|
|
الجانب المظلم من ثورة 23 يوليو ، الفصل العاشر من كتاب يوسف درويش ، شجاعة الصمود2
خالد محمد جوشن
محامى= سياسى = كاتب
(Khalid Goshan)
الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 00:39
المحور:
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
- حكايات الشجاعة والمقاومة
أغنية الفجر
سألني الفجر مين إنته ؟؟
یا قايد في الظلام شمعة ؟؟
ولیه سهران لحد امتى؟؟
بتسقي الشمع من دمعك؟؟
وكام مرت عليك شدة؟؟
وخطت إيدها في يدك؟؟
وكام مرة الشتا شتى ؟؟
وكام مرة الربيع واعدك ؟؟
أنا يا فجر حرية
تهز الكون مواكبها
وغنوة حب ثورية
جميع الشعب رددها
عشان الكل يتمتع
بخير الأرض والمصنع
بإيد تبني وإيد تزرع
وايد تعرف تشيل مدفع
عرفت إني .. أنا إنته؟
محمود المستكاوي، سجن أوردي، 1960
رغم أن يوسف دفع ثمنا فادحا لتحديه الهادئ، إلا أن مبادرته فتحت مساحة ضئيلة وإن كانت ذات دلالة للآخرين لكي يتحدوا التعذيب والممارسات المخالفة للقانون في نظام السجون المصرية، وبينما كاد عبد اللطيف رشدي أن يقتل يوسف وعرضه لأبشع أنواع التعذيب لرفضه ممارساته، كان مأمور سجن الأوردي حسن منير صريحًا تماما بشكل يثير الدهشة مع عبد المنعم شتلة، الذي قال له وجها لوجه أثناء طابور الصباح: «نحن نتعرض للتعذيب والضرب والأشغال الشاقة، أنتم تخالفون لوائح السجون المصرية والدستور وجميع الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها مصر، بما فيها اتفاقيات جنيف، نحن سجناء سياسيون عاملونا على هذا الأساس.
أنت تعترض على الضرب أثناء عملك يا شتلة؟ ألا تفهم أن العمل ليس هو المهم؟ بل الضرب الأمر بسيط إننا نجبرك على العمل لكي نضربك
وبعد هذا التوضيح الصريح سأل منير شتلة: «أما زلت ترفض الضرب؟ فأجاب: بلى، أرفض»، كان رد فعل منير الفوري هو استخدام العنف المبرمج المعتاد: أمر الحراس بتعليق شتلة رأسًا على عقب وجلده خمسين جلدة، لكن عندما استجاب الحراس غير رأيه فجأة، قال: اتركوه، لا أريد أن أجعل منه بطلا.
كان تراجع منير بمثابة تحول صغير آخر، يفتح الباب للمقاومة داخل نظام السجن المحكم الذي كسره يوسف وشتلة بشجاعة، كما أن مقتل فريد وجلسات التعذيب اليومية أثارت عصيانا وسط السجانين أنفسهم عندما قرر العسكري عبد اللطيف أحمد تجاهل الأوامر
بروى حسن المناويشي، وكان عامل نسيج من كفر الدوار: العسكري عبد اللطيف أحمد امتنع عن ضرب الزملاء، بعد أن لاحظ حالة حكيم المتدهورة وعندما حل الدور على عنبر 6 رفض أيضًا أن يضرب أحداً من الزملاء، وكان يضرب بالعصا على حائط العنبر، مما لفت نظر المأمور له وسمعنا الصول مطاوع يقول للجنود قف، فتوقف الجميع عن ضربنا، وساد صمت بشع لمدة نصف دقيقة وقال المأمور المطاوع هات العسكري عبد اللطيف هنا يا مطاوع .. فنادى الصول یا عسکري عبد اللطيف افندم احضر سريعاً أمام البيه المأمور»، حضر العسكري ودار بينه وبين المأمور أغرب حوار وبدأ المأمور قوله: «لاحظت أنك لم تضرب أحدا من الشيوعيين في عنبره، فقلت إنك متأثر بحالة المريض اللي اسمه حكيم.. وكذلك هنا أيضًا في عنبر 6 لم تضرب أحدا، فما هي حكايتك بالضبط ؟
