ وأب، ويمرّ "عيدُ الأم" كاملًا، من صباحه إلى مسائه، دون أن يطرق البابَ ابنٌ أو حفيد! لا وردة، لا قُبلة، ولا حتى اعتذار متأخر عن نسيان مَن حملت وهنًا على وهنٍ، وسهرت وعلّمت وأطعمت وتعذبت لكي يشبُّ الأطفالُ وتشتدُّ أعوادُهم، ثم ينسون أمهاتهم! في هذا اليوم لا أسمعُ من الأمهات إلا عبارةً واحدة وجارحة: “ربنا يخلي لك ابنك". دعاءٌ طيب، لكنه في حقيقته اعترافٌ بالفقد. كأن وجود ابن إلى جوار أمّه معجزةٌ، لا يجرؤون على الأمل فيها.
في مواد القانون، ثمة قانونٌ اسمه "العدوان على القيم"، يُلاحق الأفعال المشينة العلنية التي تجرح الذوق العام وتهدد القيم. ولكن هذا القانون بكل أسف لا يضمُّ تحت مِظلته جريمةً أشدّ فتكًا؟ جريمةُ أن ينسى الابنُ أمَّه وأباه في شيخوختهما. فلا يتبقى إلا أن يزورهما الأغرابُ ليرسموا الوهم. تخبرني صديقتي د. “هالة" مديرة إحدى دور "الخصوم الأربعة"، أنها كثيرًا ما تهاتفُ ابنَ نزيلة وتخبره أن والدته قد فارقت الحياة، فيقول لها: “الله يرحمها، البركة فيكم كفّنوا وادفنوا.”، أو تقول: “والدتك تحتضر وتتمنى رؤيتك قبل الرحيل: فيجيء الردّ: “البركة فيكم، معلش مشغول.”
ليس لدينا نصٌّ قانونيّ واضح يُجرِّمُ عقوق الوالدين، أو حتى يُعرّفه بوصفه اعتداءً أخلاقيًا يستحق المساءلة. أليس العقوقُ عدوانًا على القيم؟ أليس تركُ أمٍّ في وحدتها شكلًا من أشكال العنف الصامت؟ المشكلة أن هذا العنف لا يُرى. لا يُصوَّر، لا ينتشر، لا يثير ضجيجًا. يحدث في هدوءٍ قاتل: مكالمة لم تتم، زيارة أُجّلت حتى النسيان، قرار بارد بإيداع أمٍ في دار، ثم التواري الكامل من حياتها. فالألم الذي يحدث خلف الأبواب المغلقة لا يُرى، ولا مسطرةً تقيسُ مداه.
يحدث هذا رغم أن القيم الدينية، على اختلافها، جعلت البرَّ بالوالدين في أعلى مراتب الفضيلة التي لا يكتمل الخلاصُ دونها. في القرآن الكريم: “وقضَى ربُّكَ ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا.” وفي الإنجيل: “أكرمْ أباك وأمَّك؛ لكي تطولَ أيامُك على الأرض.”
العقوقُ لا يصرخ، لا يُحدث ضجيجًا، لا يُصوَّر في مقطعٍ قصير ينتشر على الشاشات، فيحرّك الرأي العام والأجهزة المعنية. العقوقُ يحدث في صمت. بل يحدث في "العدم" الذي من المستحيل تسجيلُه أو رصده؟ فكيف ترصدُ ما لم يحدث؟! مكالمة لم تتم، زيارة لم تحدث، هديةٌ لم تُشترَ، حضنٌ لم يُمنح؟! ولهذا، يظلّ خارج دائرة الضوء والمساءلة، رغم أنه يفتكُ بالقلوب ببطء وعماء. في نهاية اليوم، أسمعُ العبارة ذاتها: “تعالي تاني، أوعي تنسينا.” إنه التعلُّق بفكرة أن هناك من تذكّر وجاء. ما يعذّب المسنّين ليس الشيخوخة ولا المرض ولا الفقر، بل غيابُ من كان يجب أن يكونوا هنا. ذلك الغيابُ الذي لا يُحتملُ ولا يُبرَّر، ولا يُغتفر، لأنه ليس قدرًا؛ بل اختيار. أيها العاقّون، أفيقوا قبل لحظة الندم.

***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العيدُ… ونوافذُ مفتوحةٌ على القصف!
- إفطارُ رمضانَ على مائدة -منير غبور-
- الوطنُ للجميع … بأمر الرئيس
- مَن علّمَ الفتى أن يكره؟!
- الحرب!
- عيد ميلاد -عمر-
- الكرامة الشعرية
- كانت لابسة إيه؟!
- نصومُ معًا… ونُفطرُ معًا
- شهر رمضان
- التوحُّد… جوقةُ تراتيلَ حول عصفور
- التهمة: مُزعجٌ مثل -ذبابة الخيل-
- “سنووايت-… سنتيمتراتُ تسبقُ ظِلَّها
- ليتكَ شقيقي يا -إبراهيم”!
- في معرض الكتاب… الروايةُ تفتحُ لي بابَها
- ليتنا نكونُ صادقين وشرفاءَ!
- العقلُ …. والثوب!
- “بسمة موسى-… المقاتلةُ بابتسامة
- في سيكولوجيا عقلٍ … يرى الموتَ عقابًا!
- -الفيلسوفة الطفلة- … بقلم الدكتور -مراد وهبة-


المزيد.....




- للمرة السابعة.. المقاومة الإسلامية في لبنان تستهدف تجمّعا لج ...
- للمرة السابعة.. المقاومة الإسلامية في لبنان تعلن استهداف تجم ...
- بزشكيان: الشعب التركي الشقيق لعب دوراً هاماً في التضامن مع ا ...
- مصباح يزدي.. سيرة المعلم الروحي للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي ...
- واشنطن تستقدم -فانس- لطمأنة إيران.. والجمهورية الإسلامية: -ل ...
- أوساط أكاديمية ودبلوماسية إسرائيلية تحذر: الإرهاب اليهودي في ...
- أهم أعمال وزارة الأوقاف والشؤون الدينية خلال عام 2025
- من كارين برين التي قد تصبح أول رئيسة ألمانية من أصول يهودية؟ ...
- كوبا تفرج عن 20 سجينا سياسيا ضمن اتفاق مع الفاتيكان
- المقاومة الاسلامية في لبنان: استهدافنا بصاروخ موجه دبابة مير ...


المزيد.....

- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - ماذا يُعذِّبُ المُسنّين؟ دارُ الخصومِ الأربعة