أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - شجرةُ الأقدارِ البديلة… الغصنُ الأعوج














المزيد.....

شجرةُ الأقدارِ البديلة… الغصنُ الأعوج


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 12:12
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



فى الرياضيات، يخبرنا علمُ الاحتمالات أن لكل حدثٍ نتائجَ ممكنةً، غير أن الواقع لا يسمح إلا بنتيجةٍ واحدة. وتمضي النتائجُ الأخرى إلى العدم؛ لكنها تبقى فى الخيال، كطرقٍ مُحتملة لم نسلكها، وأبوابٍ لم نطرقها، وأقدارٍ لم تولد. أما التاريخُ، فهو أكثر قسوة وحسمًا؛ إذ لا يمنح الأممَ فرصَ العودة لتجربة الاحتمالات التى لم تقع. للتاريخ أشجارٌ من الأقدار، لا يراها أحد. عند كل منعطف تاريخي، تشقُّ الأقدارُ طريقين نسير أحدهما، ويختفي الآخرُ من الخارطة، لكنه يظل حيًّا فى الخيال. لا أحد بوسعه أن يعيش التاريخ مرتين، لكن عين الخيال، تستطيع أن تتأمل الطريق الذى لم يُسلك.
كلما أقبل 30 يونيو، لا أستدعى صورَ الحشود، ولا هدير الميادين بالأعلام، ولا اعتصام المثقفين في مبنى وزارة الثقافة بالزمالك وشوارعها، ولا الكروت الحمر التي رفعناها في وجه الإخوان، ولا حتى أستدعي مقالاتي التعبوية التي كنتُ أختتمُها دائمًا بعبارة: “موعدنا 30 يونيو”، وصوري وأنا أجوب الشوارع أستوقف السيارات وأنادي المارّة بالعبارة ذاتها. فكل ذلك أصبح جزءًا من الذاكرة الوطنية. ما يشغلنى اليوم ليس ما حدث، بل ما لم يحدث.
ذلك الغصن الذى اِجتُثَّ من شجرة الأقدار، لأن إرادتنا وتجمعنا، نحن المصريين، على حب الوطن والخوف عليه، حذف الغصن الأعوج من خارطة البدائل. أتساءل: كيف كانت ستبدو مصر لو مضت فى الطريق الآخر؟ الإجابة ليست من باب اليقين قطعًا، فالغيب لا يملكه بشر، وإنما من باب التأمل الذى يمنحنا القدرة على رؤية قيمة ما بين أيدينا.
أتخيل القاهرة وقد فقدت شيئًا من شخصيتها. المدينة التى اعتادت، عبر آلاف السنين، أن تجمع فى شارعٍ واحد بين المئذنة وجرس الكنيسة، بين المسرح والمدرسة، بين بائع الكتب وبائع الحلوى، بين الشيخ والراهب والفنان والفيلسوف والمهندس والعامل والفلاح. هل كانت ستظل القاهرة بنفس ضحكتها التي أحبها العالم ومن أجلها يأتي الناسُ أفواجًا لينعموا بدفئها وأنسها؟ أم كانت ستغدو مدينةً خائفة تخجلُ من اختلافها وتستحي من تنوعها، وتتبرأ من دفئها الذى هو أحد أسرار جمالها؟
أتخيلُ مكتبةً تخلو رفوفها، لا لأن الأقلام جفّت، بل لأن الأدباء صاروا حذرين؛ يحذفون أكثر مما يخطّون، ويعتذرون إذا ما فكروا. أتخيل شاعرًا يمزق قصيدة، ليس لأن ميزان العروض قد اختل بين أصابعه، بل لأن للكلمات ثمنًا لا يطيقه قلبُ شاعر. أتخيل رسامًا انطفأت ألوانه، وموسيقيًا انخفض صوت عوده، ومُخرجًا يشطب المشاهد، وأستاذ فلسفة يتلعثم في المحاضرة ثم يختصر نصف المنهج؛ لأن لا فلسفة دون سؤال، وقد صار السؤال مكلفًا. فالاستبداد لا يبدأ بإغلاق الصحف، بل يبدأ حين يخاف الورقُ من حمل الفكرة.
