أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - -اللون الأزرق-… في بيتي زُرقةٌ أخرى!














المزيد.....

-اللون الأزرق-… في بيتي زُرقةٌ أخرى!


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 14:09
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


Facebook: @NaootOfficial

كأمٍّ لطفل على "طيف التوحّد"، صار اليومَ شابًّا جميلا، أفرحُ بأي دراما تتناول تجربة التوّحد. ومنذ أُعلن عن مسلسل "اللون الأزرق" على خارطة رمضان، كنتُ أعدُّ الأيام شوقًا، وتوقًا لأن يتعرف الناسُ على العالم الغريب الذي تعيشه أُسرٌ رزقها اللهُ بكائن مختلفٍ وجميل، مُرهِقٍ وآسر، جوهرة صعبة تحتاج إلى جهد خارق لكي يشعَّ ضوؤها، فيسرُّ الناظرين.
أسعدني أن يصبح "التوحد" حاضرًا، ولو قليلاً، في الوعي العام خلال السنوات الأخيرة. لم يعد ذلك "اللغز الغامض" الذي يُهمَس به داخل البيوت، بل صار موضوعًا يُناقَش في الإعلام، والمدارس، ووسائل التواصل وفي الدراما أيضًا. هذا الحضور يستدعي حكايات إنسانية تُقرّب الناس من هذا العالم، لا بوصفه "مأساة" بل كاختلاف إنساني له لغتُه الخاصة. لغةٌ لم ننجح بعدُ في جمع أبجدياتها كاملةً.
"طيف التوحّد” Autism Spectrum Disorder مادة ثرية دراميًّا. لأنه يضع الشخصية في صراع مزدوج: صراعها مع العالم، وصراع العالم معها. من هذه الثنائية تتولّد لحظات شديدة الحساسية: العزلة، التشرنق، سوء الفهم، ومضات العبقرية، والانكسار الصامت. كل هذا مغرٍ لأي كاتب يبحث عن مادة تمسّ القلب. وأُثمِّن التوجه نحو "الدراما التوعوية" التي تمزج الحكاية بالرسالة. فالجمهور لم يعد يكتفي بالترفيه؛ بل صار يبحث عمّا يفسّر له بعض غموض الحياة.
لكن، وهذا طبيعي، ليس كل تناول للتوحّد منصفًا وواقعيًّا. بعض الأعمال تنجح في رسم لوحة أقرب للحقيقة مثل مسلسل "حالة خاصة"، وبعضها يقع في فخ التبسيط، أو المبالغة، أو استخدام التوحّد كأداة لإثارة التعاطف. وهناك أعمال حاولت بصدق رسم اللوحة، لكن بعض الخطوط والألوان هربت منها، مثل مسلسل "اللون الأزرق"، الذي سأسمح لنفسي أن أكتب عنه اليوم، لا من مقعد النقد الفني، بل من داخل عباءة الأم التي عاشت "التوحّد" قرابة الثلاثين عامًا.
وقبل أن أشير لبعض الخيوط التي أفلتها المسلسلُ، لابد أن أُحيّي الفنانة "جومانة مراد" على أدائها الفائق لأمٍّ يعصفُ بها الخوفُ على مصير طفلها المتوحد، وهي تترقب الموتَ بين لحظة وأخرى تاركةً هذا "الملاك" دون سند. وكذلك الطفل المدهش "علي السكري"، الذي أجاد تقمّص شخصية "المتوحّد"، بشكل لافت، وكذلك التحية لجميع طاقم العمل المميزين.
ما إن بدأت مشاهدة "اللون الأزرق"، شعرتُ بأنني أمام عالم أعرفه جيدًا، لكن زرقته تختلف عن الزُّرقة التي تسكن بيتي، وتسكنها تفاصيلُ كثيرة، طبيّة ونفسية وغذائية، تخصّ الحياة اليومية لطفلٍ على "طيف التوحد". فالبيتُ الذي يسكنه "متوحد"، يتحول إلى "كبسولة عزل معقّمة" لها نظامٌ شديد الصرامة من حيث: درجة الإضاءة، مستوى الصوت، سلوك أفراد الأسرة، نظام الغذاء المحسوب، ممنوعات ومحرمات لا تدخل البيت مثل" الخبز، الحليب، السكر"، في مقابل مكملات غذائية تحلُّ على البيت ضيفًا دائمًا لا يغادر.
