أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - في مكتبة الأسكندرية… -طيف التوحد- يتكلم














المزيد.....

في مكتبة الأسكندرية… -طيف التوحد- يتكلم


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 12:53
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


نحن اليوم في حضرة "مكتبة الإسكندرية"، هذا الصرح العريق الذي استنطق الفلاسفةَ والعلماءَ في فجر التاريخ الإنساني، وها هو يواصلُ رسالته الحضارية لا ليستنطق الكتبَ والمخطوطات والخرائط وحسب، بل ليستنطق اليومَ أبناءنا الصامتين على "طيف التوحد". جزيل الشكر للدكتور "أحمد زايد"، بروفيسور علم الاجتماع، ومدير المكتبة، التي حملت تراث الإنسانية منذ عهد "بطليموس الأول"، وتواصلُ ابنتُها الجديدة حمل هموم الإنسان وأسئلته، على استضافة هذه الندوة الغنيّة حول "طيف التوحّد" وشجونه، بمشاركة "قرية الأمل" برئاسة الدكتورة “ندى ثابت"، و"جمعية المتقدمة" برئاسة الدكتورة “مها هلالي"، وتحت رعاية الدكتورة "مايا مرسي" وزيرة التضامن. رسالةُ المكتبة ثابتة لا تتغير منذ القرن الثالث قبل الميلاد وحتى اليوم، فكما أنقذت المكتبةُ العالمَ القديم من عتمة الغموض والجهالة، تحاول اليوم إنقاذ الإنسان من عتمة التنمّر على صمت المتوحدين.
في مثل هذه اللحظات، وأنا أنصتُ للمداخلات من المتخصصين، لم أستطع، كأمّ لأحد الصامتين، أن أفصل بين العام والخاص. فطيف التوحّد، بالنسبة لي، ليس مصطلحًا علميًا ولا ملفًا اجتماعيًا؛ بل وجهٌ أعرفه، وصوتٌ أحفظ نبراته، وعالمٌ دخلتُه منذ ثلاثين عامًا، وتعلّمت فيه أن اللغة ليست بالضرورة كلماتٍ، بل مشاعرَ وإشاراتٍ وشغفًا. فالمتوحّدُ ليس إلا شخصًا يعمل على نظام تشغيل مختلف عن سائر البشر. وهذا يتفق مع ما قاله د. “أحمد زايد” في كلمة الافتتاح التي ناهضت جميع التعريفات العنصرية والتمييزية التي تفصل بين البشر؛ لأن من حق كل إنسان أن يكون مختلفًا، وكاملًا، ومرئيًا، ومحترمًا وكريمًا في مجتمعة. لهذا بدتِ الندوةُ، رغم طابعها المؤسسي، شديدة الحميمية؛ لأن كل فكرة قيلت على المنصة، وجدت صداها في قلوب الحضور، لا سيما قلوب الأمهات اللواتي نذرن حياتهن ليكنّ صوتَ أبنائهن الصامتين.
هكذا بدا المشهدُ صباح أمس الأول في ذلك الصرح الذي أثبت أن "المعرفةَ" بيتُ مفتوح لكل اختلاف، وأن "الثقافة" ليست ترفًا ورفاهًا بل ضرورة أخلاقية. هناك، حيث كانت المكتبة القديمة ذات يومٍ منارة العالم، تعود الجديدةُ لتؤكد أنها هرم مصر الرابع: لا من حجارة وأوراق، بل من نورٍ وفكرٍ وإنسان.
بدعوة كريمة من الدكتورة "ندى ثابت"، كان لي شرف الحضور والاجتماع بهذا الطيف المتنوّع من الخبراء والمهتمين بالأخذ بيد "أبناء طيف التوحد" ووضعهم في المكانة التي تليق بمواهبهم وفرادتهم، خلال ندوة حملت عنوانًا ملهمًا: "التوحّد… قدرات تصنع الفرص”. عنوان لا يكتفي بوصف الحالة، بل يعيد تعريفها على نحوها الصحيح، حين يُزيحها من هامش الرعاية إلى قلب الفعل والإنتاج.
لم تكن الندوة منصةً لإلقاء الكلمات، بل مساحة للإنصات الحقيقي لهمس الصامتين. اتفق المتحدثون على أن الاختلاف ليس عائقًا، بل مصدر فرادة. فكرةٌ بسيطة في ظاهرها، لكنها تُعيد ترتيب وعينا بالكامل: فبدل أن ننظر إلى ذوي التوحّد بوصفهم "حالة تحتاج إلى احتواء"، نراهم "طاقة تحتاج إلى اكتشاف"، وأشاروا إلى حتمية التحوّل الأهم: الانتقال من مرحلة "التوعية" بطيف التوحد، إلى مرحلة “تمكين” أبنائه من الفرص التي يستحقونها ليكونوا أعضاء نشطين فاعلين في جسد المجتمع. هذا الانتقال ليس لغويًا، بل هو انتقال حضاريّ. لأن المجتمعات لا تُقاس بمدى تعاطفها مع المختلفين، بل بقدرتها على إتاحة الفرص العادلة لجميع أبنائها دون تمييز، كلٌّ وفق إمكاناته ومواهبه.