ثم أتخيل الطفل المصري الذى سيكبر بعد عشرين عامًا ليقود هذا الوطن. ماذا ينغرسُ فى رأسه؟ هل كنا سنعلمه أن المعرفة تبدأ بالسؤال، أم نقنعه بأن السؤال خطيئة؟ هل كان سيتعلم أن العالم يتسع لاختلاف البشر، أم أن الاختلاف جرمٌ تتبرأ منه الأوطان، لأن الحقيقة لا تسكن إلا نافذةً واحدة؟ ولأنني شاعرةٌ، فإن ما يشغلني ليس السياسة بل الخيال. الخيال هو أول ضحايا المجتمعات التى تضيق بالتعدد. وإذا انكمش الخيالُ، انكمش العلمُ، والفن، والفلسفة، وحتى الاقتصاد، بل انكمشتِ الحياةُ بأسرها. فكل اختراع بدأ بخيال، وكل ابتكار بدأ بسؤال، وكل قصيدة بدأت بصورة، وكل حضارة بدأت بإنسانٍ تجرأ على تخيُّل عالمٍ أجمل من العالم الذى ورثه. فالأمم تتحضّر بقدر ما تتركه لعقول أبنائها من مساحاتٍ واسعة للتفكير والإبداع والاختلاف.
ولذا، فالاحتفاء بـ 30 يونيو تذكيرٌ بأن حماية الوطن مسؤوليةٌ يومية. فالثورات قد تغير مسار التاريخ، لكن الذى يحفظ هذا المسار هو التعليم، والثقافة، والعدل، واحترام الإنسان، والإيمان بأن مصر أكبر من أي جماعة، وأوسع من أي فكرةٍ تريد أن تختزلها فى لونٍ واحد أو صوتٍ واحد.
علمنا التاريخُ أن أخطر ما يواجه الأوطان ليس وحسب الفقر والإرهاب والأزمات، بل ضمورُ العقل. لأن العقل إذا انطفأ، فلن يستطيع أن يبنى اقتصادًا، ولا أن يبتكر دواءً، ولا أن يكتب رواية، ولا أن يحمى الوطن. لهذا لا تُقاس القرارات التاريخية فقط بما صنعته، بل بما منعت وقوعه من مِحن. ونحن نحتفل بما تحقق، وننسى أن للتاريخ وجهًا لم يُرَ؛ كوارثَ لم تقع، خرائطَ لم تُرسم، انقساماتٍ لم تحل، وأحلامًا نجت لأنها وجدت من يحرسها. الأوطان العظيمة لا تعيش على أمجاد الأمس وحسب، بل تحيا بيقظة أبنائها وقدرتهم على تصحيح المسار كلما اقتربوا من حافة الهاوية.
مقام السؤال: هل بوسعنا إدراك قيمة الطريق الذى سلكناه، دون أن نمتلك شجاعة تخيُّل الطريق الذى لم نسلكه؟
***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامُ السؤال … أثرُ الفراشة
- 90 دقيقة من الأمل… والهدف الرابع
- الذي أورثني قلبًا عاطلا عن البغضاء
- الاختلافُ… وفنُّ بناء الجسور (3)
- الاختلافُ… وفن بناء الجسور (2)
- الاختلافُ… وفن بناء الجسور (1)
- في مقام : -علي الحجار-
- ماما… لم أعد بِحاجةٍ إليكِ!
- علمانيون… حين تموتُ الثقافةُ كمدًا!
- الأضحى… أكبرُ من الخوف
- قشور … سيدة البحار
- -طبلة الستّ-… حلويات مصر… صانعاتُ الفرح
- -توفيق الدقن-… الشريرُ الظريف
- عبدُ الرحمن أبو زهرة
- السَدَنَة!
- كرامةُ الفنّ… وداعًا -هاني شاكر-
- شهاداتٌ عُليا… على رفِّ الانتظار
- “رادار- CIC يرصدُ جرائمَ بلا وجوه
- ابني الصموتُ… ثلاثُ طُرقٍ للعشق
- نخلةٌ … وجَرّةُ ماء


المزيد.....




- جيروزاليم بوست: هل يتفكك المثلث الذهبي بين إسرائيل وأمريكا و ...
- مجلس تنسيق الدعاية الاسلامية: ستبدأ مراسم تشييع الجثمان الطا ...
- المرشد الأعلى الإيراني يغيب عن جنازة والده بحضور كبار المسؤو ...
- نتنياهو: بلدات مسيحية في جنوب لبنان -طلبت ضمّها- إلى إسرائيل ...
- نتنياهو يزعم طلب قرى مسيحية في لبنان الانضمام إلى إسرائيل
- محمد فنيش: نعتقد أن الحرب في لبنان تم إيقافها عبر تدخل الجم ...
- محمد فنيش: إن انتصار الثورة الإسلامية في إيران هو انتصار لكل ...
- قاليباف في لقائه القيادي البارز في حزب الله محمد فنيش: هناك ...
- رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق إيهود باراك: أدعو الى عصيان م ...
- قاليباف: العدو أدرك أن تحقيق السلام في المنطقة ولبنان والشر ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - شجرةُ الأقدارِ البديلة… الغصنُ الأعوج