أجاب العسكري: «أنا من الآن فصاعدا لن أضرب أحدا، وإذا كنت عاوزني أضربهم أعطني أمراً كتابيا بذلك، لأن الضرب تم منعه من مصلحة السجون من عدة سنوات... كان هذا الحوار أمام المعتقلين في عنبر 6 واعتبر المأمور أن العسكري يتحداه فقال له: «إنك تخالف الأوامر وتعرض نفسك المجلس عسكري» «أنا لم أخالف الأوامر، وقد منع الضرب بأمر من اللواء محمود صاحب مدير عام المصلحة، وسيادتك عارف بأنني سبق أن حوكمت قبل ذلك بسبب ضرب أحد السجناء في الماضي، ولن أضرب أحدا إلا بأمر مكتوب» فقال له المأمور: احضر إلى المكتب محبوس، فرد الشاويش وراء المأمور محبوس محبوس، ولا ارتكبشي جريمة قتل، ثم انسحب الجميع بعد هذا الحوار الذي لن يتكرر مرة اخرى داخل السجون المصرية.
كما روى الكاتب والصحفي فتحي عبد الفتاح قصة أخرى من قصص التحدي التي خاضها يوسف ورفاقه ريموند و صادق والمحامي شحاتة هارون. كتب عبد الفتاح في شتاء عام 1960، حين خيم علينا ظلام دامس ومرير واجتاحتنا الطقوس اليومية للتعذيب والجوع في السجن، دفعنا بالعصي والسياط وفوهات البنادق والشتائم لتحطم صخور الصحراء. لا أريد أن أنسى تلك الأيام المظلمة لكي تخلد في الوعي الجمعي لشباب وشابات مصر الذين سيحمون شعبنا من القمع والتهميش الذي يفرضه البشر على إخوانهم البشر بسبب إيمانهم بأيديولوجية مختلفة ومعارضة .
في أحد تلك الأيام، اختار مأمور السجن أربعة من رفاقنا اليهود ليبلغهم أن السلطات في القاهرة قررت نفيهم خارج مصر، إلى البلد الذي يختارونه.
من منكم يستطيع أن يتخيل تلك اللحظة المأساوية: تلك الفكرة غير المتوقعة وغير المعقولة، وهي أن يمنح الرفاق الأربعة الإفراج من هذا المعتقل، بكل ما فيه من تعذيب قاتل، وأن يمنحوا حرية السفر إلى أوروبا أو أي مكان آخر، حتى إسرائيل، انتظر الرفاق الأربعة حتى انتهى مدير السجن من كلامه. ثم تقدم أحمد صادق سعد، حافي القدمين وشاحب الوجه، لكن صوته كان يرن بوضوح وجلاء وهو يقول للرجل: «اخرس، أنا مصري أكثر منك تشكلت بطين النيل وآلام شعبي، أما أنت وأمثالك، فغرباء عن شعب مصر، ولا مفر من أنكم سترحلون يوما ما.
ثم جاء دور يوسف ليصرخ في وجه حسن منير: «أنت مفلس وغبي، من أنت لتطردنا من بلادنا؟ يمكنكم أن تضربونا وتعذبونا كما تشاءون، كما تعذبوا شعب مصر، لكننا لن نترك أرض آبائنا وأجدادناء
صدم مأمور السجن، الذي كان جسده جسد ثور وعقله عقل حمار، من هذه الثورة، ففقد صوابه، لم يدر ما يرد به فانقض على صادق ويوسف
تعرض يوسف ورفاقه للضرب المبرح، لكن كما في حالة شتلة مارس مأمور السجن قدراً من ضبط النفس حتى لا يحولهم إلى أبطال، ويخاطر باحتمال المقاومة الجماعية، لكن العادات القديمة لا تموت بسهولة، وعادت غرائز منير القاتلة إلى الظهور في النهاية، مما تسبب في سقوطه وإغلاق سجن الأوردي.
