أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - -توفيق الدقن-… الشريرُ الظريف














المزيد.....

-توفيق الدقن-… الشريرُ الظريف


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8711 - 2026 / 5 / 20 - 11:10
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


Facebook: @NaootOfficial
أحد رموز الفصيل النادر من الفنانين الذين أفسدوا علينا أحكامَنا الجاهزة. كيف يكونُ الشرُّ خفيفَ الظل؟! كيف نضحكُ مع الشرير، ونحن نلعنه؟ نتعاطف معه ونحن نخافه؟ يلبس ثوبَ النصاب والمحتال والبلطجي، لكنه يقتنصُ الضحكات من صدورنا، مثلما يقتنصُ المغانم من ضحاياه. قسوته الساخرة كانت تقول: الوجوهُ ليست كما تبدو، ففي أعماق الشرّ دفءٌ ما، لا تدري من أين جاء. تلك هي المعادلة الصعبة التي صنعت ظاهرة "توفيق الدقن"، الرقم الصعب في تاريخ الفن المصري.
سعدتُ بحضور صالون "كلام ف السيما"، الذي يقيمه المخرج "أشرف فايق" في "سينما الهناجر"، وكان الاحتفاءُ هذا الشهر بأحد رواد مدرسة "تحويل الهامش إلى مركز”، التي يحتلّ فيها ممثلُ الدور الثاني، ثقل ومكانة البطل. فما إن يظهر "الدقن" في الكادر، ينزاح الضوءُ نحوه تلقائيًّا؛ فيسرق المشهدَ بحضوره المدهش.
الطريفُ أن معظم الشخصيات التي أدّاها كانت: منحرفة، انتهازية، مقامرة، قاسية غليظة، ومع هذا لم نقبض على أنفسنا ناقمين عليه، بل متورّطين معه وجدانيًّا، رغم انحيازنا الفطري إلى "البطل"، الذي غالبًا ما يكون أحد ضحاياه. كيف صنع "توفيق الدقن" تلك المفارقة العجيبة؟ لأنه لم يؤدِّ الشرَّ كـ “وظيفة درامية”، بل باعتباره جُرحًا ضروريًّا في ثوب الإنسانية، به تنْصُعُ التناقضاتُ ويتجلّى الصراع الحتمي بين الخير والشر. لكن "الدقن” صنع تلك المعادلة الصفرية بخلطته الخاصة التي ضفّرت الشرَّ بالظرف، والمكرَ بالفكاهة؛ فصار حضوره مُربكًا، محيّرًا؛ حدَّ أن تلومَ نفسَك على خيانتك البطلَ بتورطك في عشق خصمه ومُعذّبه! تلك عبقرية "توفيق الدقن"؛ أنه لم يقدّم الشرير بوصفه نقيضًا للبطل الطيب، بل بوصفه "مرآته" الأخرى. فالإنسانُ ليس كاملَ الإشراق، ولا كاملَ الإعتام. لهذا مزج الشرّ بالطرافة، والقبحَ بالإنسانية، فنخرج من الفيلم ونحن أقلَّ يقينًا وأوسعَ حكمة.
عباراته الشهيرة، التي حفرت لنفسها مكانًا في معاجمنا اليومية، لم تكن "إيفيهات" مرحة، بل كانت فلسفةَ نجاة. "أحلى من الشرف مفيش!” قالها بسخرية لاذعة جعلتها تعيش أطول من الفيلم الذي قيلت فيه وتتحول إلى لازمة شعبية نرددها حتى اليوم. "يا آه يا آه!” بتلك الآهة الممطوطة التي نصفها ضحك ونصفها وجع. "يا سلام سلّم!” العبارة الجوكر التي تُقال في مواقف شتى من السخرية إلى المديح. “ألو يا أمم"، التي تندهشُ من أين نسجها وكأن زعيم زعماء العالم يفتتح خطابًا كونيًّا. "العلبة دي فيها ايه؟ فيها فيل!" جوكر المغالطات المنطقية، وغيرها. تلك العبارات لا تحمل إلا توقيع "توفيق الدقن"، ونبرة صوته المميزة. فهو لم يكن “ممثل إفيهات” بل فنانُ أداءٍ وحضور. عباراته كانت صنيعة الشخصية المتفردة التي لم ينجح أحدٌ في محاكاتها؛ لهذا احتلَّ مكانه الفريد في كتاب تاريخ الفن المصري، العصيّ على النسيان.
يُذكّرنا "توفيق الدقن"، على نحوٍ ما، باللصّ النبيل "آرسين لوبين” الذي ابتكره الفرنسيُّ “موريس لوبلان”. كلاهما يسرقك وأنتَ تبتسم. كلاهما يجعلك متواطئًا معه رغم إقرارك بآثامه وخطاياه. أحببنا كلّاً منهما لا لأنه بريء، بل لأنه ذكيٌّ خفيفُ الروح وذو سحرٍ إنساني خاص. كلاهما قدّم الشرّير لا ككتلة سواد، بل كإنسانٍ ناقص، ماكر، مهزوم، طريف، ومجروح أحيانًا. كلاهما يدخل قلبك بابتسامةٍ تجعلك تنسى أنك أمام "خارجٍ على القانون”. فلا تملك إلا أن تتابعه بشغف، وتتمنى ألّا يُقبَض عليه!
