أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - السَدَنَة!














المزيد.....

السَدَنَة!


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 13 - 12:04
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


السَــــدَنَة!
Facebook: @NaootOfficial

ما إن يرحلُ إنسانٌ، حتى يخرجَ علينا سَدَنةُ الجحيم من شقوق الهواتف. لا يحرسون معبدًا، ولا يقفون على باب مقدّس، بل يحملون مفاتيح الجنّة والنار. ينبطحون خلف هواتفهم، ويترهّلون على صفحات التواصل الاجتماعي يبحثون بعيونهم المتلصصة عن خبر رحيل مفكّر أو فنان أو أديب،ليفتحوا معاجم التطاول والبذاءة والمراهقة الفكرية. هَلَك، نَفَق، غار من الحياة في ستين…، ثم يتبارون في ثِقَل الظلّ والاستظراف السمج والتنمّر على المُشيّعين في الجناز والمعزّين في واجب العزاء. هذا كافر، وتلك فاجرة، وهذا لا تجوز عليه الرحمة، وتلك هاربة من القبر، وهذا غافَل ملكَ الموت وفرّ، هذه ثوبها مكشوف، وتلك شعرها دون غطاء؟! حتى الُعمر، الذي هو بيد الله وحده لا شريك له فيه، يسخرون منه! وكأن كبار السنّ يُطيلون أعمارهم بالاقتصاص من أعمار المتنمرين! أين تعلّم هؤلاء أن ملامح الوجوه وأعمار الخلق أمورٌ تجوز السخرية منها، مُتناسين أنهم يتجرّأون على الله تعالى ذاته؛ الذي سوّى أشكالنا، وقررّ أعمارنا؟!
أيُّ زمن هذا الذي تحوّل فيه الموتُ، وهو أقدسُ لحظة في التجربة الإنسانية، إلى سيركٍ للتنمّر والبذاءة والاغتيال المعنوي؟! تصوّروا أن أكثر من ٣٠٠٠ تعليق على صورة عزاء، ليس من بينها: “الله يرحمه"، أو "إنّا لله وإنّا إليه راجعون"، ولا كلمة عزاء واحدة لأهل المتوفى قد تخفّف عن قلب مصدوع! أو على الأقل شيءٌ من خشوع أمام جلال الموت بالصمت الجميل! فقط شماتة، وسخرية، وتكفير، وتلصُّص على ملابس النساء! متى أصبح الوقوف أمام النعوش مادةٌ لمحاكم التفتيش الرقمية؟!
مَن هؤلاء؟! من أين جاءوا؟ هل هم حقًا أحفادُ الشعب المصري المثقف الذي عرفته الخمسينيات والستينيات؟ شعب: طه حسين، وعبد الرحمن بدوي، وزكي نجيب محمود، ومصطفى مشرّفة، وسهير القلماوي، وأحمد شوقي، ونجيب محفوظ، وأم كلثوم، وعبد الوهاب؟ الشعب الذي كان يختلف بأدب، ويحزن بنُبل، ويواسي في الشدائد، ويحترمُ مشاعر الآخرين، ويقف أمام الموت في خشوع؟ أمعقول أن أولئك القناصة المترهلون خلف شاشات الهواتف هم أبناء أولئك العظماء الذين شكّلوا وجه مصر الحديث؟ بل هل هم أحفاد الجدّ المصري القديم الذي صنع أول حضارات الأرض وأعظمها؟ كيف انحدرنا من مجتمعٍ نبيل يدرك أن لحظات الموت مقامٌ للمؤازرة، إلى حثالات ترى الموتَ فرصةً لإطلاق الأحقاد المكبوتة ومعاجم التدني؟!
مَن أولئك ومِن أين جاءوا الذين نصّبوا أنفسَهم وكلاءَ لله على الأرض، حاشاه تعالى أن يجعل له وكلاءَ هو الأقربُ إلينا من حبل الوريد؟ من أي فجٍّ تسلّلت جحافلُ السدنة المتبجحين الذي يوزعون على الخلق صكوكَ الرحمة والعذاب، مفاتيحَ الجنة والنار؟ وإذا افترضنا جدلا أنهم حُماة العقيدة، وفق زعمهم الكذوب، فهل أقلُّ من تأكيد زعمهم بالتحلّي بنظافة اللسان وعفّة القول، كما تأمرنا العقائدُ والأديان؟ يُقرّرون مِن لدُنهم مَن سيُغفر له ومَن يُقصى من رضوان الله، فهل أقلُّ من أن ينظّفوا صحائفهم من ألفاظ البذاءة والانحطاط؟! كيف يُكتب عن الفضيلة بمفردات الرذيلة؟!
في المحكّات والشدائد تتعرّى النفوسُ من دُثُر الزيف وتتساقط الأقنعة، وتظهر الوجوهُ دون مساحيق تجميل، فتظهر أخلاقُ النفوس بجلاء. وكلُّ إنسان يرى العالمَ بعين قلبه. الفاضلُ: يرى الناسَ فُضلاءَ في كل حال، ويظنّ فيهم الخيرَ. والدَنِسُ: يرى الناسَ أدناسًا غارقين في الرذيلة. النظيفُ: يرى العالمَ نظيفًا، ويلتمس للناس الرحمة، والملوَّثُ قلبُه: لا يرى إلا عيوبَه وخطاياه منعكسةً على صفائح الآخرين، فينهال عليهم بالسباب واللعنات. وهذا ما سمّاه علمُ النفس: “الإسقاط". أن يُلقي المرءُ مخازيه وآثامَه على الناس؛ كي يهرب من مواجهتها في نفسه والاعتراف بها. يمارسون، دون أن يدروا، نوعًا من "التطهّر الأرسطي" المشوَّه؛ حيث يتطهّرون من خطاياهم بإلصاقها بغيرهم، فيشعرون بنقاءٍ زائف كلما لوّثوا سمعة إنسان. لهذا يتحولون إلى صائدي موتى. لأن منازلة الأحياء تحتاج إلى شجاعة، بينما منازلة الموتى معركةٌ سهلة مضمونةُ النتائج لا يمارسها إلا الجبناء من وراء الشاشات، ضامنين أنهم ناجون من العقاب والصفعات. لكنهم لا يدرون أن معجمهم الواطئ يكشف لنا تدني أخلاقهم وانحطاط تعليمهم وتربيهم وبيئتهم، وهذا الكشفُ في ذاته، هو الصفعة الكبرى.
في رسالته "فلسفة الموت"، يُنبئنا الدكتور "عبد الرحمن بدوي" أن الموت هو الوجود الأصيل للإنسان، ومنتهى إمكانات النضوج البشري. لهذا تظهر الكرامةُ الحقيقية للإنسان في أسلوب وقوفه أمام لحظات الفناء. أمام الموت يُختبر معدنُ البشر؛ لأنه لحظة تأمل في هشاشتنا جميعًا. كلُّنا ذاهبون إلى الباب نفسه، حُفاةً عُراةً من الألقاب واليقينيات. عند الموت تضع الحروبُ أوزارها، فلا يحقُّ لأنسان أن يدنّس قبر أخيه؟ أولئك السَّدنة لا يشوّهون الموتى بل أنفسهم يصفعون. فالضباع وحدها تعوي في جنائز الموتى.