في 14 يونيو 1960 سمع بعض السجناء حسن منير يقول لمساعدة عبد اللطيف رشدي، المشرف على التعذيب والذي كاد أن يقتل يوسف أن يتناول وجبة دسمة ويأخذ قسطا من الراحة، وأدرك السجناء أن هذا استعداد لمراسم استقبال جديدة في اليوم التالي، ويقال إن رشدي كان يتناول في مثل هذه المناسبات زوجا من الحمام كمقبلات، وطبقاً ضخما من اللحمة، وكان السجناء يشبهونه بثور يعلف عشية السباق في حلبة .
وفي 15 يوليو، بقي السجناء في زنازينهم، فقد ألغى مأمور السجن عمل اليوم التوفير رجال الحراسة أمام مدخل سجن الأوردي، ورغم وجود السجناء داخل زنازينهم تمكنوا من سماع ما يحدث في الخارج.
وسرعان ما اتضح أن المجموعة الجديدة من السجناء تضم شهدي عطية الشافعي، ومن لم تشملهم موجات الاعتقال السابقة من مجموعته كان شهدي سكرتير الحزب الشيوعي المصري. حدتو، وهو الفصيل الذي أعاد تنظيم صفوفه بعد طرده هو وآخرين من الحزب بسبب تأييدهم لناصر ضد تحالف قاسم والشيوعيين في العراق.
كان شهدي ناشطا منذ أوائل أربعينيات القرن العشرين، حصل على بكالوريوس في الفلسفة من جامعة القاهرة، وماجستير في الأدب الإنجليزي من جامعة إكستر بإنجلترا وإلى جانب دوره القيادي في الحركة الشيوعية كان مفكراً وكاتبا بارزا وفي عام 1944 آدار شهدي دار الأبحاث العلمية التابعة لجماعة «إسكرا، وفي عام 1945 ألف أول كتيب سياسي له بعنوان أهدافنا الوطنية ، وكان شهدي يعمل صحفيا في جريدة المساء قبل اعتقاله، كما تولى إدارة دار مصر للترجمة والنشر.
يتذكر يوسف ذلك اليوم بوضوح: سمع رفاقنا في الزنزانة الأقرب إلى مدخل الأوردي استجواب شهدي ما اسمك يا ولد؟، أنا لست ولدا، شتمه عبد اللطيف رشدي وكرر السؤال فرد أنا شهدي عطية وأنت تعرف اسمي، ثم سمع رفاقنا ضربات على جسد شهدي، لكنه لم ينطق ببنت شفة مرة أخرى نفس السؤال العبثي: ما اسمك ؟ رد شهدي بتحد: أنت تعرف من أنا، هل أنت شيوعي ، نعم أنا شيوعي، قول: أنا مرة، قول: أنا عيشة قول: أنا زينب، أنا شهدي عطية.
استمر الضرب حتى سمع المعتقلون الجنود وهم يقولون إن شهدي لم يعد بتنفس، وهذه المرة كان الرد فوريًا على عكس حالة فريد، صعد بعض السجناء على أكتاف بعضهم، وصرخوا من النوافذ أنتم لستم سوى عصابة من القتلة المجرمين، أين المحكمة؟ سنشهد سنقول للمحكمة إنكم قتلتم شهدي «عطية». ساد المكان صمت مطبق على أثر هدير الرفاق تماما كما كان الحال بعد مقتل فريد، كما لو كان سجن الأوردي حبس أنفاسه.
يسجل طه انتابني الخوف من بسبب الصمت المطبق، خوف أكبر ممما كنت أشعر به عندما كنت أسمع رشدي يلفظ إهاته، وصدى الضربات الموجعة على جسد شهدي .. وفهم طه أن الصمت كان يعني موت شهدي .