تلك هي المعضلة الأخلاقية الجميلة التي يخلقها الفن العظيم: أن يجعلك ترى الإنسانَ من وراء القناع المظلم. ولعلّ هذا ما جعل أدوار "توفيق الدقن" تعيش وتَخلُد. لأن الشرير التقليدي يُخيفك، فتنساه. أمّا الشرير الذي تتورّط معه وجدانيًّا، يبقى.
وكما برع "الدقن" كوميديًّا، برع تراجيديًّا في دور الأب المأزوم حين تقدّم به العمر. لهذا ظلّ مختلفًا وفريدًا. ففي السينما المصرية كثيرون أضحكونا، وكثيرون أخافونا، لكن القليلين جعلونا نضحك ونشفق في اللحظة نفسها. تلك المنطقة الرمادية المعقّدة التي لا يجيدها إلا الكبار.
ومن مفارقات الحياة الطريفة، أن يصبح نجلُ هذا الفنان الجميل أحدَ كبار رجال القانون والمحاماة: المستشار "ماضي توفيق الدقن"، صديق طفولتي الذي أعتزُّ بجيرة أسرته في حي العباسية العريق. لهذا تظلُّ شهادتي في "توفيق الدقن" مجروحة، مهما حاولتُ اعتمار الحياد. فقد أحببتُه في طفولتي إنسانًا، قبل أن أعشقه فنانًا عزَّ نظيرُه.
تحيةً لصالون “كلام ف السيما” الذي يعيد فتح دفاتر الفنّ الجميل، لا باعتباره نوستالجيا، بل باعتباره ذاكرتنا الفنية الحيّة. وتحيةً للمنصّة التي أثرت الحوار: الأساتذة: ماضي الدقن، أشرف حسن البارودي، مجدي صبحي، محسن صبري، رشدي الدقن، رانيا حفني. وتحيةً احترام للفنان الخالد الذي علّمنا أن الفنَّ العظيم يُحرِّرنا من الأحكام الجاهزة، ويمنحنا قدرة النظر إلى الإنسان بعينٍ أوسع من اليقين، ويُلبسنا معطفَ قضاةٍ عدول.
***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عبدُ الرحمن أبو زهرة
- السَدَنَة!
- كرامةُ الفنّ… وداعًا -هاني شاكر-
- شهاداتٌ عُليا… على رفِّ الانتظار
- “رادار- CIC يرصدُ جرائمَ بلا وجوه
- ابني الصموتُ… ثلاثُ طُرقٍ للعشق
- نخلةٌ … وجَرّةُ ماء
- هل للذكاء الصناعي مشاعرُ؟!
- -اللون الأزرق-… في بيتي زُرقةٌ أخرى!
- تصنيفُ البشر: صُنّاعُ فرح - صُنَّاعُ ويل
- في مكتبة الأسكندرية… -طيف التوحد- يتكلم
- سعفةٌ ذهبية… لقلبِ مصرَ الأخضر
- إعدامُ أسير … ثقبٌ في ضمير العالم
- “دوريس خوري- … عصفورةُ المنفى
- فاجعةُ كرموز… الانتحارُ الممتد
- ماذا يُعذِّبُ المُسنّين؟ دارُ الخصومِ الأربعة
- العيدُ… ونوافذُ مفتوحةٌ على القصف!
- إفطارُ رمضانَ على مائدة -منير غبور-
- الوطنُ للجميع … بأمر الرئيس
- مَن علّمَ الفتى أن يكره؟!


المزيد.....




- الاحتلال يبعد طفلا عن المسجد الأقصى
- فلسطين: إضاءة المسجد الإبراهيمي بألوان علم إسرائيل اعتداء عل ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان تنكّس علم الاحتلال بعد إخلاء مقر ...
- حرس الثورة الإسلامية: إذا تكرر العدوان على إيران فإن الحرب ا ...
- حرس الثورة الإسلامية: إذا تكرر العدوان على إيران ستكون ضربات ...
- حرس الثورة الاسلامية: العدو الأميركي الإسرائيلي الذي لم يتعل ...
- حرس الثورة الاسلامية: رغم أنهم هاجمونا بكل قدرات جيشيهم الأك ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان تنكّس علم الاحتلال بعد إخلاء مقر ...
- صراع سرديات.. واشنطن تعاقب أسطول الصمود وتلاحق الإخوان المسل ...
- الإسلاميون في السودان يعودون للساحة.. على مرأى ومسمع الجيش! ...


المزيد.....

- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - -توفيق الدقن-… الشريرُ الظريف