***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كرامةُ الفنّ… وداعًا -هاني شاكر-
- شهاداتٌ عُليا… على رفِّ الانتظار
- “رادار- CIC يرصدُ جرائمَ بلا وجوه
- ابني الصموتُ… ثلاثُ طُرقٍ للعشق
- نخلةٌ … وجَرّةُ ماء
- هل للذكاء الصناعي مشاعرُ؟!
- -اللون الأزرق-… في بيتي زُرقةٌ أخرى!
- تصنيفُ البشر: صُنّاعُ فرح - صُنَّاعُ ويل
- في مكتبة الأسكندرية… -طيف التوحد- يتكلم
- سعفةٌ ذهبية… لقلبِ مصرَ الأخضر
- إعدامُ أسير … ثقبٌ في ضمير العالم
- “دوريس خوري- … عصفورةُ المنفى
- فاجعةُ كرموز… الانتحارُ الممتد
- ماذا يُعذِّبُ المُسنّين؟ دارُ الخصومِ الأربعة
- العيدُ… ونوافذُ مفتوحةٌ على القصف!
- إفطارُ رمضانَ على مائدة -منير غبور-
- الوطنُ للجميع … بأمر الرئيس
- مَن علّمَ الفتى أن يكره؟!
- الحرب!
- عيد ميلاد -عمر-


المزيد.....




- بين الحداد والسياسة.. طهران على موعد مع أكبر مراسم وداع في ت ...
- تنظيم -الدولة الإسلامية- يوسع هجماته في منطقة الساحل الأفريق ...
- غالبيتها بالقدس.. 83 اعتداء إسرائيليا على مسيحيين خلال 3 أشه ...
- إلقاء نظرة الوداع الأخيرة على جثمان المرشد الأعلى السابق علي ...
- وصول جثمان المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي إلى مصلّ ...
- رئيس مؤسسة الدعاية الإسلامية الشيخ محمد قمي: هناك أخوة مع ال ...
- سوريا: إدراج الجامع العمري بقوائم إيسيسكو يرسخ مكانته التاري ...
- عشرات الآلاف من المصلين يؤدون صلاة الجمعة في المسجد الأقصى ا ...
- الرئيس الإيراني بزشكيان: الكيان الصهيوني يسعى لإثارة الخلافا ...
-  بزشكيان: استراتيجية -إسرائيل- قائمة على نشر الفوضى وإثارة ا ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - السَدَنَة!