لأول مرة شعرت سلطات السجن بالخطر، أدركوا أنهم سيواجهون هذه المرة تحقيقا جنائيا، ولأن شهدي على عكس فريد كان شخصية عامة مرموقة أدرك قادة السجن أنهم تجاوزوا هامش الإفلات من العقاب، غادر منير ورشدي وأتباعهما من الضباط سجن الأوردي فور حدوث جريمة القتل، وفي محاولة لإخفاء آثاره محا منير اسمه من سجل الحضور في السجن يوم 15 يونيو، ولكي يبرر غيابه يوم الجريمة كان ذراعه مضمدًا عند عودته إلى العمل
شكل مقتل شهدي نقطة تحول في وعي السجناء، وعادت إليهم روح الوحدة والنضال التي كانت قد ضاعت بسبب التشرذم الداخلي للقيادة، والذي أدى إلى التراخي وانعدام الهدف، وبدأ شعور السجناء بالهدف يتجاوز إرادة البقاء، وباتوا مصممين - مثل شهدي وفريد على المقاومة، حتى لو كلفتهم حياتهم.
كتب طه "أعتقد أن الوقت قد حان لنا جميعا لكي تتذكر قول الشاعر:
"إذا لم تمت سيفا أو نصلاً برغبة فَمِنَ العَارِ أَنْ تَمُوتَ جبينًا"
وعبر حلمي ياسين، سكرتير الحزب الشيوعي المصري عن إرادة المقاومة بقوله: بعد أن قتلوا شهدي قررنا رفض الالتزام بلوائحهم.
وبعد أن فتح الحراس العنابر يوم 16 يونيو، غادر السجناء زنازينهم على مهل، اصطفوا دون أن يركضوا في دوائر، ودون أن يقفوا في وضع انتباه، ودون أن ينضموا إلى الحراس في ترديد نشيد الجمهورية، ولأن الحراس لم يعرفوا كيف يردون على ذلك راحوا يركضون في دوائر بلا هدف، وبلا جدوى، رفض السجناء الحركة أو الغناء، وفي النهاية استسلم الحراس الذين تخلى عنهم رؤساؤهم وتركوهم وشأنهم، ومنذ ذلك اليوم فصاعدا، بدأ النظام في الانهيار.
ظهر اللواء إسماعيل منير مأمور سجن الأوردي فجأة في اليوم التالي، وعندما رأى أحد الحراس يحمل سوطا، انتزعه من يده بحركة مسرحية مصطنعة، وصاحبصوت عال مسموع للجميع لماذا تحمل هذا السوط من الآن فصاعدا لن يستخدم أحد السياط بعد الآن - هنا أو في الجبل، ثم خاطب السجناء، متعهدا يوقف التعذيب.
يقول يوسف بالرغم من أن روح المقاومة الجماعية الجديدة للإرهاب التي اشهرها السجناء ساهمت في تغيير موقف الإدارة، إلا أن عاملاً أكثر حسماحدد تغيير النظام في السجن.
كان الرئيس اليوغوسلافي جوزيف بروز تيتو قد دعا جمال عبد الناصر لزيارة بلجراد وإلقاء كلمة أمام البرلمان اليوغوسلافى قبل مقتل شهدي بفترة وجيزة ، وكان تيتو أحد أقرب حلفاء عبد الناصر السياسيين في حركة عدم الانحياز، وكان زعيماً بارزاً في الكتلة الشيوعية لأوروبا الشرقية،. وخلال زيارة عبد الناصر الرسمية ارسلت شقيقة شهدي برقية إليه بمعرفة البرلمان اليوغوسلافي، تبلغه فيها بمقتل شقيقها وفي بلغراد، وقبل دقائق من الخطاب صدم عبد الناصر برؤية النواب يقفون بناء على طلب رئيس المجلس منهم الوقوف دقيقة صمت حدادا على رفيقهم المصري شهدي عطية ابن الطبقة العاملة العالمية، الذي عذب حتى الموت في سجن مصري بتهمة الشيوعية، وبعد أن قدم النواب التعاري في شهدي. سلم رئيس المجلس البرقية إلى عبد الناصر.
