أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - فاطمة ناعوت - قشور … سيدة البحار














المزيد.....

قشور … سيدة البحار


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 12:01
المحور: قضايا ثقافية
    


Facebook: @NaootOfficial
فيلم بالأبيض والأسود، ينهل من "الواقعية السحرية"، ويغرس القلقَ داخلك منذ اللحظة الأولى، وكأنك محاطٌ بالتهديد من كل صوب، وموقنٌ أن ثمة موعدًا مع خطر مجهول لا مفرّ منه. تُلقي بك المخرجة السعودية "شهد أمين"، مع المصور البرتغالي "جواو ريبيرو"، داخل قصيدة سوداء حزينة ، مكتوبة بالكاميرا. وكأن مؤلفة الفيلم ومخرجته أرادت أن تقول إن المجتمعات التي تذبح المرأةَ، وتجعل منها قربانًا للخرافة، لم تصل بعد إلى ألوان الحياة. فيلم Scales، السعودي الإماراتي العراقي، ليس فيلمًا مبهرًا وحسب، بل هو جرحٌ بصريّ مفتوح على بحرٍ عربيّ قديم يأكل بناتِه، ثم يواصل النوم مطمئنًا كأن شيئًا ما جرى.
في تلك القرية الساحلية المعزولة، لا تُقدَّم البناتُ قربانًا للبحر فحسب، بل تُقدَّم أيضًا قربانًا للجوع، والخرافة، والسلطة الذكورية التي تحتاج دائمًا إلى ضحية كي يستمر توازنها الهش. الصبيّةُ المليحة “حياة”، التي أدّت دورَها ببراعة مدهشة الفنانة السعودية "بسيمة حجار"، ليست فتاة تمردت على مجتمع يعتاش على الخرافة ويرى البنات أداةً للحياة، بل هي استعارةٌ كبرى للحياة ذاتها، تلك التي يطاردها المجتمعُ لأنها رفضت أن تموت في موعدها المحدد، ولهذا منحتها الكاتبة اسم “حياة”.
والحقّ أن المخرجة لم تقدم حكاية نسوية مباشرة ومكرورة، ولم تصنع فيلمًا احتجاجيًا بالمعنى التقليدي، ولم تقع في فخ الخطابة المستهلكة حول قمع المرأة وحقها في الحياة، بل صنعت ميثولوجيا عربية مرعبة وصامتة، تحمل صدى الأساطير القديمة، شديدة المحلية وشديدة الكونية في الوقت ذاته. وتلك المعادلة هي أصعب أنواع السينما. لأن السينما حين ترفع الشعارات تتحول إلى منشور سياسي، أما حين تتحول الفكرة إلى لحم بصري ورمز وشعر، هنا يولد الفن الحقيقي.
الفيلم يستدعي في روحه شيئًا من أساطير البحر المتوسط، لكن بلُغته الخاصة القادمة من رائحة الملح العربي، ومن ذاكرة الخليج، ومن حكايا الجدّات التي كنّ يتهامسن بها خوفًا من البحر والليل والمجهول. اعتمدت المخرجة على: الصورة، الصمت، ملمس الحراشيف حول الجلد الأنثوي المقهور، والمدّ والجزر النفسي، أكثر من اعتمادها على الحوار السمعي والموسيقى التصويرية. لذلك يبقى الفيلم بعد المشاهدة مثل شوكة تحت الجلد، تظلُّ تخز روحَك وتُشعرك بتأنيب الضمير، وكأنك مشاركٌ في هذه المذبحة الصامتة التي تحدث كل يوم من حولك، بصور مختلفة.
قرية فقيرة تؤمن أن البحر لن يمنحهم السمك إلا إذا قدّموا له البنات قربانًا. الأكثر بشاعة ليس الفكرة الدموية، بل حال الهدوء المريب والخضوع المخيف والصمت الجمعي المتواطئ الذي تتم به تلك المذابح الأنثوية. الأمهات يجدلن جدائل الصغيرات كأنهن ذاهبات إلى عُرسهن لا قبورهن المالحة، والآباء يرافقون البنات إلى بحر لا يشبع، والبناتُ يذهبن إلى حتوفهن طوعًا، وتلك أشدُّ المحن إيلامًا. أن تشعر الضحيةُ أنها لعنةٌ يجب أن تنتهي حتى يعيش المجتمع الصالح. أحد الآباء، بعدما يُلقي ابنته الرضيعة في البحر، لا يقوى على الرجوع، فيُلقي بنفسه لإنقاذها، ويحملها عائدًا وسط نظرات الآباء الآخرين التي بدت كسهام تقريع واتهام بالجُبن والخنوع