أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - الأضحى… أكبرُ من الخوف














المزيد.....

الأضحى… أكبرُ من الخوف


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8722 - 2026 / 5 / 31 - 12:00
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



جميعُ الأعياد تأتي بالبهجة والفرح، لكن هناك أعيادًا تأتينا بالسؤال. وعيد الأضحى من تلك الأعياد التي تجعلُ عقولَنا تمورُ بالأسئلة. على رأسها: بماذا نضّحي من نفائسنا التي نخافُ من فقدها؟
في هذا العيد، البطلُ الحقيقي ليس "الأضحية"، بل هو الإنسان حين يقفُ فجأة أمام أكثر الأسئلة قسوةً: “ما الذي يمكنني التخلّي عنه، وتحمّل نزف القلب على فقده؟ لهذا بقيت قصة النبي إبراهيم، عليه السلام، حيّةً في الوجدان البشري منذ قرون. فلم تكن المأساةُ أبٌ يحمل سكينًا ليذبحَ ابنَه، طاعةً لمَن هو أكبر من حبّه لابنه وأكبر من خوفه من فقده، لكنها كانت لحظة وجودية هائلة يسأل فيها الإنسانُ نفسَه: هل يستطيع أن يحب دون أن يحتجز من يحب داخل قفص خوفه؟ كان المطلوب من الأب، في جوهر الحكاية، ألا يذبح ابنه، بل أن يذبح خوفه من فقدانه، وربما هذا هو الدرس الذي أراد الله أن يعلّمنا إياه من ذلك المشهد المربك.
فنحن لا نخافُ على مَن نحب فقط، بل نخاف منهم أيضًا. نخاف أن يغادروا. أن يكبروا بعيدًا عنا. أن يتغيّروا. أن يسحبهم العالمُ من بين أيدينا، فيحبون غيرنا ويستغنون عنّا. فنبدأ، باسم الحب، في تقييدهم بخيوط خفية من القلق والتملك. الأم التي تمنع طفلها من الحياة لأنها تخاف عليه من الحياة، والأب الذي يُذيبُ ابنَه داخل أحلامه المؤجلة، أولئك يرفعون أبناءهم فوق "مذابح الخوف" كل يوم دون أن ينتبهوا. ذاك هو الرمز. أراد الله أن يعلّمنا أن الحب الحقيقي ليس امتلاكًا. بل شجاعةُ تركِ مَن نحبُّ حرًا تحت سماء الله. تلك هي الأضحية الأصعب.
في "عيد الأضحى المبارك"، يعود السؤالُ القديم متخفيًا في ثياب جديدة: ما الذي يجب أن نذبحه داخلنا كي نحبَّ بشكلٍ أنقى وأصفى؟ الأنانية؟ الطمع؟ الاستقواء على الضعيف؟ وهم الكمال والتفوّق؟ أم تلك “الأنا” المتضخمة الذي تريد أن تسيرَ الحياةُ وفق تصميمها الهندسي الصارم؟ ربما لهذا تبدأ تكبيراتُ العيد بتلك الرجفة الروحية الجماعية: "الله أكبر". اللهُ أكبر من خوفنا على مَن نحب. أكبر من خساراتنا. أكبر من قلقنا على المستقبل. أكبر من ذلك الوحش الرابض داخل أرواحنا يهمس لنا طوال الوقت: "أمسِك كل شيء، قبل أن يضيع.” هنا تربّتُ السماءُ على كتف البشر، وتقول لهم: تعلّموا كيف تحبون دون خوف.
يأتي عيد الأضحى محمولًا على أصوات التكبير، فيهدأ شيءٌ غامض داخل الروح، حين نتذكّر أن هناك قوةً أكبر من خوفنا، وأرحب من قلقنا، وأحنّ من هذا العالم القاسي الذي يطحن أرواحنا كل يوم. نسمع النداء: “اللهُ أكبرُ"، فيخرجُ الناسُ من بيوتهم بثياب نظيفة جديدة، يُصلّون ثم ينحرون الأضاحي، لكنهم يعودون إلى بيوتهم يجرّون خلفهم أضحياتهم السرية التي لا يراها أحد: خوف، ندم، وحدة، فشل، أو ابنٌ يُخاف عليه أكثر مما ينبغي، أو أمٌ رحلت ولم يعد صوتها يوقظ البيت في صباح العيد. هنا علينا أن نتأمل "العيد"، في جوهره العميق. فهو ليس فقط مناسبة للفرح وإطعام الفقراء، بل كذلك مناسبة للتأمل في معنى الرحمة، ومعنى المحبة، ومعنى أن يتحرّرَ الإنسانُ من سجنه الداخلي المزدحم بالخوف والأنانية والقلق.
ذلك هو الرمزُ الخفيّ في قصة أبي الأنبياء "إبراهيم" عليه السلام. أن الإنسان عليه أن "يُضحّي" بالخوف على مَن يحبهم، لأنه لا يستطيع حمايتهم، مهما خفق القلبُ ونزف. لهذا نقول: "اللهُ أكبر". أكبرُ من حبّنا وأكبرُ من خوفنا. ما أجملَ أن يحب الإنسانُ أبناءه! وما أقسى ذلك! فالأمومة والأبوة ليستا فقط مشاعرَ حنوّ ورعاية، بل حالٌ دائمة من القلق الجميل. الأم تخاف على طفلها من العالم، من المرض، من الإخفاق، من الأيام والغد. وحين يكبر الطفل، تكتشف أن أصعب ما في الحب ليس الاحتفاظ بمن نحب، بل السماح لهم بأن يعيشوا حياتهم بطريقتهم الخاصة. وأنا، كأمٍّ، أعيش هذه الحالَ كل يوم مع ابني المتوحّد “عمر”. لم أستطع بعد "التضحية" بخوفي عليه بعد رحيلي من العالم، رغم إيماني العميق بأن الله أحنُّ عليه منّي وأكبر.
كلُّ طفل يأتي إلى الدنيا حاملًا لغته الخاصة، لكن بعض الأطفال يأتون أكثر رهافة، كأن أرواحهم مكشوفة على ضوء السماء. أتأملُ ابني "عمر" وهو مأخوذٌ لساعات بانعكاس الضوء والظلال على النافذة، أو بحركة الستارة مع الريح، أو بصوت التكبيرات تتردّد من المسجد القريب عند الفجر، وكأن العالم عنده ليس حدثًا اجتماعيًا صاخبًا، بل نسيجٌ حسّيّ بالغ الرقة والتعقيد. أنظرُ إليه وأقول في نهار العيد "الله أكبرُ من خوفي عليك يا "عمر". فإن تركتًكَ في هذا العالم القاسي وحيدًا، فإن معك ربًّا أكبرَ من العالم.