لم يشعر ناصر بالحرج العلني فحسب، بل والأهم من ذلك، خشى ان يعرض اغتيال الشيوعيين المصريين على يد جهازه الأمني علاقاته السياسية مع تيتو وحلفائه الشيوعيين الرئيسيين الآخرين، مثل جمهورية التشيك والاتحاد السوفيتي، للخطر، فطالب أثناء وجوده في بلغراد بإجراء تحقيق فوري في مقتل شهدى ، وأمر بوقف تعذيب السجناء الشيوعيين، كما أقال ناصر مدير مصلحة السجون ونائبه.
بدأت الشرطة تحقيقاتها في مقتل شهدي في 18 يونيو، وفى ي محاولة لطمس الحقيقة حاولت إدارة السجن منع السجناء من الإدلاء بشهاداتهم، وأمر مديرالسجن باحتجازهم في مكان آمن خلف القضبان حتى رحيل ممثلي النيابة العامة، ورفض السجناء كتم أصواتهم، وعندما دخل فريق التحقيق سجن الأوردي، صعد بعض السجناء على أكتاف آخرين، وصرخوا بأنهم شهود ويريدون الإدلاء بشهاداتهم، ونتيجة لذلك أدلى سجناء مجموعة شهدي، وهم شهود عيان. على مدار عدة أيام. إلى جانب إسماعيل صبري عبد الله وفؤاد مرسي وعبد المنعم شتلة بشهاداتهم على مدار عدة ايام .
لم يوجه اتهام لقتلة شهدي ولا من أمروا بتعذيبه وأشرفوا عليه، فقد تم العبث بالسجلات أو إتلافها قبل وصول ملف شهدي إلى المحكمة، ومن بين الوثائق التي اختفت من ملفه تقرير الطبيب الشرعي الذي يوضح سبب الوفاة، كما تم محو شهادات رفاق شهدي الذين شهدوا جريمة القتل - وكذلك شهادات إسماعيل صبري عبد الله وفؤاد مرسي وعبد المنعم شتلة، ونظرا لاختفاء الأدلة الطبية التي تفيد بأن شهدي مات نتيجة إصابات قاتلة ناجمة عن تعليمات رشدي بالضرب المبرح لم ينص على تهمة القتل في التحقيقات، أما بالنسبة لأهم شهود الإدعاء، أي شهودد العيان الذين سمعوا الجريمة فقد تم حذف شهاداتهم " . وبناء عليه لم يتم تحديد الجندي الذي قتلت ضرباته شهدي. كما لم يتم توجيه تهمة إلى رشدي ومنير بجريمة إصدار الأمر بتعذيب السجناء.
يتذكر يوسف لم يُحاكم أحد من المجرمين، بل تمت ترقية عبد اللطيف رشدي. ونقل إلى قسم شرطة بمحافظة أسيوط، إلا أنه لم يهنا بترقيته طويلا، فقد مات فيما بدا ميتة عنيفة وكأنه عدل إلهي - يُرجح أنها على يد قتلة كانوا يسعون للقصاص لأحد أفراد أسرتهم المظلومين
كما نقل يونس مرعي الضابط المسؤول عن مقتل فريد حداد، إلى سجن آخر مع كبار ضباط سجن الأوردي، ولكن حتى في غياب سيادة القانون أنهى التحقيق الجنائي في وفاة شهدي الهدف الأصلي للمعتقل، وتوقف التعذيب بسبب أوامر ناصر ومقاومة السجناء، ولم يعد معسكر الأوردي معسكرا للقتل. استمر حرماننا من كثير من الحقوق الأساسية التي تمنحها لوائح السجون السجناء السياسيين ومات بعض رفاقنا نتيجة لسوء التغذية، وعندما كانوا يسقطون من المرض كانت الإدارة تمنع عنهم الرعاية الطبية، كان هذا مصير كمال حسام الدين، عامل نسيح من الإسكندرية، توفي في الأسبوع الثاني من نوفمبر 1960، ومن بين عمال النسيج الآخرين الذين ماتوا أيضا - بسبب نقص الرعاية عبد التواب جبريل وعلى الديب وهناك كثير من الأبطال المجهولين اللذين ماتوا فى صمت ، والذين لم تكتب قصص التزامهم وشجاعتهم، ومن بين هؤلاء رشدي خليل، ذلك الشاب الذي صادقته وأحببته، وكنت أقدر التزامه، كان مهندسا، وعضوا في الحزب الشيوعي، وناشطا في الحركة الشيوعية منذ أيام دراسته. سجن عام 1954 بعد قيادته لحركة طلابية في جامعة عين شمس تدعو إلى إلغاء الأحكام العرفية واستعادة الحقوق المدنية الديمقراطية. وتلقى في الأوردي. معاملة خاصة تليق بالنشطاء المشهورين جرعة زائدة من التعذيب، وعندما أصيب بحمى شديدة وطلب رعاية طبية ضرب ضربا مبرحا حتى أصيب بارتجا في المخ، وترك دون علاج، ومات في 23 يوليو 1960، كان رشدي خليل في التاسع والعشرين من عمره عند موته.