وتوالت المداخلات لتنسج لوحة متكاملة: من أدوار مؤسسات الدولة، إلى مسؤولية القطاع الخاص والجمعيات الأهلية، إلى أساتذة وخبراء التغذية الذين وضعوا أياديهم على أساليب التغذية السليمة لأبناء طيف التوحد لتنقية الجسم من الجلوتين والكازيين، إلى نماذج التدريب المهني التي تربط بين التأهيل وسوق العمل، وصولًا إلى أهمية خلق البيئة الداعمة التي لا تكتفي بالتقبّل، بل تُحفّز الإبداع. لم يكن الحديث نظريًا معزولًا، بل مشبعًا بتجارب واقعية، تُثبت أن التمكين ليس حلمًا بعيدًا، بل مشروعًا ممكنًا إذا توفّرت الإرادة.
وهكذا أثبتت هذه الندوة من جديد أن "مكتبة الأسكندرية الجديدة" هي بالفعل شمس المعرفة التي تشرقُ على شاطئ المتوسط، ومساحةٌ إنسانية رحبة للتفاعل الفكري الخلاق، وليست وحسب صرحًا عملاقًا يضمُّ ملايين الكتب والمخطوطات النادرة.
خرجتُ من الندوة مطمئنةً إلى أن وعيًا جديدًا يتشكّل ويسير في الاتجاه الصحيح. وأننا كمجتمع بدأنا مغادرة لغة الشفقة إلى لغة الشراكة، وثقافة "الاستيعاب" إلى ثقافة "الاندماج”. شكرًا للجميلات: "ندى ثابت"، "مها هلالي"، "مايا مرسي" على إطلاق هذه الندوة الثرية. وشكرًا لكتاب "دليل أولياء الأمور عن طيف التوحد" الذي أطلقته جمعية "تقدم". وشكرًا للدكتور "أحمد زايد"، وللمكتبة الجميلة التي استضافتنا. وشكرًا لابني المتوحد الجميل "عمر" الذي جعلني أُمًّا أفضل.
***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سعفةٌ ذهبية… لقلبِ مصرَ الأخضر
- إعدامُ أسير … ثقبٌ في ضمير العالم
- “دوريس خوري- … عصفورةُ المنفى
- فاجعةُ كرموز… الانتحارُ الممتد
- ماذا يُعذِّبُ المُسنّين؟ دارُ الخصومِ الأربعة
- العيدُ… ونوافذُ مفتوحةٌ على القصف!
- إفطارُ رمضانَ على مائدة -منير غبور-
- الوطنُ للجميع … بأمر الرئيس
- مَن علّمَ الفتى أن يكره؟!
- الحرب!
- عيد ميلاد -عمر-
- الكرامة الشعرية
- كانت لابسة إيه؟!
- نصومُ معًا… ونُفطرُ معًا
- شهر رمضان
- التوحُّد… جوقةُ تراتيلَ حول عصفور
- التهمة: مُزعجٌ مثل -ذبابة الخيل-
- “سنووايت-… سنتيمتراتُ تسبقُ ظِلَّها
- ليتكَ شقيقي يا -إبراهيم”!
- في معرض الكتاب… الروايةُ تفتحُ لي بابَها


المزيد.....




- خلال 24 ساعة.. المقاومة الاسلامية في لبنان تنفذ 43 عملية ضد ...
- هندسة التدين.. كيف توظف الأنظمة العربية المدارس الدينية لمصا ...
- هروب مدمرة أمريكية من شرق مضيق هرمز بعد تحذير حرس الثورة الا ...
- حرس الثورة الاسلامية يحذر من اقتراب القطع الحربية من مضيق هر ...
- محافظة القدس: قوات الاحتلال الإسرائيلي تعتقل 3 مقدسيات اليوم ...
- قوات الاحتلال تعتقل سيدتين من داخل المسجد الأقصى
- مساعد قائد الثورة الإسلامية محمد مخبر: نحن المنتصرون في المي ...
- بابا الفاتيكان: حماية المدنيين في لبنان من الحرب واجب أخلاقي ...
- حماس: الاقتحام المتكرر للصهيوني بن غفير لباحات المسجد الأقصى ...
- حماس: يُعدّ هذا الاقتحام الإجرامي وتدنيس المسجد الأقصى استفز ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - في مكتبة الأسكندرية… -طيف التوحد- يتكلم