والرخاوة. ففي عُرف تلك القرية تبدأ الجسارةُ والفروسية بوأد البنات في البحر من أجل الطعام. هذا الأب النبيل الذي رفض التضحية بابنته، وأخفاها عن العيون 12 عامًا، حتى لم يعد هناك مفرٌّ من التضحية بها، هذا الأب لم ينقذ ابنته حقًا، بل اشترى لها بعض الوقت، ثم حكم عليها بمنفى طويل داخل مجتمع ذكوري يرى الأنثى خطأً كونيًا، يجب إصلاحُه، بتصفيته. الرقم 12 يحمل إيحاءات طقسية وأسطورية: 12 شهرًا، 12 دورة قمرية، 12 برجًا، وكأن الصبية "حياة" قد عاشت دورة حياة كاملة قبل أن يطالب البحرُ بدَينه. هنا نكتشف أن “النجاة” في هذا المجتمع ليست حياة حقيقية، بل تأجيلٌ لموعد الذبح.
أحد أبطال الفيلم هو اللغة البصرية الرمادية التي تعلن الحداد على عالم مات أخلاقيًا. فيلم Scales يخاطب ويدينُ المجتمعات التي ما تزال، حتى اليوم، تلقي بناتها إلى البحر، ثم تسأل بدهشة: لماذا صار الماء مالحًا إلى هذا الحد؟
المدهش في الفيلم أن أهل القرية لا يتصرفون كأنهم “قتلة”، بل كأنهم موظفون داخل نظام مقدّس يؤمنون به. وهذا أخطر أنواع الشر. فالشرُّ الفردي يمكن مقاومته، أما الشر حين يتحول إلى طقس جماعي، إلى عُرف يقول: “هكذا عاش أجدادنا”، يصبح أكثر ثباتًا من الصخور وصلابةً. لهذا لن ترى طوال الفيلم ابتسامةً واحدة، ولا ظلَّ ابتسامة تلوّن الوجوه الواجمة الكالحة المالحة.
فيلم Scales استمرارٌ لحالة الوثوب النوعي المدهش الذي تقوم به الدراما السعودية خلال السنوات الماضية، والتي قدّمت خلالها أسئلة جودية وفلسفية شديدة العمق، عبر عدسة الكاميرا. تحية احترام لجميع صنّاع هذا الفيلم المدهش.
***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -طبلة الستّ-… حلويات مصر… صانعاتُ الفرح
- -توفيق الدقن-… الشريرُ الظريف
- عبدُ الرحمن أبو زهرة
- السَدَنَة!
- كرامةُ الفنّ… وداعًا -هاني شاكر-
- شهاداتٌ عُليا… على رفِّ الانتظار
- “رادار- CIC يرصدُ جرائمَ بلا وجوه
- ابني الصموتُ… ثلاثُ طُرقٍ للعشق
- نخلةٌ … وجَرّةُ ماء
- هل للذكاء الصناعي مشاعرُ؟!
- -اللون الأزرق-… في بيتي زُرقةٌ أخرى!
- تصنيفُ البشر: صُنّاعُ فرح - صُنَّاعُ ويل
- في مكتبة الأسكندرية… -طيف التوحد- يتكلم
- سعفةٌ ذهبية… لقلبِ مصرَ الأخضر
- إعدامُ أسير … ثقبٌ في ضمير العالم
- “دوريس خوري- … عصفورةُ المنفى
- فاجعةُ كرموز… الانتحارُ الممتد
- ماذا يُعذِّبُ المُسنّين؟ دارُ الخصومِ الأربعة
- العيدُ… ونوافذُ مفتوحةٌ على القصف!
- إفطارُ رمضانَ على مائدة -منير غبور-


المزيد.....




- حلبة قتال قادمة إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض
- الصين في الشرق الأوسط: حضور لوجستي أم توسّع استراتيجي؟ - مقا ...
- هل خسر ترامب مفاوضات إيران؟ حديثه المفاجئ عن التطبيع يثير تس ...
- إسرائيل تمنع دخول 40 ناشطًا من -المرصد الأورومتوسطي- وتتهمهم ...
- في غزة المدمرة: الفلسطينيون يحيون عيد الأضحى بين الركام
- بعد 960 يوماً من الحرب.. تقديرات إسرائيلية: نجحنا في قتل الق ...
- الحرس الثوري يحذر ساحل إيران سيتحول إلى -مقبرة- إذا استؤنفت ...
- السعودية: أكثر من 1 مليون و500 ألف حاج يؤدون رمي الجمرات في ...
- دبلوماسية الردع.. لماذا تخلت طهران عن الصبر الإستراتيجي بمفا ...
- خبير عسكري.. الاحتلال يسعى لتطويق النبطية شرقا لعزلها عن عمق ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - فاطمة ناعوت - قشور … سيدة البحار