ما بين معسكر اعتقال الأوردي ووجهتنا التالية سجن «المحاريق» ، واحة الخارجة، عرفت 12 رفيقا ماتوا تحت التعذيب، أو بسبب حرمانهم من الرعاية الطبية، لكن هذه ليست سوى قائمة صغيرة، فقد كان كثيرون غيرهم في معسكرات الموت زمن عبد الناصر.
مع انهيار نظام سجن الأوردي تدريجيا تحت وطأة مقاومة المساجين قررت اللجنة المركزية المطالبة رسميًا بالإفراج عنهم، واقتصرت مطالب اللجنة على حقوق السجناء السياسيين وفقا للوائح مصلحة السجون، وهي: الحق في الرعاية الطبية، والحق في نظام غذائي متوازن ومغذي، والحق في ارتداء ملابس مدنية وحقوق الزيارة، والحصول على الكتب والصحف ومواد الكتابة.
كثفت قيادة اللجنة المركزية الضغط على إدارة السجن وأعلنت أن السجناء سيضربون عن الطعام حتى تحقيق مطالبهم، وقررت تنظيم الإضراب في مجموعات تتكون كل مجموعة من سبعة أو ثمانية أشخاص، بهدف تعزيز زخم الإضراب من خلال زيادة عدد المشاركين باستمرار، بدأ الإضراب في يونيو 1961 بعد عام من مقتل شهدي وكان محمود العسكري ضمن المجموعة الأولى من المضربين، بينما انضم يوسف إلى المجموعة الثانية، يوضح قائلاً: «اختارت اللجنة المركزية الرفاق الذين سينضمون إلى الإضراب، وطلبت مني عدم المشاركة لأنني في الخمسين من عمري ولأنني من أقدم السجناء، لكنني أصررت، وقلت إنني سا ضرب مهما كلفني الأمر.
نقلت إدارة السجن المضربين إلى زنزانة العقاب بمجرد أن بدأ الإضراب -ونصحتهم بأن يتوقفوا أيضًا عن شرب الماء حتى يموتوا بسرعة، وعلى النقيض من ذلك عالج الأطباء الرجال المضربين بأمانة مهنية وتعاطف إنساني كبير، وحذروا في تقاريرهم الطبية إدارة السجن من تدهور حالة السجناء ونتيجة لذلك نقلت مجموعة يوسف إلى سجن طرة الذي يضم مستشفى.
في اليوم السابع عشر من الإضراب حذر الأطباء من أن حياة الرجال المضربين في خطر، استبد التوتر بالضباط المسؤولين وعجزوا عن التعامل مع الوضع وأرادوا تجنب أي تحقيق جنائي آخر بأي ثمن، فطلبوا من النيابة العامة التدخل والتفاوض مع السجناء، وبعد مفاوضات مكثفة في مستشفى طرة وافقت النيابة العامة على إصدار أمر إلى إدارة السجن بتطبيق لوائح مصلحة السجون ومعاملة السجناء الشيوعيين وفقا للقانون
يقول يوسف كان إصرار الرفاق على أن يتضمن تقرير النيابة العامة أن عدم الالتزام بلوائح السجون القائمة غير قانوني، بمثابة المسمار الأخير في نعش سجن الأوردي.