من المشاهد التي صدمتني، محاولة الأم تهدئة طفلها بقطعة بسكويت!! في منطق الشاشة، هذا تفصيلٌ صغيرٌ عابرٌ ومتكرر، ولكنه غالبًا خطأ جسيم في منطق البيوت التي تعيش مع طفل متوحد. فكل أم لطفل توحدي تعرف أن القمح واللبن والسكريات، تُعدُّ قنابلَ موقوتة للجهاز العصبي لدى معظم أطفال التوحد، لأنهم غالبًا يفتقدون الإنزيم الذي يتعامل مع "الجلوتين- الكازيين- السكر"، وهي مكونات المخبوزات الأساسية. تلك العناصر تُربك الجهاز العصبي ولا تهدئه. فأنا مثلا أخبزُ لابني خبزًا من دقيق اللوز أو جوز الهند، ولا يدخل القمحُ بيتي، ولا الحليب أو السكر.
كذلك عنصر "الصوت". ظهر الأب معظم الوقت عصبيًّا مرتفع النبرة، وهذا تقريبًا محظور في "بيت المتوحد"، حيث يصبح مستوى الصوت محسوبًا، ومراقبًا باستمرار. فالجهاز الحسي للمتوحد شديد الحساسية تجاه المثيرات السمعية والبصرية، ما يجعل من ارتفاع الصوت أو شدة الإضاءة عوامل مُرهِقة ومحفزّة لنوبات الانهيار Meltdown. وهنا تتسع الفجوة مرة أخرى بين الدراما والواقع. فبيوت المتوحدين عادةً خافتة الإضاءة، يتكلم أفرادُها بصوت خفيض أقرب للهمس، احترامًا لمزاج المتوحد الحساس لهذين المؤثرين. كذلك استخفَّ الأبُ بأهمية ال Shadow Teacher أو "معلّم الظل" الذي يرافق الطفل المتوحد في المدرسة، ليساعده على التواصل مع العالم الخارجي.
المتوحد يكره التلامس الجسدي مثل الحضن والقُبلة، وحتى التواصل بالنظرات مع الآخرين. في المسلسل نرى "حمزة" يجري ليحتضن أمه ولا يمانع من أن تغمره بالقبلات. وهذا للأسف غير حقيقي.
والملاحظات لا تنتهي، ولكنني أكتفي بما سبق. ويجب أن أُشير إلى أنني أتحدث عن تجربتي الخاصة مع ابني المتوحد "عمر"، والتي قد تختلف من طفل لآخر، فهو "طيف" واسع ومعقّد ليس له كتالوج ثابت. لكنني أشرتُ وحسب إلى المتقاطعات دخل هذا العالم المشتجر بالتفاصيل. تحية احترام لصناع المسلسل، وآمل أن تولي الدولة اهتمامًا أكبر بطيف التوحد.
***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تصنيفُ البشر: صُنّاعُ فرح - صُنَّاعُ ويل
- في مكتبة الأسكندرية… -طيف التوحد- يتكلم
- سعفةٌ ذهبية… لقلبِ مصرَ الأخضر
- إعدامُ أسير … ثقبٌ في ضمير العالم
- “دوريس خوري- … عصفورةُ المنفى
- فاجعةُ كرموز… الانتحارُ الممتد
- ماذا يُعذِّبُ المُسنّين؟ دارُ الخصومِ الأربعة
- العيدُ… ونوافذُ مفتوحةٌ على القصف!
- إفطارُ رمضانَ على مائدة -منير غبور-
- الوطنُ للجميع … بأمر الرئيس
- مَن علّمَ الفتى أن يكره؟!
- الحرب!
- عيد ميلاد -عمر-
- الكرامة الشعرية
- كانت لابسة إيه؟!
- نصومُ معًا… ونُفطرُ معًا
- شهر رمضان
- التوحُّد… جوقةُ تراتيلَ حول عصفور
- التهمة: مُزعجٌ مثل -ذبابة الخيل-
- “سنووايت-… سنتيمتراتُ تسبقُ ظِلَّها


المزيد.....




- المقاومة الإسلامية في لبنان: خرق جديد لقوّات الإحتلال يضاف إ ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: انفجار عبوات ناسفة زرعها مجاهدو ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: أدّى انفجار العبوات الناسفة إلى ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: رتل الاحتلال الإسرائيلي كان يتح ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: كمين العبوات الناسفة التي انفجر ...
- صراع القيم والسياسة: مواجهة مفتوحة بين الفاتيكان والبيت الأب ...
- جندي من قوات الاحتلال الإسرائيلي يحطم تمثالا للسيد المسيح جن ...
- جيش الاحتلال يعزم فتح تحقيق في صورة لجندي يحطم تمثالا للسيد ...
- اعتقال وسيطة أسلحة إيرانية يكشف دعم الجيش والإخوان بالسودان ...
- القدس.. تشييع مؤذن وقارئ المسجد الأقصى الشيخ ناجي القزاز


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - -اللون الأزرق-… في بيتي زُرقةٌ أخرى!