***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قشور … سيدة البحار
- -طبلة الستّ-… حلويات مصر… صانعاتُ الفرح
- -توفيق الدقن-… الشريرُ الظريف
- عبدُ الرحمن أبو زهرة
- السَدَنَة!
- كرامةُ الفنّ… وداعًا -هاني شاكر-
- شهاداتٌ عُليا… على رفِّ الانتظار
- “رادار- CIC يرصدُ جرائمَ بلا وجوه
- ابني الصموتُ… ثلاثُ طُرقٍ للعشق
- نخلةٌ … وجَرّةُ ماء
- هل للذكاء الصناعي مشاعرُ؟!
- -اللون الأزرق-… في بيتي زُرقةٌ أخرى!
- تصنيفُ البشر: صُنّاعُ فرح - صُنَّاعُ ويل
- في مكتبة الأسكندرية… -طيف التوحد- يتكلم
- سعفةٌ ذهبية… لقلبِ مصرَ الأخضر
- إعدامُ أسير … ثقبٌ في ضمير العالم
- “دوريس خوري- … عصفورةُ المنفى
- فاجعةُ كرموز… الانتحارُ الممتد
- ماذا يُعذِّبُ المُسنّين؟ دارُ الخصومِ الأربعة
- العيدُ… ونوافذُ مفتوحةٌ على القصف!


المزيد.....




- إسرائيل تصادق على مشروع قانون جديد يستهدف تقييد الأذان في ال ...
- تصريحات وزير الشؤون الإسلامية السعودي حول الجمعيات الخيرية ت ...
- بالتنسيق مع حرس الثورة الاسلامية.. عبور 28 سفينة لمضيق هرمز ...
- بالصور.. السفير الايراني لدى بغداد يلتقي بطريرك الكنيسة الكل ...
- مستوطنون يرفعون علم إسرائيل في المسجد الأقصى
- الحركة النسوية الإسلامية في البوسنة: مسلمات يطالبن بالحقوق
- صراع الاستحقاق المسيحي يفتح مواجهة بين -صويانا- و-بابليون-
- جواني: أهداف الأعداء الاستراتيجية كانت تشمل تدمير القدرات ا ...
- جواني: مياديننا مستعدة وإذا ارتكب العدو خطأً مجدداً فإن رد ...
- سياري: جيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية يقف باقتدار في موا ...


المزيد.....

- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - الأضحى… أكبرُ من الخوف