كان هذا هو النهاية الحقيقية لمغزى وجود معسكر الموت، إذ لم يعد ممكنا -الاستمرار في العمل في ظل انعدام القانون، وتحت التعذيب وإنكار كل الحقوقالإنسانية المشروعة، لو كانت مهمة «الأوردي» هي استئصال كل آثار الماركسية من عقولنا بتعذيبنا لإخضاعنا فقد فشل وتحدى الرفاق جبروت جهاز الدولة القمعي مسلحين بالشجاعة والصمود وانتصروا وأغلق معسكر الأوردي أبوابه في الأسبوع الأخير من أغسطس 1961، واتجهت بنا قافلة من شاحنات الجيش المدرعة إلى واحة الخارجة فى الصحراء الغربية والى التتمة فى المقال الثالث والاخير
#خالد_محمد_جوشن (هاشتاغ)
Khalid_Goshan#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الجانب المظلم من ثورة 23 يوليو ، الفصل العاشر من كتاب يوسف د
...
-
تابع عرض كتاب ذكريات باريس للدكتور زكى مبارك 13
-
تابع عرض كتاب ذكريات باريس للدكتور زكى مبارك 12
-
تابع عرض كتاب ذكريات باريس للدكتور زكى مبارك 11
-
امرأة جميلة
-
تابع عرض كتاب ذكريات باريس للدكتور زكى مبارك 10
-
الاشجار ضرورة ملحة لمستقبنا
-
من ذكرياتى القديمة
-
تابع عرض كتاب ذكريات باريس للدكتور زكى مبارك 8
-
رجل على الطريق قصة لمحمود البدوى
-
محمود البدوى تشيكوف العرب
-
تابع عرض كتاب ذكريات باريس للدكتور زكى مبارك 7
-
تابع عرض كتاب ذكريات باريس للدكتور زكى مبارك 6
-
تابع عرض كتاب ذكريات باريس للدكتور زكى مبارك 5
-
جمال المرأة ؟
-
تابع عرض كتاب ذكريات باريس للدكتور زكى مبارك 4
-
تابع عرض كتاب ذكريات باريس للدكتور زكى مبارك 3
-
تابع عرض كتاب زكريات باريس للدكتور زكى مبارك 2
-
عصرنا بلا أعلام 3
-
عصرنا بلا أعلام 2
المزيد.....
-
إيران: وفد عُماني يزور طهران لمناقشة حركة الملاحة في مضيق هر
...
-
الحرب ضد إيران ترتد على أسعار الطاقة
-
مصادر: ترامب يوجه الجيش الأمريكي بوقف الضربات على إيران مؤقت
...
-
الحرس الإيراني يعلن تدمير 11 مقاتلة وطائرة أمريكية كانت في ق
...
-
مصدر ميداني لـ RT: تدمير مركبات عسكرية للدعم السريع خلال عمل
...
-
زاخاروفا: نظام كييف يستهدف المدنيين الروس بشكل متعمد
-
بيسكوف: شرطنا للتسوية مع أوكرانيا تحقيق أهدافنا
-
عراقجي: إجراءات إيران ضد الأهداف الأمريكية في المنطقة حق دفا
...
-
محملة زيلينسكي العواقب.. طهران تدين مهاجمة أوكرانيا سفينة تج
...
-
قناة عبرية: نتنياهو سيقدم لترامب معلومات استخباراتية حول سعي
...
المزيد.....
-
قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير
...
/ رياض الشرايطي
-
نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و
...
/ زهير الخويلدي
-
-فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2
/ نايف سلوم
-
فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا
...
/ زهير الخويلدي
-
الكونية والعدالة وسياسة الهوية
/ زهير الخويلدي
-
فصل من كتاب حرية التعبير...
/ عبدالرزاق دحنون
-
الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية
...
/ محمود الصباغ
-
تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد
/ غازي الصوراني
-
قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل
/ كاظم حبيب
-
قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن
/ محمد الأزرقي
المزيد.....
|